التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
١
-النساء

زاد المسير في علم التفسير

اختلفوا في نزولها على قولين.

أحدهما: أنها مكيَّة، رواه عطيّة عن ابن عباس، وهو قول الحسن، ومجاهد، وجابر بن زيد، وقتادة.

والثاني: أنها مدنية، رواه عطاء عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. وقيل: إنها مدنية، إِلا آية نزلت بمكة في عثمان بن طلحة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منه مفاتيح الكعبة، فيسلِّمها إلى العباس، وهي قوله: {إِن اللهَ يأمُرُكُمْ أنْ تُؤدُّوا الأمَانَاتِ إلى أهْلِهَا} ذكره الماوردي.

قوله تعالى: {اتقوا ربكم}. فيه قولان.

أحدهما: أنه بمعنى الطاعة، قاله ابن عباس. والثاني: بمعنى الخشية. قاله مقاتل.

والنفس الواحدة: آدم، وزوجها حواء و«مِن» في قوله: {وخلق منها} للتبعيض في قول الجمهور. وقال ابن بحر: منها، أي: من جنسها.

واختلفوا أي وقت خلقت له، على قولين:

أحدهما: أنها خلقت بعد دخوله الجنة، قاله ابن مسعود، وابن عباس.

والثاني: قبل دخوله الجنة، قاله كعب الأحبار، ووهب، وابن إسحاق.

قال ابن عباس: لما خلق الله آدم، ألقى عليه النوم، فخلق حواء من ضِلَع من أضلاعه اليُسرى، فلم تؤذه بشيء ولو وجد الأذى ما عطف عليها أبداً، فلما استيقظ؛ قيل: يا آدم ما هذه؟ قال: حواء.

قوله تعالى: {وبثَّ منهما} قال الفراء: بثَّ: نشر، ومن العرب من يقول: أبث الله الخلق، ويقولون: بثثتك ما في نفسي، وأبثثتك.

قوله تعالى: {الذي تساءلون به} قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والبرجمي، عن أبي بكر، عن عاصم. واليزيدي، وشجاع، والجعفي، وعبد الوارث. عن أبي عمرو: «تسّاءلون» بالتشديد. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وكثير من أصحاب أبي عمرو عنه بالتخفيف.

قال الزجاج: الأصل: تتساءلون، فمن قرأ بالتشديد. أدغم التاء في السين، لقرب مكان هذه من هذه، و من قرأ بالتخفيف، حذف التاء الثانية لاجتماع التاءين.

وفي معنى «تساءلون به» ثلاثة أقوال.

أحدها: تتعاطفون به، قاله ابن عباس. والثاني: تتعاقدون، وتتعاهدون به. قاله الضحاك، والربيع.

والثالث: تطلبون حقوقكم به، قاله الزجاج.

فأما قوله «والأرحام» فالجمهور على نصب الميم على معنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفسّرها على هذا ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والسُّدّي، وابن زيد. وقرأ الحسن، وقتادة، والأعمش، وحمزة بخفض الميم على معنى: تساءلون به وبالأرحام، وفسرها على هذا الحسن، وعطاء، والنخعي.

وقال الزجاج: الخفض في «الأرحام» خطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار الشعر، وخطأ في الدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحلفوا بآبائِكم" وذهب إلى نحو هذا الفرّاء، وقال ابن الأنباري: إِنما أراد، حمزة الخبر عن الأمر القديم الذي جرت عادتهم به، فالمعنى: الذي كنتم تساءلون به وبالأرحام في الجاهلية. قال أبو علي: من جر، عطف على الضمير المجرور بالباء، وهو ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال، فترك الأخذ به أحسن.

فأما الرقيب، فقال ابن عباس، ومجاهد: الرقيب: الحافظ. وقال الخطابي: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وهو في نعوت الآدميين الموكل بحفظ الشيء، المترصد له، المتحرز عن الغفلة فيه، يقال منه: رَقَبْتُ الشيء أرْقُبُه رِقْبَةً.