التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً
٣٤
وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً
٣٥
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً
٣٦
وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً
٣٧
كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
٣٨
ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً
٣٩
-الإسراء

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالخصلة والطريقة التي هي أحسن وهي حفظه وتثميره {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} أي ثماني عشرة سنة {وَأَوْفُوا بِالْعَهْد} بأوامر الله تعالى ونواهيه {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو أن صاحب العهد كان مسؤولاً {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ} بكسر القاف: حمزة وعلي وحفص وهو كل ميزان صغير أو كبير من موازين الدراهم وغيرها. وقيل هو القرسطون أي القبان {الْمُسْتَقِيمِ} المعتدل {ذَلِكَ خَيْرٌ} في الدنيا {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} عاقبة وهو تفعيل من آل إذا رجع وهو ما يؤول إليه.

{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ولا تتبع ما لم تعلم أي لا تقل رأيت وما رأيت وسمعت وما سمعت. وعن ابن الحنفية: لا تشهد بالزور. وعن ابن عباس. لا ترم أحداً بما لا تعلم. ولا يصح التثبت به لمبطل الاجتهاد لأن ذلك نوع من العلم فإن علمتموهن مؤمنات، وأقام الشارع غالب الظن مقام العلم وأمر بالعمل به كما في الشهادات ولنا في العمل بخبر الواحد لما ذكرنا {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـــٰــئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} {أولئك} إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد لأن {أولئك} كما يكون إشارة إلى العقلاء يكون إشارة إلى غيرهم كقول جرير

ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام

و{عنه} في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولاً عنه، فمسؤول مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } [الفاتحة: 7]

يقال للإنسان. لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ كذا في الكشاف، وفيه نظر لبعضهم لأن الجار والمجرور إنما يقومان مقام الفاعل إذا تأخرا عن الفعل، فأما إذا تقدما فلا {وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحًا } هو حال أي ذا مرح {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ } لن تجعل فيها خرقاً بدوسك لها وشدة وطئتك {وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً } بتطاولك وهو تهكم بالمختال أو لن تحاذيها قوة وهو حال من الفاعل أو المفعول {كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيّئُهُ } كوفي وشامي على إضافة سيء إلى ضمير «كل». {سيئة} غيرهم {عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } ذكر {مكروهاً} لأن السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ألا تراك تقول: «الزنا سيئة»، كما تقول: «السرقة سيئة»، فإن قلت: الخصال المذكورة بعضها سييء وبعضها حسن ولذلك قرأ من قرأ {سيئة} بالإضافة أي ما كان من المذكور سيئاً كان عند الله مكروهاً فما وجه قراءة من قرأ {سيئة} قلت: كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة.

{ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من قوله: {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ } إلى هذه الغاية {مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ } مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَتُلْقَىٰ فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً من الرحمة. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها: {لا تجعل مع الله إلٰهاً آخر} وآخرها {مدحوراً} ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمة وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم. ثم خاطب الذين قالوا الملائكة بنات الله بقوله: