التفاسير

< >
عرض

يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٧٤
-التوبة

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا} في سبب نزولها ثلاثة أقوال.

أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المنافقين فعابهم؛ فقال الجُلاس بن سويد: إن كان ما يقول على إخواننا حقاً، لنحن شرٌّ من الحمير، فقال عامر بن قيس: والله إنه لصادق، ولأنتم شرٌّ من الحمير؛ وأخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأتى الجلاسُ فقال: ما قلت شيئاً، فحلفا عند المنبر، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وذهب إلى نحوه الحسن، ومجاهد، وابن سيرين.

والثاني: أن عبد الله بن أُبيٍّ قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليُخرجن الأعزُّ منها الأذل، فسمعه رجل من المسلمين، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة.

والثالث: أن المنافقين كانوا إذا خَلَوْا، سبُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وطعنوا في الدين؛ فنقل حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ذلك، فحلفوا ما قالوا شيئاً، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك. فأما كلمة الكفر، فهي سبُّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعنهم في الدين. وفي سبب قوله: {وهموا بمالم ينالوا} أربعة أقوال.

أحدها: أنها نزلت في ابن أُبيّ حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة.

والثاني: أنها نزلت فيهم حين همُّوا بقتل رسول الله، رواه مجاهد عن ابن عباس، قال: والذي همَّ رجل يقال له: الأسود. وقال مقاتل: هم خمسة عشر رجلاً، هَمُّوا بقتله ليلة العقبة.

والثالث: أنه لما قال بعض المنافقين: إن كان ما يقول محمد حقاً، فنحن شرٌّ من الحمير؛ وقال له رجل من المؤمنين: لأنتم شرٌّ من الحمير، همَّ المنافق بقتله؛ فذلك قوله: {وهموا بمالم ينالوا} هذا قول مجاهد.

والرابع: أنهم قالوا في غزوة تبوك: إذا قدمنا المدينة، عقدنا على رأس عبد الله بن أُبيّ تاجاً نباهي به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلم ينالوا ما همُّوا به.

قوله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله} قال ابن قتيبة: أي: ليس ينقمون شيئاً، ولا يتعرفون من الله إلا الصنع، ومثله قول الشاعر:

مَا نَقَمَ النَّاسُ مِنْ أُمَيَّة إلاَّ أَنَّهُمْ يَحْلُمونَ إِنْ غَضِبُوا
وأنَّهم سَادَةُ المُلُوْكِ وَلاَ تَصْلُحُ إلاّ عَلَيْهِمُ العَرَبُ

وهذا ليس مما يُنقم، وإنما أراد أن الناس لا ينقمون عليهم شيئاً، وكقول النابغة:

ولا عَيْبَ فِيْهِم غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ

أي: ليس فيهم عيب. قال ابن عباس: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضَنْك من معاشهم، فلما قدم عليهم، غنموا، وصارت لهم الأموال. فعلى هذا، يكون الكلام عامّاً. وقال قتادة: هذا في عبد الله بن أُبيّ. وقال عروة: هو الجلاس بن سويد، قُتل له مولى، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته، فاستغنى؛ فلما نزلت: {فان يتوبوا يك خيراً لهم} قال الجلاس: أنا أتوب إلى الله.

قوله تعالى: {وإن يتولَّوا} أي: يعرضوا عن الإيمان. قال ابن عباس: كما تولَّى عبد الله بن أُبّي، {يعذبْهم الله عذاباً أليماً في الدنيا} بالقتل، وفي الآخرة بالنار.