التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
١
وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً
٢
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ
٣
وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً
٤
-النساء

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

نزلت بالمدينة آياتها مائة وست وسبعون آية

{يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } يا بني آدم {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } معطوف على محذوف كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها وخلق منها زوجها، والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها وهي أنه أنشأها من تراب وخلق منها زوجها حواء من ضلع من أضلاعه {وَبَثَّ مِنْهُمَا } ونشر من آدم وحواء {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } كثيرة أي وبث منهما نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقهم منها، أو على خلقكم والخطاب في «يا أيها الناس» للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى خلقكم من نفس آدم وخلق منها أمكم حواء وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء غيركم من الأمم الفائتة للحصر. فإن قلت: الذي تقتضيه جزالة النظم أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يعدو إليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة على التفصيل الذي ذكره داعياً إليها؟ قلت: لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على نحوه كان قادراً على كل شيء، ومن المقدورات عقاب الكفار والفجار فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى عقابه، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم فحقهم أن يتقوه في كفرانها. قال عليه السلام عند نزول الآية " خلقت المرأة من الرجل فهمّها في الرجل وخلق الرجل من التراب فهمّه في التراب" {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ } والأصل «تتساءلون» فأدغمت التاء في السين بعد إبدالها سيناً لقرب التاء من السين للهمس. «تساءلون به» بالتخفيف: كوفي على حذف التاء الثانية استثقالاً لاجتماع التاءين أي يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم فيقول بالله وبالرحم: افعل كذا على سبيل الاستعطاف {وَٱلأرْحَامَ } بالنصب على أنه معطوف على اسم الله تعالى أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور كقولك «مررت بزيد وعمراً»، وبالجر: حمزة على عطف الظاهر على الضمير وهو ضعيف، لأن الضمير المتصل كاسمه متصل والجار والمجرور كشيء واحد فأشبه العطف على بعض الكلمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } حافظاً أو عالماً.

{وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ } يعني الذين ماتت آباؤهم فانفردوا عنهم. واليتم: الانفراد ومنه الدرة اليتيمة، وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات، وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم زال هذا الاسم عنهم. وقوله عليه السلام " لا يتم بعد الحلم " تعليم شريعة لا لغة يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار. والمعنى وآتوا اليتامى أموالهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، وفيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ أن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ } ولا تستبدلوا الحرام ــ وهو مال اليتامى ــ بالحلال وهو مالكم، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث ــ وهو اختزال أموال اليتامى ــ بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ومنه التعجل بمعنى الاستعجال {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ } «إلى» متعلقة بمحذوف وهي في موضع الحال أي مضافة إلى أموالكم. والمعنى ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم وتسوية بينه وبين الحلال {إنّهُ } إن أكلها {كَانَ حُوباً كَبِيراً } ذنباً عظيماً {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ } أي لا تعدلوا. أقسط أي عدل {فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ } يقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور وهو جمع يتيمة ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم لا غير {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } ما حل لكم {مّنَ ٱلنّسَاء } لأن منهن ماحرم الله كاللاتي في آية التحريم. وقيل: «ما» ذهاباً إلى الصفة لأن ما يجيء في صفات من يعقل فكأنه قيل: الطيبات من النساء، ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ومنه قوله تعالى {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } قيل: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، أو كانوا يتحرجون من الولاية في أموال اليتامى ولا يتحرجون من الاستكثار من النساء مع أن الجور يقع بينهن إذا كثرن فكأنه قيل: إذا تحرجتم من هذا فتحرجوا من ذلك. وقيل: وإن خفتم أن لا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا من البالغات. يقال طابت الثمرة أي أدركت {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } نكرات. وإنما منعت الصرف للعدل والوصف، وعليه دل كلام سيبويه ومحلهن النصب على الحال «من النساء» أو «مما طاب» تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً. فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين اثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت: الخطاب للجميع فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال ـــــ وهو ألف درهم ـــــ درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. وجيء بالواو لتدل على تجويز الجمع بين الفرق، ولو جيء بـ «أو» مكانها لذهب معنى التجويز {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين هذه الأعداد {فَوٰحِدَةً } فالزموا أو فاختاروا واحدة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } سوّى في اليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر {ذٰلِكَ } إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري {أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ } أقرب من أن لا تميلوا ولا تجوروا، يقال عال الميزان عولاً إذا مال، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. ويحكى عن الشافعيرحمه الله أنه فسر « أن لا تعولوا» أن لا تكثر عيالكم واعترضوا عليه بأنه يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله. وأجيب بأن يجعل من قولك «عال الرجل عياله يعولهم» كقولك «مانهم يمونهم» إذا أنفق عليهم لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال. وكلام مثله من أعلام العلم حقيق بالحمل على السداد وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا كأنه سلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات {وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ } مهورهن {نِحْلَةً } من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً، وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قال: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من الله تعالى عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن. وقيل: النحلة الملة وفلان ينتحل كذا أي يدين به يعني وآتوهن مهورهن ديانة على أنها مفعول لها. والخطاب للأزواج، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } للأزواج {عَن شَىْء مّنْهُ } أي من الصداق إذ هو في معنى الصدقات {نَفْساً } تمييز وتوحيدها لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصدقات وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقهم وسوء معاشرتكم. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل« فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً» ولم يقل «فإن وهبن لكم» إعلاماً بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة {فَكُلُوهُ } الهاء يعود على «شيء»{هَنِيئَاً } لا إثم فيه {مَّرِيئاً } لا داء فيه، فسرهما النبي عليه السلام أو هنيئاً في الدنيا بلا مطالبة، مريئاً في العقبى بلا تبعة، وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه، وهما وصف مصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. هنياً مرياً بغير همز: يزيد، وكذا حمزة في الوقف، وهمزهما الباقون. وعن علي رضي الله عنه: إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها عسلاً فليشربه بماء السماء فيجمع الله له هنيئاً ومريئاً وشفاء ومباركاً.