التفاسير

< >
عرض

وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
١٠
وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً
١١
وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً
١٢
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً
١٣
وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً
١٤
وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً
١٥
وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً
١٦
لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً
١٧
وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً
١٨
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
١٩
قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً
٢٠
قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً
٢١
قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً
٢٢
إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً
٢٣
حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً
٢٤
قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً
٢٥
عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً
٢٦
إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
٢٧
لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
٢٨
-الجن

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ } عذاب {أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلأَرْضِ } بعدم استراق السمع {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } خيراً ورحمة {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ } الأبرار المتقون {وَمِنَّا } قوم {دُونِ ذَلِكَ } فحذف الموصوف وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه أو أرادوا غير الصالحين {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً } بيان للقسمة المذكورة أي كنا ذوي مذاهب متفرقة أو أديان مختلفة. والقدد جمع قدة وهي القطعة من قددت السير أي قطعته {وَأَنَّا ظَنَنَّا } أيقنا {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ } لن نفوته {فِى ٱلأَرْضِ } حال أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً } مصدر في موضع الحال أي ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء، وهذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ } القرآن {ءَامَنَّا بِهِ } بالقرآن أو بالله {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ } فهو لا يخاف مبتدأ وخبر {بَخْساً } نقصاً من ثوابه {وَلاَ رَهَقاً } أي ولا ترهقه ذلة من قوله: { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } [يونس: 27] وقوله: { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ } [يونس: 26]. وفيه دليل على أن العمل ليس من الإيمان {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ } المؤمنون {وَمِنَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ } الكافرون الجائرون عن طريق الحق، قسط: جار وأقسط عدل {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } طلبوا هدى والتحري طلب الأحرى أي الأولى {وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ } في علم الله {لِجَهَنَّمَ حَطَباً } وقوداً، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار ويتوقف في كيفية ثوابهم {وَأَنْ } مخففة من الثقيلة يعني وأنه وهي من جملة الموحى أي أوحى إلى أن الشأن {لَوْ ٱسْتَقَـٰمُواْ } أي القاسطون {عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ } طريقة الإسلام {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاءً غَدَقاً } كثيراً، والمعنى لوسعنا عليهم الرزق، وذكر الماء الغدق لأنه سبب سعة الرزق.

{لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما خولوا منه {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ } القرآن أو التوحيد أو العبادة {يَسْلُكْهُ } بالياء: عراقي غير أبي بكر يدخله {عَذَاباً صَعَداً } شاقاً مصدر صعد يقال: صعد صعداً وصعوداً، فوصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح. أي ما شق عليّ.

{وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } من جملة الموحى أي أوحي إلى أن المساجد أي البيوت المبنية للصلاة فيها لله. وقيل: معناه ولأن المساجد لله فلا تدعوا على أن اللام متعلقة بـ {لاَّ تَدْعُواْ } أي {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً } في المساجد لأنها خالصة لله ولعبادته. وقيل: المساجد أعضاء السجود وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } محمد عليه السلام إلى الصلاة وتقديره وأوحي إلى أنه لما قام عبد الله {يَدْعُوهُ } يعبده ويقرأ القرآن ولم يقل نبي الله أو رسول الله لأنه من أحب الأسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه لما كان واقعاً في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو لأن عبادة عبد الله لله ليست بمستبعد حتى يكونوا عليه لبداً {كَادُواْ } كاد الجن {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } جماعات جمع لبدة تعجباً مما رأوا من عبادته واقتداء أصحابه به وإعجاباً بما تلاه من القرآن لأنهم رأوا ما لم يروا مثله {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبّى } وحده {قَالَ } غير عاصم وحمزة {وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً } في العبادة فلم تتعجبون وتزدحمون علي؟ {قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً } مضرة {وَلاَ رَشَداً } نفعاً، أو أراد بالضر الغي بدليل قراءة أبي {غَيّاً وَلاَ رَشَداً } يعني لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم لأن الضار والنافع هو الله.

{قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ } لن يدفع عني عذابه أحد إن عصيته كقول صالح عليه السلام: { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ } [هود: 63] {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } ملتجأ.

{إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ } استثناء من {لا أَمْلِكُ } أي لا أملك لكم ضراً ولا رشداً إلا بلاغاً من الله و {قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى} اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه. وقيل: { بَلاَغاً } بدل من {مُلْتَحَدًا }أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به يعني لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فإن ذلك ينجيني. وقال الفراء: هذا شرط وجزاء وليس باستثناء و «إن» منفصلة من «لا» وتقديره: أن لا أبلغ بلاغاً أي إن لم أبلغ لم أجد من دونه ملتجأ ولا مجيراً لي كقولك إن لا قياماً فقعوداً، والبلاغ في هذه الوجوه بمعنى التبليغ {وَرِسَـٰلَـٰتِهِ } عطف على {بَلاَغاً } كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات أي إلا أن أبلغ عن الله فأقول قال الله كذا ناسباً لقوله إليه، وأن أبلغ رسالته التي أرسلني بها بلا زيادة ونقصان. و «من» ليست بصلة للتبليغ لأنه يقال: بلّغ عنه، إنما هي بمنزلة «من» في { بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ } [التوبة: 1] أي بلاغاً كائناً من الله.

{وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في ترك القبول، لما أنزل على الرسول لأنه ذكر على أثر تبليغ الرسالة {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } وحد في قوله {لَهُ } وجمع في {خَـٰلِدِينَ } للفظ من ومعناه {حَتَّىٰ } يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه حتى {إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } من العذاب {فَسَيَعْلَمُونَ } عند حلول العذاب بهم {مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً } أهم أم المؤمنون؟ أي الكافر لا ناصر له يومئذ والمؤمن ينصره الله وملائكته وأنبياؤه {قُلْ إِنْ أَدْرِى } ما أدري {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ } من العذاب {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى } وبفتح الياء: حجازي وأبو عمرو {أَمَدًا } غاية بعيدة يعني أنكم تعذبون قطعاً ولكن لا أدري أهو حالّ أم مؤجل {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } هو خبر مبتدأ أي هو عالم الغيب {فَلاَ يُظْهِرُ } فلا يطلع {عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } من خلقه {إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } إلا رسولاً قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ليكون إخباره عن الغيب معجزة له فإن يطلعه على غيبة ما شاء. و {مِن رَّسُولٍ } بيان لـ {مَنِ ٱرْتَضَىٰ } والولي إذا أخبر بشيء فظهر فهو غير جازم عليه، ولكنه أخبر بناء على رؤياه أو بالفراسة على أن كل كرامة للولي فهي معجزة للرسول. وذكر في التأويلات قال بعضهم في هذه الآية بدلالة تكذيب المنجمة وليس كذلك فإن فيهم من يصدق خبره، وكذلك المتطببة يعرفون طبائع النبات وذا لا يعرف بالتأمل فعلم بأنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره وبقي علمه في الخلق.

{فَإِنَّهُ يَسْلُكُ } يدخل {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } يدي رسول {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي {لِيَعْلَمَ } الله {أَن قَدْ أَبْلَغُواْ } أي الرسل {رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ } كاملة بلا زيادة ولا نقصان إلى المرسل إليهم أي ليعلم الله ذلك موجوداً حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد، وحد الضمير في {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } للفظ «من»، وجمع في {أَبْلَغُواْ } لمعناه {وَأَحَاطَ } الله {بِمَا لَدَيْهِمْ } بما عند الرسل من العلم {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً } من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار، فكيف لا يحيط بما عند الرسل من وحيه وكلامه؟ و {عَدَدًا } حال أي وعلم كل شيء معدوداً محصوراً أو مصدر في معنى إحصاء، والله أعلم.