التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
٢١٩
فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٠
وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٢٢١
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ
٢٢٢
نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٢٣
-البقرة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف جماعة فشربوا وسكروا فأم بعضهم فقرأ «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون» فنزل { لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } [النساء: 43] فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك جماعة فلما سكروا منها تخاصموا وتضاربوا فقال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } إلى قوله { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [المائدة: 91] فقال عمر: انتهينا يا رب. وعن علي رضي الله عنه: لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها، ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه. والخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب، وسميت بمصدر خمره خمراً إذا ستره لتغطيتها العقل. والميسر القمار مصدر من يسر كالوعد من فعله يقال يسرته إذا أقمرته، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة بلا كد وتعب، أو من اليسار كأنه سلب يساره. وصفة الميسر أنه كانت لهم عشرة أقداح سبعة منها عليها خطوط وهو الفذ وله سهم، والتوأم وله سهمان، والرقيب وله ثلاثة، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلى وله سبعة، وثلاثة أغفال لا نصيب لها وهي المنيح والسفيح والوغد، فيجعلون الأقداح في خريطة ويضعونها على يد عدل ثم يجلجلها ويدخل يده ويخرج باسم رجل قدحاً قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح ما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، وفي حكم الميسر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما، والمعنى يسألونك عما في تعاطيهما بدليل {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } بسبب التخاصم والتشاتم وقول الفحش والزور «كثير»: حمزة وعلي. {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } بالتجارة في الخمر والتلذذ بشربها، وفي الميسر بارتقاق الفقراء أو نيل المال بلا كد {وَإِثْمُهُمَا } وعقاب الإثم في تعاطيهما {أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } لأن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيها الآثام من وجوه كثيرة.

{وَيَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } أي الفضل أي أنفقوا ما فضل عن قدر الحاجة، وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام فرضاً فإذا كان الرجل صاحب زرع أمسك قوت سنة وتصدق بالفضل، وإذا كان صانعاً أمسك قوت يومه وتصدق بالفضل فنسخت بآية الزكاة. «العفو»: أبو عمرو؛ فمن نصبه جعل «ماذا» اسماً واحداً في موضع النصب بـ « ينفقون» والتقدير: قل ينفقون العفو، ومن رفعه جعل «ما» مبتدأ وخبره «ذا» مع صلته فـ «ذا» بمعنى «الذين»و«ينفقون» صلته أي ما الذي ينفقون فجاء الجواب «العفو» أي هو العفو فإعراب الجواب كإعراب السؤال ليطابق الجواب السؤال. {كَذٰلِكَ } الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين {يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى ٱلدُّنْيَا } أي في أمر الدنيا {وَٱلآخِرَةِ } و «وفي» يتعلق بتتفكرون أي تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما أصلح لكم، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع، ويجوز أن يتعلق بـ «يبين» أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. ولما نزل { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } [النساء: 10] اعتزلوا اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل.

{ وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم {وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } وتعاشروهم ولم تجانبوهم {فَإِخوَانُكُمْ } فهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ } لأموالهم {مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } لها فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح {وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ } إعناتكم {لأَعْنَتَكُمْ } لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم {حَكِيمٌ } لا يكلف إلا وسعهم وطاقتهم.

ولما سأل مرثد النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يتزوج عناق وكانت مشركة نزل {وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } أي لا تتزوجوهن. يقال نكح إذا تزوج وأنكح غيره زوجه {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها {وَلاَ تُنكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ } ولا تزوجوهم بمسلمة كذا قاله الزجاج. وقال جامع العلوم: حذف أحد المفعولين والتقدير ولا تنكحوهن المشركين {حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ }. ثم بين علة ذلك فقال {أُوْلَـٰئِكَ } وهو إشارة إلى المشركات والمشركين {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } إلى الكفر الذي هو عمل أهل النار فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا {وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ } أي وأولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة وما يوصل إليهما فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم {بِإِذْنِهِ } بعلمه أو بأمره {وَيُبَيِنُ آيَـٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون.

كانت العرب لم يؤاكلوا الحائض ولم يشاربوها ولم يساكنوها كفعل اليهود والمجوس، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فنزل {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } هو مصدر يقال حاضت محيضاً كقولك «جاء مجيئاً» {قُلْ هُوَ أَذًى } أي المحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاءَ فِي ٱلْمَحِيضِ } فاجتنبوهن أي فاجتنبوا مجامعتهن. وقيل: إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا يعتزلونهن في كل شيء، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين. ثم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يجتنب ما اشتمل عليه الإزار، ومحمدرحمه الله لا يوجب إلا اعتزال الفرج. وقالت عائشة رضي الله عنها: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك. {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } مجامعين أو ولا تقربوا مجامعتهن {حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } بالتشديد كوفي غير حفص أي يغتسلن وأصله «يتطهرون» فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجيهما. غيرهم «يطهرن» أي ينقطع دمهن، والقراءتان كآيتين فعملنا بهما وقلنا له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل عملاً بقراءة التخفيف، وفي أقل منه لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت الصلاة عملاً بقراءة التشديد، والحمل على هذا أولى من العكس لأنه حينئذ يجب ترك العمل بإحداهما لما عرف، وعند الشافعيرحمه الله لا يقربها حتى تطهر وتتطهر دليله قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } فجامعوهن فجمع بينهما {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } من المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوابِينَ } من ارتكاب ما نهوا عنه أو العوادين إلى الله تعالى وإن زلوا فزلوا والمحبة لمعرفته بعظم عفو الله حيث لا ييأس {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ } بالماء أو المتنزهين من أدبار النساء أو من الجماع في الحيض أو من الفواحش.

كان اليهود يقولون إذا أتى الرجل أهله باركة أتى الولد أحول فنزل {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } مواضع حرث لكم وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور والولد بالنبات، ووقع قوله «نساؤكم حرث لكم» بياناً وتوضيحاً لقوله: «فأتوهن من حيث أمركم الله». أي إن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث لا مكان الفرث تنبيهاً على أن المطلوب الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لإقضاء الشهوة فلا تأتوهن إلا من المأتي الذي نيط به هذا المطلوب {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ } جامعوهن متى شئتم أو كيف شئتم باركة أو مستلقية أو مضطجعة بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث وهو تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة. وقوله: «هو أذى فاعتزلوا النساء»، «من حيث أمركم الله فأتوا حرثكم أنى شئتم». من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، فعلى كل مسلم أن يتأدب بها ويتكلف مثلها في المحاورات والمكاتبات {وَقَدّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ } ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة وما هو خلاف ما نهيتم عنه، أو هو طلب الولد أو التسمية على الوطء {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فلا تجترئوا على المناهي {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ } صائرون إليه فاستعدوا للقائه {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالثواب يا محمد. وإنما جاء «يسألونك» ثلاث مرات بلا واو ثم مع الواو ثلاثاً لأن سؤالهم عن تلك الحوارث الأول كأنه وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع. لذلك.