التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ
١٠٨
يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
١٠٩
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١١٠
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
١١١
إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ
١١٢
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ
١١٣
قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ
١١٤
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ
١١٥
-المائدة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{فَإِنْ عُثِرَ } فإن اطلع {عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً } فعل ما أوجب إثماً واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين {فئاخران} فشاهدان آخران { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } أي من الذين استحق عليهم الإثم، ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته، وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين حلف رجلان من ورثته إنه إناء صاحبهما وإن شهادتهما أحق من شهادتهما {ٱلأَوَّلِٰينَ } الأحقان بالشهادة لقرابتهما أو معرفتهما. وارتفاعهما على «هما الأوليان» كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان. أو هما بدل من الضمير في «يقومان» أو من ««آخران». «استحق عليهم الأوليان». حفص أي من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين. «الأوَّلين»: حمزة وأبو بكر على أنه وصف للذين استحق عليهم مجرور أو منصوب على المدح. وسموا أولين لأنهم كانوا أولين في الذكر في قوله «شهادة بينكم» {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا } أي ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين {وَمَا ٱعْتَدَيْنَا } وما تجاوزنا الحق في يميننا {إِنَّآ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي إن حلفنا كاذبين {ذٰلِكَ } الذي مر ذكره من بيان الحكم {أَدْنَىٰ } أقرب {أَن يَأْتُواْ } أي الشهداء على نحو تلك الحادثة {بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا } كما حملوها بلا خيانة فيها {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } أي تكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الخيانة واليمين الكاذبة {وَٱسْمَعُواْ } سمع قبول وإجابة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } الخارجين عن الطاعة. فإن قلت: ما معنى «أو» هنا؟ قلت: معناه ذلك أقرب من أن يؤدّوا الشهادة بالحق والصدق، إما لله أو لخوف العار والافتضاح برد الأيمان، وقد احتج به من يرى ردّ اليمين على المدعي، والجواب أن الورثة قد ادّعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما فأنكرت الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهما الشراء.

{يَوْمَ } منصوب بـ «اذكروا» أو احذروا {يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان؟ وهذا السؤال توبيخ لمن أنكرهم. «وماذا» منصوب بـ «أجبتم» نصب المصدر على معنى أيَّ إجابة أجبتم {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا } بإخلاص قومنا دليله {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } أو بما أحدثوا بعدنا دليله «كنت أنت الرقيب عليهم» أو قالوا ذلك تأدباً أي علمنا ساقط مع علمك ومغمور به فكأنه لا علم لنا {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ } بدل من «يوم يجمع» {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين. والعامل في {إِذْ أَيَّدتُّكَ } أي قويتك «نعمتي» {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } جبريل عليه السلام أيد به لتثبت الحجة عليهم، أو بالكلام الذي يحيا به الدين، وأضافه إلى القدس لأنه سبب الطهر من أو ضارم الآثام دليله {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ } حال أي تكلمهم طفلاً إعجازاً {وَكَهْلاً } تبليغاً {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } معطوف على «إذ أيدتك» ونحوه «وإذ تخلق». «وإذ تخرج». «وإذ كففت». «وإذ أوحيت» {ٱلْكِتَـٰبِ } الخط {وَٱلْحِكْــمَةَ} الكلام المحكم الصواب {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ } تقدر {مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } هيئة مثل هيئة الطير {بِإِذْنِى } بتسهيلي {فَتَنفُخُ فِيهَا } الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه، وكذا الضمير في {فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي } وعطف {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي } على «تخلق» {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } من القبور أحياء {بِإِذْنِي} قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية.

{وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرٰءِيلَ عَنكَ } أي اليهود حين هموا بقتله {إِذْ جِئْتَهُمْ } ظرف لـ «كففت» {بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ساحر حمزة وعلي {وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ألهمت {إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ } الخواص أو الأصفياء {أن آمنوا} أي آمنوا {بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون} أي اشهد بأننا مخلصون من أسلم وجهه {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } أي اذكروا إذ {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } «عيسى» نصب على اتباع حركته حركة الابن نحو «يا زيد بن عمرو» {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل أو هل يطيعك ربك إن سألته، فاستطاع وأطاع بمعنى كاستجاب وأجاب. هل تستطيع ربك على أي هل تستطيع سؤال ربك فحذف المضاف، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله {أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا } «ينزول»: مكي وبصري {مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } هي الخوان إذا كان عليه الطعام من مادَه إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليها {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إذ الإيمان يوجب التقوى.

{قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } تبركاً {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } ونزداد يقيناً كقول إبراهيم عليه السلام { وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } } [البقرة: 260] {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } أي نعلم صدقك عياناً كما علمناه استدلالاً {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } بما عاينا لمن بعدنا. ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ } أصله «يا الله» فحذف «يَا» وعوض منه «الميم» {رَبَّنَا } نداء ثانٍ {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً } أي يكون يوم نزولها عيداً. قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيداً، والعيد: السرور العائد ولذا يقال «يوم عيد» فكان معناه: تكون لنا سروراً وفرحاً {لأَِوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا } بدل من «لنا» بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا، ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم، أو للمتقدمين منا والأتباع {وآيةً مِنكَ} على صحة نبوّتي ثم أكد ذلك بقوله {وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } وأعطنا ما سألناك وأنت خير المعطين {قَالَ ٱللَّهُ إِنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } بالتشديد: مدني وشامي وعاصم. وعد الإنزال وشرط عليهم شرطاً بقوله {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } بعد إنزالها منكم {فَإِنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً } أي تعذيباً كالسلام بمعنى التسليم. والضمير في {لآَّ أُعَذِّبُهُ } للمصدر ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء {أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } عن الحسن أن المائدة لم تنزل ولو نزلت لكانت عيداً إلى يوم القيامة لقوله: «وآخرنا». والصحيح أنها نزلت. فعن وهب نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة عليها كل طعام إلا اللحم. وقيل: كانوا يجدون عليها ما شاءُوا. وقيل: كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشياً.