التفاسير

< >
عرض

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ
١
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ
٢
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ
٣
وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ
٤
فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ
٥
سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ
٦
إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ
٧
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ
٨
فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ
٩
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ
١٠
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى
١١
ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ
١٢
ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا
١٣
-الأعلى

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{سبح} في هذه الآية، بمعنى نزه وقدس وقل سبحانه عن النقائص والغير جمعاً وما يقول المشركون، والاسم الذي هو: ألف، سين، ميم، يأتي في مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمى، ويأتي في مواضع يراد به التسمية نحو قوله عليه السلام: " إن لله تسعة وتسعين اسماً" وغير ذلك، ومعنى أريد به المسمى فإنما هو صلة كالزائد كأنه قال في هذه الآية: سبح ربك، أي نزهه، وإذا كان الاسم واحداً من الأسماء كزيد وعمرو، فيجيء في الكلام على ما قلت، تقول زيد قائد تريد المسمى، وتقول: زيد ثلاثة أحرف تريد به التسمية، وهذه الآية تحتمل هذا الوجه الأول، وتحتمل أن يراد بالاسم التسمية نفسها على معنى نزه اسم ربك عن أن يسمى به صنم أو وثن، فيقال له إله ورب ونحو ذلك، و {الأعلى} يصح أن يكون صفة للاسم، ويحتمل أن يكون صفة للرب، وذكر الطبري أن ابن عمر وعلياً قرآ هذه السورة: "سبحان ربي الأعلى" قال وهي في مصحف أبيّ بن كعب كذلك، وهي قراءة أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومالك بن أبي دينار، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحان ربي الأعلى"، وكان ابن مسعود وابن عامر وابن الزبير يفعلون ذلك، و "لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم" ،وقال قوم: معنى {سبح اسم ربك} نزه اسم ربك تعالى عن أن تذكره إلا وانت خاشع، وقال ابن عباس معنى الآية: صلّ باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم الله، وحذف حرف الجر، و"سوى"، معناه عدل وأتقن حتى صارت الأمور مستوية دالة على قدرته ووحدانيته، وقرأ جمهور القراء " قدّر " بشد الدال فيحتمل أن يكون من القدر والقضاء، ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة، وقوله تعالى: {فهدى} عام لوجوه الهدايات فقال الفراء: معناه هدى وأضل، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى، وقال مقاتل والكلبي: هدى الحيوان إلى وطء الذكور الإناث، وقيل هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي، وقال مجاهد: هدى الناس للخير والشر، والبهائم، للمراتع..
قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال مثالات، والعموم في الآية أصوب في كل تقدير وفي كل هداية، و {المرعى} : التبات، وهو أصل في قيام المعاش إذ هو غذاء الأنعام ومنه ما ينتفع به الناس في ذواتهم، و " الغثاء " ما يبس وجف وتحطم من النبات، وهو الذي يحمله السيل، وبه يشبه الناس الذين لا قدر لهم، و " الأحوى": قيل هو الأخضر الذي عليه سواد من شدة الخضرة والغضارة، وقيل هو الأسود سواداً يضرب إلى الخضرة ومنه قول ذي الرمة: [البسيط]

لمياء في شفتيها حوّة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب

قال قتادة: تقدير هذه الآية {أخرج المرعى}، {أحوى} أسود من خضرته ونضارته، {فجعله غثاء} عند يبسه، فـ {أحوى} حال، وقال ابن عباس: المعنى {فجعله غثاء أحوى} أي أسود، لأن الغثاء إذا قدم وأصابته الأمطار اسود وتعفن فصار {أحوى} بهذه الصفة. وقوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى}، قال الحسن وقتادة ومالك ابن أنس: هذه الآية في معنى قوله تعالى: { لا تحرك به لسانك } } [القيامة: 16] الآية، وعد الله أن يقرئه وأخبره أنه لا ينسى نسياناً لا يكون بعده ذكر، فتذهب الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرك شفتيه مبادرة خوفاً منه أن ينسى، وفي هذا التأويل آية النبي صلى الله عليه وسلم في أنه أمي، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمنه من نسيانه، وقال آخرون: ليست هذه الآية في معنى تلك، وإنما هذه وعد بإقرار الشرع والسور، وأمره أن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم أن ترك النسيان ليس في قدرته، فقد نهي عن إغفال التعاهد، وأثبت الياء في " تنسى " لتعديل رؤوس الآي، وقال الجنيد: معنى {فلا تنسى}، لا تترك العمل بما تضمن من أمر ونهي، وقوله تعالى: {إلا ما شاء الله}، قال الحسن وقتادة وغيره مما قضى الله تعالى بنسخه، وأن ترفع تلاوته وحكمه. وقال الفراء وجماعة من أهل المعاني: هو استثناء صلة في الكلام على سنة الله تعالى في الاستثناء، وليس ثم شيء أبيح نسيانه، وقال ابن عباس: {إلا ما شاء الله} أن ينسيكه لتسن به على نحو قوله عليه السلام "إني لأنسى أَو أُنَسَّى لأسنَّ" وقال بعض المتأولين: {إلا ما شاء الله} أن يغلبك النسيان عليه ثم يذكرك به بعد، ومن هذا " قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قراءة عباد بن بشر يرحمه الله: لقد أذكرني كذا في سورة كذا وكذا" .
قال القاضي أبو محمد: ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم ممتنع فيما أمر بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ذلك وعلى أن يسنَّ، أو على النسخ، ثم أخبر تعالى {إنه يعلم الجهر} من الأشياء {وما يخفى} منها، وذلك لإحاطته بكل شيء علماً، وبهذا يصح الخبر بأنه لا ينسى شيئاً إلا ذكره الله تعالى به، وقوله تعالى: {ونيسرك لليسرى} معناه: نذهب بك نحو الأمور المستحسنة في دنياك وأخراك من النصر والظفر وعلو الرسالة والمنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة، ثم أمره تعالى بالتذكير، واختلف الناس في معنى قوله تعالى {إن نفعت الذكرى} فقال الفراء والزهراوي معناه: وإن لم تنفع، فاقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني، وقال بعض الحذاق: إنما قوله {إن نفعت الذكرى} ، اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش، أي {إن نفعت الذكرى} في هؤلاء الطغاة العتاة، وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر]

لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي

وهذا كله كما تقول لرجل قل لفلان وأعد له إن سمعك، إنما هو توبيخ للمشار إليه، ثم أخبر تعالى أنه {سيذكر من يخشى} الله والدار الآخرة، وهم العلماء والمؤمنون كل بقدر ما وفق، ويتجنب الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة، فكفر ووجب له صلي النار، وقال الحسن: {النار الكبرى} نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا، وقال بعض المفسرين: إن نار جميع الآخرة وإن كانت شديدة فهي تتفاضل، ففيها شيء أكبر من شيء، وقال الفراء: {الكبرى} هي السفلى من أطباق النار، وقوله تعالى: {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} معناه: {لا يموت فيها} موتاً مريحاً، {ولا يحيى} حياة هنية فهو لا محالة حي، وقد ورد في خبر: إن العصاة في النار موتى.
قال القاضي أبو محمد: وأراه على التشبيه لأنه كالسبات والركود والهمول فجعله موتاً.