التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ
٢٣
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
٢٤
مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ
٢٥
ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ
٢٦
قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ
٢٧
قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ
٢٨
مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ
٢٩
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ
٣٠
وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
٣١
هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
٣٢
مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ
٣٣
ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ
٣٤
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
٣٥
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ
٣٦
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
٣٧
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ
٣٨
فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ
٣٩
وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ ٱلسُّجُودِ
٤٠
وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ
٤١
يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ
٤٢
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ
٤٣
يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
٤٤
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ
٤٥

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَقَالَ قَرِينُهُ } الجمهور على أنه الملك الكاتب الشهيد عليه {هَـٰذَا } أي ديوان عمله، مجاهد: شيطانه الذي قيض له في قوله { نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف: 36]. هذا أي الذي وكلت به {مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } {هَـٰذَا } مبتدأ و{مَا } نكرة بمعنى شيء والظرف بعده وصف له وكذلك {عَتِيدٌ } و{مَا } وصفتها خبر {هَـٰذَا } والتقدير هذا شيء ثابت لديّ عتيد. ثم يقول الله تعالى {أَلْقِيَا } والخطاب للسائق والشهيد أو لمالك، وكأن الأصل ألقِ ألقِ فناب ألقيا عن ألق ألق لأن الفاعل كالجزء من الفعل فكانت تثنية الفاعل نائبة عن تكرار الفعل. وقيل: أصله ألقين والألف بدل من النون إجراء للوصل مجرى الوقف دليله قراءة الحسن {ألقين} { فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ } بالنعم والمنعم {عَنِيدٍ } معاند مجانب للحق معاد لأهله {مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله {مُعْتَدٍ } ظالم متخط للحق {مُرِيبٍ } شاك في الله وفي دينه {ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ } مبتدأ متضمن معنى الشرط خبره {فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ } أو بدل من {كُلَّ كَفَّارٍ } و{فَأَلْقِيَـٰهُ } تكرير للتوكيد ولا يجوز أن يكون صفة لـ {كَفَّار} لأن النكرة لا توصف بالموصول.

{قَالَ قرِينُهُ } أي شيطانه الذي قرن به وهو شاهد لمجاهد، وإنما أخليت هذه الجملة عن الواو دون الأولى لأن الأولى واجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال له، وأما هذه فهي مستأنفة كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما في مقاولة موسى وفرعون، فكأن الكافر قال رب هو أطغاني فقال قرينه {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ } أي ما أوقعته في الطغيان ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ } هو استئناف مثل قوله تعالى {قَالَ قرِينُهُ } كأن قائلاً قال: فماذا قال الله؟ فقيل: قال لا تختصموا {لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ } أي لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فما تركت لكم حجة عليّ. والباء في {بِٱلْوَعِيدِ } مزيدة كما في قوله { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } [البقرة: 195] أو معدية على أن قدم مطاوع بمعنى تقدم {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } أي لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في النار {وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } فلا أعذب عبداً بغير ذنب. وقال {بِظَلَّـٰمٍ } على لفظ المبالغة لأنه من قولك هو ظالم لعبده وظلام لعبيده {يَوْمَ} نصب بـ {ظلام} أو بمضمر هو اذكر وأنذر { نَّقُولُ } نافع وأبو بكر أي يقول الله {لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } وهو مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد امتلائها هل من مزيد أي هل بقي فيّ موضع لم يمتليء يعني قد امتلأت، أو أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد وهذا على تحقيق القول من جهنم وهو غير مستنكر كإنطاق الجوارح، والسؤال لتوبيخ الكفرة لعلمه تعالى بأنها امتلأت أم لا.

{وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } غير نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد، أو على الحال وتذكيره لأنه على زنة المصدر كالصليل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، أو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد ومعناه التوكيد كما تقول: هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل {هَـٰذَا } مبتدأ وهو إشارة إلى الثواب أو إلى مصدر أزلفت {مَّا تُوعَدُونَ } صفته وبالياء: مكي {لِكُلِّ أَوَّابٍ } رجاع إلى ذكر الله خبره {حَفِيظٍ} حافظ لحدوده جاء في الحديث "من حافظ على أربع ركعات في أول النهار كان أواباً حفيظاً" {مَّنْ } مجرور المحل بدل من {أَوَّاب} أو رفع بالابتداء وخبره {ٱدْخُلُوهَا } على تقدير يقال لهم ادخولها بسلام لأن «من» في معنى الجمع {خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ } الخشية انزعاج القلب عند ذكر الخطيئة، وقرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة للثناء البليغ على الخاشي وهو خشيته مع علمه أنه الواسع الرحمة كما أثنى عليه بأنه خاشٍ مع أن المخشي منه غائب {بِٱلْغَيْبِ } حال من المفعول أي خشيه وهو غائب، أو صفة لمصدر خشي أي خشيه خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب. الحسن: إذا أغلق الباب وأرخى الستر {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى الله. وقيل: بسريرة مرضية وعقيدة صحيحة {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } أي سالمين من زوال النعم وحلول النقم {ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ } أي يوم تقدير الخلود كقوله { فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } [الزمر: 73] أي مقدرين الخلود {لَهُم مَّا يَشَآءَونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } على ما يشتهون، والجمهور على أنه رؤية الله تعالى بلا كيف.

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ } قبل قومك {مِّن قَرْنٍ } من القرون الذين كذبوا رسلهم {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم } من قومك {بَطْشاً } قوة وسطوة {فَنَقَّبُواْ } فخرقوا {فِى ٱلْبِلَـٰدِ } وطافوا. والتنقيب التنقير عن الأمر والبحث والطلب، ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } أي شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب وقوّتهم عليه، ويجوز أن يراد فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصاً حتى يؤملوا مثله لأنفسهم، ويدل عليه قراءة من قرأ {فَنَقِّبُواْ } على الأمر {هَلْ مِن مَّحِيصٍ } مهرب من الله أو من الموت.

{إِنَّ فِى ذَٰلِكَ } المذكور {لِذِكْرِى } تذكرة وموعظة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } واعٍ لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ } أصغى إلى المواعظ {وَهُوَ شَهِيدٌ } حاضر بفطنته لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } إعياء، قيل: نزلت في اليهود ـ لعنت ـ تكذيباً لقولهم خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش وقالوا: إن الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود ومنهم أخذ. وأنكر اليهود التربيع في الجلوس وزعموا أنه جلس تلك الجلسة يوم السبت {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } أي على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه، أو على ما يقول المشركون في أمر البعث فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منه {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } حامداً ربك، والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة فالصلاة {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ } الفجر {وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ } الظهر والعصر {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } العشاءان أو التهجد {وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ } التسبيح في آثار الصلوات والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد المكتوبات أو الوتر بعد العشاء والأدبار جمع دبر، {وإدبار} حجازي وحمزة وخلف من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت، ومعناه وقت انقضاء السجود كقولهم «آتيك خفوق النجم». {وَٱسْتَمِعْ } لما أخبرك به من حال يوم القيامة وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به وقد وقف يعقوب عليه. وانتصب {يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ } بما دل عليه {ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور. وقيل: تقديره واستمع حديث يوم ينادي المنادي. {المنادي} بالياء في الحالين: مكي وسهل ويعقوب، وفي الوصل: مدني وأبو عمرو، وغيرهم بغير ياء فيهما. والمنادي إسرافيل ينفخ في الصور وينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من صخرة بيت المقدس وهي أقرب من الأرض إلى السماء باثني عشر ميلاً وهي وسط الأرض.

{يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ } بدل من {يَوْمٍ يُنَادِى }. الصيحة النفخة الثانية {بِٱلْحَقِّ} متعلق بـ {ٱلصَّيْحَةَ } والمراد به البعث والحشر للجزاء {ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ } من القبور {إِنَّا نَحْنُ نُحْيىِ } الخلق {وَنُمِيتُ } أي نميتهم في الدنيا {وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ } أي مصيرهم {يَوْمَ تَشَقَّقُ } بالتخفيف: كوفي وأبو عمرو، وغيرهم بالتشديد {ٱلأَرْضُ عَنْهُمْ } أي تتصدع الأرض فتخرج الموتى من صدوعها {سِرَاعاً } حال من المجرور أي مسرعين {ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ } هين. وتقديم الظرف يدل على الاختصاص أي لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } فيك وفينا تهديد لهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } كقوله { بِمُسَيْطِرٍ } [الغاشية: 22] أي ما أنت بمسلط عليهم إنما أنت داعٍ وباعث. وقيل: هو من جبره على الأمر بمعنى أجبره أي ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان {فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } كقوله: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } } [النازعات: 45]. لأنه لا ينفع إلا فيه والله أعلم.