التفاسير

< >
عرض

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
١٥
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى
١٦
ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
١٧
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ
١٨
وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ
١٩
فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ
٢٠
فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ
٢١
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ
٢٢
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ
٢٣
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ
٢٤
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ
٢٥
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ
٢٦
ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا
٢٧
رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا
٢٨
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا
٢٩
وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا
٣٠
أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا
٣١
وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا
٣٢
مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ
٣٣
-النازعات

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى: {هل أتاك حديث موسى} أي: قد جاءك. وقد بيَّنَّا هذا في [طه: 9] وما بعده إلى قوله تعالى: {طوى اذهب} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو «طوى اذهب» غير مُجراةٍ. وقرأ الباقون «طوىً» منونة {فقل هل لك إلى أن تَزَكَّى} وقرأ ابن كثير، ونافع «تَزَّكَّى» بتشديد الزاي، أي: تَطَّهَّر من الشرك {وأَهْدِيَكَ إلى ربك} أي: أدعوك إلى توحيده، وعبادته {فتخشى} عذابه {فأراه الآية الكبرى} وفيها قولان.

أحدهما: أنها اليد والعصا، قاله جمهور المفسرين. والثاني: أنها اليد، قاله الزجاج.

قوله تعالى: {فكذب} أي: بأنها من الله، {وعصى} نبيَّه {ثم أدبر} أي: أعرض عن الإيمان {يسعى} أي: يعمل بالفساد في الأرض {فحشَر} أي: فجمع قومه وجنوده {فنادى} لما اجتمعوا {فقال أنا ربكم الأعلى} أي: لا ربَّ فوقي. وقيل أراد أن الأصنام أرباب، وأنا ربُّها وربُّكم. وقيل: أراد: أنا ربُّ السادة والقادة.

قوله تعالى: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} فيه أربعة أقوال.

أحدها: أن الأولى قوله { ما علمت لكم من إله غيري } [القصص: 38] والآخرة قوله «أنا ربكم الأعلى»، قاله ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، ومقاتل، والفراء. ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال ابن عباس: وكان بينهما أربعون سنة. قال السدي: فبقي بعد الآخرة ثلاثين سنة. قال الفراء: فالمعنى: أخذه الله أخذاً نكالاً للآخرة والأولى.

والثاني: المعنى: جعله الله نكال الدنيا والآخرة، أغرقه في الدنيا، وعذَّبه في الآخرة، قاله الحسن، وقتادة. وقال الربيع بن أنس: عذَّبه الله في أول النهار بالغَرَق، وفي آخره بالنَّار.

والثالث: أن الأولى: تكذيبه وعصيانه. والآخرة قوله: «أنا ربكم الأعلى»، قاله أبو رزين.

والرابع: أنها أول أعماله وآخرها، رواه منصور عن مجاهد. قال الزجاج: النكال: منصوب مصدر مؤكد، لأن معنى أخذه الله: نكل الله به نكال الآخرة والأولى: فأغرقه في الدنيا ويعذِّبه في الآخرة. قوله تعالى {إن في ذلك} الذي فُعِل بفرعون {لعبرةً} أي: لعظةً {لمن يخشى} الله.

ثم خاطب منكري البعث، فقال تعالى {أأنتم أشد خلقاً أم السماءُ بناها} قال الزجاج: ذهب بعض النحويين الى أن قوله تعالى {بناها} من صفة السماء، فيكون المعنى: أم السماء التي بناها. وقال قوم: السماء ليس مما توصل، ولكن المعنى: أأنتم أشد خلقاً، أم السماءُ أشد خلقاً. ثم بيَّن كيف خلقها، فقال تعالى {بناها} قال المفسرون: أخَلْقُكم بعدَ الموت أشدُّ عندكم، أم السماءُ في تقديركم؟ وهما في قدرة الله واحد. ومعنى: «بناها» رفعها. وكل شيء ارتفع فوق شيءٍ فهو بناءٌ. ومعنى {رفع سَمْكها} رفع ارتفاعها وعلوَّها في الهواء «فسوَّاها» بلا شقوق، ولا فُطور، ولا تفاوت، يرتفع فيه بعضها على بعض {وأغطش ليلها} أي: أظلمه فجعله مظلماً. قال الزجاج: يقال: غطش الليل وأغطش، وغبش وأغبش، وغسق وأغسق، وغشي وأغشى، كله بمعنى أظلم.

قوله تعالى: {وأخرج ضحاها} أي: أبرز نهارها. والمعنى: أظهر نورها بالشمس. وإنما أضاف النور والظلمة إلى السماء لأنهما عنها يصدران {والأرض بعد ذلك} أي: بعد خلق السماء {دحاها} أي: بسطها. وبعض من يقول: إن الأرض خلقت قبل السماء يزعم أن «بعد» هاهنا بمعنى «قبل»، كقوله تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذِّكر } [الأنبياء: 105] وبعضهم يقول: هي بمعنى «مع» كقوله تعالى { عُتُلٍّ بعد ذلك زنيم } [القلم: 13] ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل السماء، ثم دحيت بعد كمال السماء، وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد أشرنا إلى هذا الخلاف في [البقرة: 29] ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله تعالى: {دحاها}.

{أخرج منها ماءها} أي: فجَّر العيون منها {ومرعاها} وهو ما يأكله الناس والأنعام {والجبال أرساها} قال الزجاج: أي: أثبتها {متاعاً لكم} أي: للإمتاع، لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها: أمتع بذلك. وقال ابن قتيبة: «متاعاً لكم» أي: منفعة [لكم].