التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ
٦١
-البقرة

زاد المسير في علم التفسير

هذا قولهم في التيه. وعنوا بالطعام الواحد: المن والسلوى. قال محمد بن القاسم: كان المن يؤكل بالسلوى، والسلوى بالمن، فلذلك كانا طعاماً واحداً. والبقل هاهنا: اسم جنس، وعنوا به: البقول. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: تذهب العامة إِلى أن البقل: ما يأكله الناس خاصة دون البهائم من النبات الناجم الذي لا يحتاج في أكله إلى طبخ، وليس كذلك، إِنما البقل: العشب، وما ينبت الربيع مما يأكله الناس والبهائم، يقال: بقلت الأرض، وأبقلت، لغتان فصيحتان: إذا أنبت البقل. وابتقلت الإبل: إذا رعت. قال أبو النجم يصف الإبل:

تبقلت في أول التبقل بين رماحي مالك ونهشل.

وفي «القثاء» لغتان: كسر القاف وضمها، والكسر أجود، وبه قرأ الجمهور. وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء، وقتادة، وطلحة بن مصرف، والأعمش: بضم القاف. قال الفراء: الكسر لغة أهل الحجاز، والضم لغة تميم، وبعض بني أسد.

وفي «الفوم» ثلاثة أقوال.

أحدها: أنه الحنطة، قاله ابن عباس، والسدي عن أشياخه، والحسن وأبو مالك، قال الفراء: هي لغة قديمة، يقول أهلها: فوَموا لنا، أي: اختبزوا لنا.

والثاني: أنه الثوم، وهو قراءة عبد الله وأبيّ: «وثومها» واختاره الفراء، وعلل بأنه ذكر مع ما يشاكله، والفاء تبدل من الثاء، كما تقول العرب: الجدث، والجدف: للقبر، والأثافي والأثاثي: للحجارة التي توضع تحت القدر. والمغافير، والمغاثير: لضرب من الصمغ. وهذا قول مجاهد، والربيع بن أنس، ومقاتل، والكسائي، والنضر بن شميل وابن قتيبة.

والثالث: أنه الحبوب، ذكره ابن قتيبة والزجاج.

قوله تعالى: {أتستبدلون الذي هو أدنى}: أي: أردأ {بالذي هو خير}: أي: أعلى، يريد: أن المن والسلوى أعلى ما طلبتم.

قوله تعالى: {اهبطوا مصراً} فيه قولان. أحدهما: أنه اسم لمصر من الأمصار غير معين، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وإنما أمروا بالمصر، لأن الذي طلبوه في الأمصار. والثاني: أنه أراد البلد المسمى بمصر، وفي قراءة عبد الله والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش «مصر» بغير تنوين، قال أبو صالح عن ابن عباس: أراد مصر فرعون، وهذا قول أبي العالية والضحاك، واختاره الفراء، واحتج بقراءة عبد الله. قال: وسئل عنها الأعمش، فقال: هى مصر التي عليها صالح بن علي. وقال مفضل الضبي: سميت مصراً، لأنها آخر حدود المشرق، وأول حدود المغرب، فهي حد بينهما. والمصر: الحد. وأهل هجر يكتبون في عهدهم: اشترى فلان الدار بمصورها، أي: بحدودها. وقال عدي:

وجاعل الشمس مصراً لاخفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا

وحكى ابن فارس أن قوماً قالوا: سميت بذلك لقصد الناس إِياها، كقولهم: مصرت الشاة، إذا حلبتها، فالناس يقصدونها، ولا يكادون يرغبون عنها إذا نزلوها.

قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة}: أي: ألزموها، قال الفراء: الذلة والذل: بمعنى واحد وقال الحسن: هي الجزية. وفي المسكنة قولان.

أحدهما: أنها الفقر والفاقة، قاله أبوالعالية، والسدي، وأبو عبيدة، وروي عن السدي قال: هي فقر النفس.

والثاني: الخضوع، قاله الزجاج.

قوله تعالى: {وباؤوا} أي: رجعوا. وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إِلى الغضب. وقيل: إِلى جميع ما ألزموه من الذلة والمسكنة وغيرها.

قوله تعالى: {وَيَقتُلون النَّبِيّينَ}.

كان نافع يهمز «النبيين» و «الأنبياء» و«النبوة» وما جاء من ذلك، إلا في موضعين في الاحزاب: { لا تدخوا بيوت النبي } } [53] { إن وهبت نفسها للنبي } [50] وإنما ترك الهمز في هذين الموضعين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وباقي القراء لا يهمزون جميع المواضع. قال الزجاج: الأجود ترك الهمز. واشتقاق النبي من: نبأ، وأنبأ، أي: أخبر. ويجوز أن يكون من: نبا ينبو: إذا ارتفع، فيكون بغير همز: فعيلاً، من الرفعة: قال عبد الله بن مسعود: كانت بنو اسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.

قوله تعالى: {بغير الحق} فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: بغير جرم، قاله ابن الأنباري. والثاني: أنه توكيد، كقوله تعالى: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. والثالث: أنه خارج مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم، فهو كقوله تعالى: {رب احكم بالحق} فوصف حكمه بالحق، ولم يدل على أنه يحكم بغير الحق.

قوله تعالى: {وكانوا يعتدون} العدوان: أشد الظلم. وقال الزجاج: الاعتداء: مجاوزة القدر في كل شيء.