التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً
٥١
فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً
٥٢
وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً
٥٣
-الفرقان

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي لو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، ولبعثنا في كل قرية نبياً ينذرها، ولكن شئنا أن تجمع لك فضائل جميع المرسلين بالرسالة إلى كافة العالمين فقصرنا الأمر عليك وعظمناك به فتكون وحدك ككلهم، ولذا خوطب بالجمع {يا أيها الرسل} فقابل ذلك بالشكر والصبر والتشدد، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم، وكما آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضائي على جميع الأهواء، وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ } أي بالله يعني بعونه وتوفيقه أو بالقرآن أي جادلهم به وقرعهم بالعجز عنه {جِهَاداً كَبيراً } عظيماً موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق، ويجوز أن يرجع الضمير في {به} إلى ما دل عليه {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} من كونه نذير كافة القرى لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجب على كل نذير مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له: وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهاداً كبيراً جامعاً لكل مجاهدة.

{وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ } خلاّهما متجاورين متلاصقين. تقول: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وسمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين {هَـٰذَا } أي أحدهما {عَذْبٌ فُرَاتٌ } صفة لـــــ {عذب} أي شديد العذوبة حتى يقرب إلى الحلاوة {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } صفة لـــــ {ملح} أي شديد الملوحة {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } حائلاً من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج فهما في الظاهر مختلطان وفي الحقيقة منفصلان {وَحِجْراً مَّحْجُوراً } وستراً ممنوعاً عن الأعين كقوله { حجاباً مستورا [الإسراء: 45] }