التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً
١٤
إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً
١٥
فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً
١٧
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً
١٨
إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً
١٩
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٠
-المزمل

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{يَوْمَ} منصوب بما في {لَدَيْنَا } من معنى الفعل أي استقر للكفار لدينا كذا وكذا يوم {تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ } أي تتحرك حركة شديدة {وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً } رملاً مجتمعاً من كثب الشيء إذا جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول {مَّهِيلاً } سائلاً بعد اجتماعه {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ } يا أهل مكة {رَسُولاً } يعني محمداً عليه السلام {شَـٰهِداً عَلَيْكُمْ } يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً } يعني موسى عليه السلام {فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ } أي ذلك الرسول «إذ» النكرة وإذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول {فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً } شديداً غليظاً. وإنما خص موسى وفرعون لأن خبرهما كان منتشراً بين أهل مكة لأنهم كانوا جيران اليهود {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً } هو مفعول {تَتَّقُونَ } أي كيف تتقون عذاب يوم كذا إن كفرتم؟ أو ظرف أي فكيف لكم التقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟ أو منصوب بـ {كَفَرْتُمْ } على تأويل جحدتم أي كيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه {يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ } صفة لـ {يَوْماً } والعائد محذوف أي فيه {شِيباً } من هوله وشدته وذلك حين يقال لآدم عليه السلام: قم فابعث بعث النار من ذريتك وهو جمع أشيب. وقيل: هو على التمثيل للتهويل يقال لليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال.

{السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } وصف لليوم بالشدة أيضاً أي السماء على عظمها وإحكامها تنفطر به أي تنشق فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ والتذكير على تأويل السماء بالسقف أو السماء شيء منفطر، وقوله {بِهِ } أي بيوم القيامة يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله كما ينفطر الشيء بما يفطر به {كَانَ وَعْدُهُ } المصدر مضاف إلى المفعول وهو اليوم، أو إلى الفاعل وهو الله عز وجل {مَفْعُولاً } كائناً {إِنَّ هَـٰذِهِ } الآيات الناطقة بالوعيد {تَذْكِرَةٌ } موعظة {فَمَن شَاءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } أي فمن شاء اتعظ بها واتخذ سبيلاً إلى الله بالتقوى والخشية.

{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ } أقل فاستعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز، وإذا بعدت كثر ذلك {مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ } بضم اللام: سوى هشام {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } منصوبان عطف على {أدنى} مكي وكوفي، ومن جرهما عطف على {مِن ثُلُثَىِ } {وَطَائِفَةٌ } عطف على الضمير في {تَقُومُ } وجاز بلا توكيد لوجود الفاصل {مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } أي ويقوم ذلك المقدار جماعة من أصحابك {وَٱللَّهُ يُقَدِّرُٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ولا يعلم مقادير ساعاتهما إلا الله وحده. وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنياً عليه {يقدر} هو الدال على أنه مختص بالتقدير، ثم إنهم قاموا حتى انتفخت أقدامهم فنزل { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } لن تطيقوا قيامه على هذه المقادير إلا بشدة ومشقة وفي ذلك حرج {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } فخفف عليكم وأسقط عنكم فرض قيام الليل {فَٱقْرَءُواْ } في الصلاة والأمر للوجوب أو في غيرها والأمر للندب {مَا تَيَسَّرَ } عليكم {مِنَ ٱلْقُرْءَانِ } روى أبو حنيفة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: من قرأ مائة آية في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين. وقيل: أراد بالقرآن الصلاة لأنه بعض أركانها أي فصلوا ما تيسر عليكم ولم يتعذر من صلاة الليل وهذا ناسخ للأول، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس، ثم بين الحكمة في النسخ وهي تعذر القيام على المرضى والمسافرين والمجاهدين فقال {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ } أي أنه مخففة من الثقيلة والسين بدل من تخفيفها وحذف اسمها {مَّرْضَى } فيشق عليهم قيام الليل.

{وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلأَرْضِ } يسافرون {يَبْتَغُونَ } حال من ضمير {يَضْرِبُونَ } {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } رزقه بالتجارة أو طلب العلم {وَءاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } سوّى بين المجاهد والمكتسب لأن كسب الحلال جهاد. قال ابن مسعود رضي الله عنه: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله {فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } كرر الأمر بالتيسير لشدة احتياطهم {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} المفروضة {وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ } الواجبة {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ } بالنوافل. والقرض لغة: القطع فالمقرض يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذا المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله لله تعالى، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما تصدق به عليه وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة فلا يكون له عليه منة بل المنة للفقير عليه {قَرْضًا حَسَنًا } من الحلال بالاخلاص {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ } أي ثوابه وهو جزاء الشرط {عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً } مما خلفتم وتركتم فالمفعول الثاني لـ {تَجِدُوهُ } {خيراً} و{هُوَ } فصل. وجاز وإن لم يقع بين معرفتين لأن أفعل من أشبه المعرفة لامتناعه من حرف التعريف {وَأَعْظَمَ أَجْراً } وأجزل ثواباً {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } من السيئات والتقصير في الحسنات {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } يستر على أهل الذنب والتقصير {رَّحِيمٌ } يخفف عن أهل الجهد والتوفيق وهو على ما يشاء قدير، والله أعلم.