التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
٣١
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ
٣٢
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ
٣٣
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٤
لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٥
أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ
٣٦
وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ
٣٧
وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ
٣٨
قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣٩
مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
٤٠
إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ
٤١
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٤٢
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ
٤٣
قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٤٤
-الزمر

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{ثُمَّ إِنَّكُمْ } أي إنك وإياهم فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة، فلجّوا في العناد ويعتذرون بما لا طائل تحته، تقول الأتباع: أطعنا ساداتنا وكبراءنا، وتقول السادات: أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون. قال الصحابة رضى الله عنهم أجمعين: ما خصومتنا ونحن إخوان! فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا: هذه خصومتنا. عن أبي العالية: نزلت في أهل القبلة وذلك في الدماء والمظالم التي بينهم. والوجه هو الأوّل ألا ترى إلى قوله {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ } وقوله {وَٱلَّذِى جَاء بِٱلصّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } وما هو إلا بيان وتفسير للذين تكون بينهم الخصومة. {كَذَبَ علَى ٱللَّهِ } افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ} بالأمر الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {إِذْ جَآءَهُ } فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية أو اهتمام بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ } أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق. واللام في {لِلْكَـٰفِرِينَ } إشارة إليهم {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق وآمن به وأراد به إياه ومن تبعه كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } [المؤمنون: 49] فلذا قال تعالى {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } وقال الزجاج: رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: والذي جاء بالصدق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ورُوي أن الذي جاء بالصدق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به المؤمنون، والكل صحيح كذا قاله. قالوا: والوجه في العربية أن يكون «جاء» و «صدق» لفاعل واحد لأن التغاير يستدعي إضمار الذي، وذا غير جائز، أو إضمار الفاعل من غير تقدم الذكر وذا بعيد.

{لَهُم مَّا يَشَآءَونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إضافة أسوأ وأحسن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل كقولك: الأشج أعدل بني مروان.

{أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ } أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها {عَبْدَهُ} أي محمداً صلى الله عليه وسلم. {عباده} حمزة وعلي أي الأنبياء والمؤمنين وهو مثل { إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءينَ } [الحجر: 95] {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } أي بالأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه، وذلك أن قريشاً قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وإنا نخشى عليك مضرتها لعيبك إياها {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ } بغالب منيع {ذِى ٱنتِقَامٍ } ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم وينصرهم عليهم. ثم أعلم بأنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض بقوله {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ } بفتح الياء سوى حمزة {بِضُرٍّ} مرض أو فقر أو غير ذلك {هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِ } دافعات شدته عني {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ } صحة أو غنى أو نحوهما {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ } {كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ }، و {مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ } بالتنوين على الأصل: بصري، وفرض المسئلة في نفسه دونهم لأنهم خوفوه معرة الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقررهم أولاً بأن خالق العالم هو الله وحده ثم يقول لهم بعد التقرير: فإن أرادني خالق العالم الذي أقررتم به بضر أو برحمة هل يقدرون على خلاف ذلك؟ فلما أفحمهم قال الله تعالى: {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ } كافياً لمعرة أوثانكم {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ } يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم فسكتوا فنزل {قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ }، وإنما قال {كَـٰشِفَـٰتُ } و {مُمْسِكَـٰتُ } على التأنيث بعد قوله {وَيُخَوّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } لأنهن إناث وهن اللات والعزى ومناة، وفيه تهكم بهم وبمعبوديهم.

{قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ } على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها، والمكانة بمعنى المكان فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا وحيث للزمان وهما للمكان {إِنِّى عَـٰمِلٌ } أي على مكانتي وحذف للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد والإيذان بأن حالته تزداد كل يوم قوّة لأن الله تعالى ناصره ومعينه، ألا ترى إلى قوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } كيف توعدهم بكونه منصوراً عليهم غالباً عليهم في الدنيا والآخرة، لأنهم إذا أتاهم الخزي والعذاب فذاك عزه وغلبته من حيث إن الغلبة تتم له بعز عزيز من أوليائه وبذل ذليل من أعدائه، و {يُخْزِيهِ } صفة للعذاب كـ {مُّقِيمٌ } أي عذاب مخزلة وهو يوم بدر، وعذاب دائم وهو عذاب النار. {مكاناتكم} أبو بكر وحماد.

{إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ } القرآن {لِلنَّاسِ } لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ليبشروا وينذروا فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية {بِٱلْحَقِّ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ } فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } ومن اختار الضلالة فقد ضرها {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بحفيظ. {ثم أخبر بأنه الحفيظ القدير عليهم بقوله {ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} الأنفس الجمل كما هي، وتوفيها إماتتها وهو أن يسلب ما هي به حية حساسة دراكة {وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها أي يتوفاها حين تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك، ومنه قوله تعالى: { وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } [الأنعام: 60] {فَيُمْسِكُ } الأنفس {ٱلَّتِى قَضَىٰ } {قُضِىَ } حمزة وعلي. {عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ } الحقيقي أي لا يردها في وقتها حية {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ } النائمة {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت ضربه لموتها. وقيل: يتوفى الأنفس أي يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في مقامها وهي أنفس التمييز. قالوا: فالتي تتوفى في المنام هي نفس التمييز لا نفس الحياة لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفسَ والنائم يتنفس، ولكل إنسان نفسان: إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارق عند الموت، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام. ورُوي عن ابن عباس رضى الله عنهما: في ابن آدم نفس وروح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. وعن علي رضي الله عنه قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة، وعنه ما رأت عين النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة.

وعن سعيد بن جبير: أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي في المنام فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجسادها إلى انقضاء حياتها. ورُوي أن أرواح المؤمنين تعرج عند النوم في السماء فمن كان منهم طاهراً أذن في السجود، ومن لم يكن منهم طاهراً لم يؤذن له فيه {إِنَّ فِى ذَلِكَ } إن في توفي الأنفس ميتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل {لآيَاتٍ} على قدرة الله وعلمه {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون {أَمِ ٱتَّخَذُواْ } بل اتخذ قريش والهمزة للإنكار {مِن دُونِ ٱللَّهِ } من دون إذنه {شُفَعَآءَ} حين قالوا { هَٰؤُلآءِ شُفَعَٰؤُنَا عِندَ ٱللهِ } [يونس: 18] ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه {قُلْ أَوَ لَّوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } معناه أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئاً قط ولا عقل لهم؟ {قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً } أي هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه وانتصب {جَمِيعاً } على الحال {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } تقرير لقوله { لِلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً } } لأنه إذا كان له الملك كله والشفاعة من الملك كان مالكاً لها. {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } متصل بما يليه معناه له ملك السماوات والأرض واليوم ثم إليه ترجعون يوم القيامة فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له فله ملك الدنيا والآخرة.