التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ
٣٤
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
٣٥
فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
٣٦
وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
٣٧
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ
٣٨
هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٩
وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ
٤٠
وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
٤١
ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
٤٢
وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
٤٣
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٤٤

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ } ابتليناه. {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ } سرير ملكه {جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } رجع إلى الله. قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة، وكان من فتنته أنه ولد له ابن فقالت الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم ذلك سليمان عليه السلام فكان يغذوه في السحابة خوفاً من مضرة الشياطين، فألفى ولده ميتاً على كرسيه فتنبه على زلته في أن لم يتوكل فيه على ربه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة منهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون" وأما ما يُروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السلام فمن أباطيل اليهود.

{قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً } قدم الاستغفار على استيهاب الملك جرياً على عادة الأنبياء عليهم السلام والصالحين في تقديم الاستغفار على السؤال {لاَّ يَنبَغِى } لا يتسهل ولا يكون {لأَِحَدٍ مّن بَعْدِى} أي دوني. وبفتح الياء: مدني وأبو عمرو، وإنما سأل بهذه الصفة ليكون معجزة له لا حسداً وكان قبل ذلك لم يسخر له الريح والشياطين، فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين ولن يكون معجزة حتى يخرق العادات {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ } {ٱلرّيَاح } أبو جعفر.

{تَجْرِى } حال من {ٱلرّيحَ } {بِأَمْرِهِ } بأمر سليمان {رُخَآءَ } لينة طيبة لا تزعزع وهو حال من ضمير {تَجْرِى } {حَيْثُ } ظرف {تَجْرِى } {أَصَابَ } قصد وأراد. والعرب تقول: أصاب الصواب فاخطأ الجواب {وَٱلشَّيَـٰطِينَ } عطف على {ٱلرّيحَ } أي سخرنا له الشياطين {كُلَّ بَنَّآءٍ} بدل من {ٱلشَّيـٰطِينِ } كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية {وَغَوَّاصٍ } أي ويغوصون له في البحر لإخراج اللؤلؤ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر. والمعنى وسخرنا له كل بناء وغواص من الشياطين {وَءَاخَرِينَ} عطف على {كُلَّ بَنَّاء } داخل في حكم البدل {مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ } وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. والصفد: القيد وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه، ومنه قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك {هَـٰذَا } الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة {عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ } فأعط منه ما شئت من المنة وهي العطاء {أَوْ أَمْسِكْ } عن العطاء، وكان إذا أعطى أجر وإن منع لم يأتم بخلاف غيره {بِغَيْرِ حِسَابٍ } متعلق بـ {عَطَاؤُنَا } وقيل: هو حال أي هذا عطاؤنا جماً كثيراً لا يكاد يقدر على حصره، أو هذه التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق أو أمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب أي لا حساب عليك في ذلك {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ } {لَزُلْفَىٰ }اسم «إن» والخبر {لَهُ } والعامل في {عِندَ } الخبر.

{وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ } هو بدل من {عَبْدَنَا } أو عطف بيان {إِذْ } بدل اشتمال منه {نَادَىٰ رَبَّهُ } دعاه {إِنِّى مَسَّنِىَ } بأني مسني حكاية لكلامة الذي ناداه بسببه ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب {ٱلشَّيْطَـٰنُ بِنُصْبٍ } قراءة العامة {بِنُصُب}، يزيد تثقيل نُصْب {بِنَصَب} كرشد ورشد، يعقوب {بِنصب} على أصل المصدر هبيرة ـ والمعنى واحد وهو التعب والمشقة {وَعَذَابٍ } يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. ورُوي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل: ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين. وذكر في سبب بلائه أنه ذبح شاة فأكلها وجاره جائع، أو رأى منكراً فسكت عنه، أو ابتلاه الله لرفع الدرجات بلا زلة سبقت منه {ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ } حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام أي أرسلنا إليه جبريل عليه السلام فقال له: اركض برجلك أي اضرب برجلك الأرض وهي أرض الجابية فضربها فنبعت عين فقيل: {هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك. وقيل: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله تعالى.

{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } قيل: أحياهم الله تعالى بأعيانهم وزاده مثلهم {رَحْمَةً مّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } مفعول لهما أي الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولى الألباب، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره رغبهم في الصبر على البلاء {وَخُذْ } معطوف على {ٱرْكُضْ } {بِيَدِكَ ضِغْثاً } حزمة صغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قبضة من الشجر {فَٱضْرِب بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ } وكان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه، وهذه الرخصة باقية ويجب أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة. والسبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة فحرج صدره. وقيل: باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب عليه السلام إذا قام {إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ } علمناه {صَابِراً } على البلاء نعم قد شكا إلى الله ما به واسترحمه لكن الشكوى إلى الله لا تسمى جزعاً فقد قال يعقوب عليه السلام { إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ٱللَّهِ } [يوسف: 86] على أنه عليه السلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة حيث كان الشيطان يوسوس إليهم أنه لو كان نبياً لما ابتلي بمثل ما ابتلي به وإرادة القوة على الطاعة فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } أيوب {إِنَّهُ أَوَّابٌ }.