التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٩
إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١٠
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١١
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٢
ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٣
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٥
ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
١٦
لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٧
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ
١٨
ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ
١٩
إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ
٢٠
كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
٢١
لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
٢٢
-المجادلة

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين ويريدون أن يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم قتلوا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته، {وينتجون} حمزة وهو بمعنى الأول { وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ ٱللَّهُ } يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد. والسام الموت والله تعالى يقول { وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } } )النمل: 59)، { يَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ } [المائدة: 67]، { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ } [الأحزاب: 1] {وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ } أي يقولون فيما بينهم لو كان نبياً لعاقبنا الله بما نقوله فقال الله تعالى {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً {يَصْلَوْنَهَا } حال أي يدخلونها {فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع جهنم.

{يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بألسنتهم وهو خطاب للمنافقين والظاهر أنه خطاب للمؤمنين {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ } أي إذا تناجيتم فلا تشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرّ } بأداء الفرائض والطاعات {وَٱلتَّقْوَىٰ } وترك المعاصي {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للحساب فيجازيكم بما تتناجون به من خير أو شر {إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ } بالإثم والعدوان {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } من تزيينه {لِيَحْزُنَ } أي الشيطان وبضم الياء: نافع {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيْسَ } الشيطان أو الحزن {بِضَارّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بعلمه وقضائه وقدره {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي يكلون أمرهم إلى الله ويستعيذون به من الشيطان.

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ } (في المجلس) توسعوا فيه، {فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ }عاصم ونافع والمراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يتضامون فيه تنافساً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه. وقيل: هو المجلس من مجالس القتال وهي مراكز الغزاة كقوله { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [آل عمران: 121]. مقاتل في صلاة الجمعة {فَٱفْسَحُواْ } فوسعوا {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ } مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر غير ذلك {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ } انهضوا للتوسعة على المقبلين، أو انهضوا عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتم بالنهوض عنه، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير {فَانشُزُواْ } بالضم فيهما: مدني وشامي وعاصم غير حماد {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } بامتثال أوامره وأوامر رسوله {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } والعالمين منهم خاصة {دَرَجَـٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وفي الدرجات قولان: أحدهما في الدنيا في المرتبة والشرف، والآخر في الآخرة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه صلى الله عليه وسلم: "عبادة العالم يوماً واحداً تعدل عبادة العابد أربعين سنة" وعنه صلى الله عليه وسلم "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وعن ابن عباس رضي الله عنهما: خير سليمان عليه السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه. وقال صلى الله عليه وسلم: "أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إني عليم أحب كل عليم" وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من أدرك العلم. وعن الزبيري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال، والعلوم أنواع فأشرها أشرفها معلوماً.

{يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ } إذا أردتم مناجاته {فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً } أي قبل نجواكم وهي استعارة ممن له يدان كقول عمر رضي الله عنه: من أفضل ما أوتيت العرب الشعر يقدمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم يريد قبل حاجته {ذٰلِكَ } التقديم {خَيْرٌ لَّكُمْ } في دينكم {وَأَطْهَرُ } لأن الصدقة طهرة {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ } ما تتصدقون به {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } في ترخيص المناجاة من غير صدقة. قيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار ثم نسخ. وقال علي رضي الله عنه: هذه آية من كتاب الله ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر مسائل فأجابني عنها. قلت: يا رسول الله ما الوفاء؟ قال: "التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله" قلت: وما الفساد؟ قال: "الكفر والشرك بالله" قلت: وما الحق؟ قال: "الإسلام والقرآن والولاية إذا انتهت إليك" قلت: وما الحيلة؟ قال: " ترك الحيلة" قلت: وما عليّ؟ قال: "طاعة الله وطاعة رسوله" قلت: وكيف أدعو الله تعالى؟ قال: " بالصدق واليقين" قلت: وماذا أسأل الله؟ قال: "العافية" قلت: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: "كل حلالاً وقل صدقاً" قلت: وما السرور؟ قال: "الجنة" قلت: وما الراحة؟ قال: "لقاء الله" فلما فرغت منها نزل نسخها.

{ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ} أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ } ما أمرتم به وشق عليكم {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي خفف عنكم وأزال عنكم المؤاخذة بترك تقديم الصدقة على المناجاة كما أزال المؤاخذة بالذنب عن التائب عنه {فَأَقِمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَطِعُواْ ٱللهَ وَرَسُولِهُ} أي فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وهذا وعد ووعيد.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم } كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله { مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [المائدة: 60] وينقلون إليهم أسرار المؤمنين {مَّا هُم مّنكُمْ } يا مسلمون {وَلاَ مِنْهُمْ } ولا من اليهود كقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء } [النساء: 143] {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ } أي يقولون والله إنا لمسلمون لا منافقون {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون منافقون {أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } نوعاً من العذاب متفاقماً {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي إنهم كانوا في الزمان الماضي مصرين على سوء العمل أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة.

{ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ } الكاذبة {جَنَّةُ } وقاية دون أموالهم ودمائهم {فَصَدُّواْ } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } عن طاعته والإيمان به {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وعدهم العذاب المخزي لكفرهم وصدهم كقوله { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } [النحل: 88] {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مّنَ ٱللَّهِ } من عذاب الله {شَيْئاً } قليلاً من الإغناء {أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ } أي لله في الآخرة أنهم كانوا مخلصين في الدنيا غير منافقين {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } في الدنيا على ذلك {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ } في الدنيا {عَلَىٰ شَىْءٍ} من النفع أو يحسبون أنهم على شيء من النفع ثم بأيمانهم الكاذبة كما انتفعوا ههنا {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة.

{ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } استولى عليهم {فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ } قال شاه الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل لبه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ } جنده {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ }.

{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ فِى ٱلأَذَلّينَ} في جملة من هو أذل خلق الله تعالى لا ترى أحداً أذل منهم {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في اللوح {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } بالحجة والسيف أو بأحدهما {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ } لا يمتنع عليه ما يريد {عَزِيزٌ } غالب غير مغلوب.

{لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ } هو مفعول ثان لـ {تَجِدُ }أو حال أو صفة لـ {قَوْماً } وتجد بمعنى تصادف على هذا {مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ } خالفه وعاداه {وَرَسُولُهُ } أي من الممتنع أن تجد قوماً مؤمنين يوالون المشركين، والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في الزجر عن مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم. وزاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله {وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } وبقوله {أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } أي أثبته فيها وبمقابلة قوله {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ } بقوله {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ } {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } أي بكتاب أنزله فيه حياة لهم، ويجوز أن يكون الضمير للإيمان أي بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به. وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان. وعن عبد العزيز بن أبي رواد أنه لقيه المنصور فلما عرفه هرب منه وتلاها. وقال سهل: من صحح إيمانه وأخلص توحيده فإنه لا يأنس بمبتدع ولا يجالسه ويظهر له من نفسه العداوة، ومن داهن مبتدعاً سلبه الله حلاوة السنن، ومن أجاب مبتدعاً لطلب عز الدنيا أو غناها أذله الله بذلك العز وأفقره بذلك الغنى، ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه، ومن لم يصدق فليجرب. {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بتوحيدهم الخالص وطاعتهم {وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابه الجسيم في الآخرة أو بما قضى عليهم في الدنيا {أُوْلَـئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ } أنصار حقه ودعاة خلقه {أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الباقون في النعيم المقيم الفائزون بكل محبوب الآمنون من كل مرهوب.