التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ
٦
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ
٧
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً
٨
وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُوراً
٩
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ
١٠
فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً
١١
وَيَصْلَىٰ سَعِيراً
١٢
إِنَّهُ كَانَ فِيۤ أَهْلِهِ مَسْرُوراً
١٣
إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
١٤
بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً
١٥
فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ
١٦
وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
١٧
وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ
١٨
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ
١٩
فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٠
وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ
٢١
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ
٢٢
وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ
٢٣
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٢٤
إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٢٥
-الانشقاق

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ } خطاب للجنس {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً } جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء {فَمُلَـٰقِيهِ } الضمير للكدح وهو جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها، والمراد جزاء الكدح إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقيل: لقاء الكدح لقاء كتاب فيه ذلك الكدح يدل عليه قوله {فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } أي كتاب عمله {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } سهلاً هيناً وهو أن يجازي على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وفي الحديث "من يحاسب يعذب" فقيل: فأين قوله {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً }؟ قال: "ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب" {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ } إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو إلى فريق المؤمنين، أو إلى أهله في الجنة من الحور العين {مَسْرُوراً } فرحاً {وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } قيل: تغل يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره {فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً } يقول: يا ثبوراه والثبور الهلاك {وَيَصْلَىٰ } عراقي غير علي {سَعِيراً } أي ويدخل جهنم {إِنَّهُ كَانَ } في الدنيا {فِى أَهْلِهِ } معهم {مَسْرُوراً } بالكفر يضحك ممن آمن بالبعث. قيل: كان لنفسه متابعاً وفي مراتع هواه راتعاً.

{إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } لن يرجع إلى ربه تكذيباً بالبعث. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت تفسيره حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري أي ارجعي {بَلَىٰ } إيجاب لما بعد النفي في {لَّن يَحُورَ } أي بلى ليحورن {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ } وبأعماله {بَصِيراً } لا يخفى عليه فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها.

{فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلشَّفَقِ } فأقسم بالبياض بعد الحمرة أو الحمرة {وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } جمع وضم والمراد ما جمعه من الظلمة والنجم، أو من عمل فيه من التهجد وغيره {وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } اجتمع وتم بدراً افتعل من الوسق {لَتَرْكَبُنَّ } أيها الإنسان على إرادة الجنس {طَبَقاً عَن طَبقٍ } حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول. والطبق ما طابق غيره يقال: ما هذا بطبق لذا أي لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء الطبق، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة من قولهم: هو على طبقات، أي لتركبن أحوالاً بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها. ومحل {عَن طَبقٍ } نصب على أنه صفة لـ {طَبَقاً } أي طبقاً مجاوزاً لطبق، أو حال من الضمير في {لَتَرْكَبُنَّ } أي لتركبن طبقاً مجاوزين لطبق. وقال مكحول: في كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه. وبفتح الباء: مكي وعلي وحمزة. والخطاب له عليه السلام أي طبقاً من طباق السماء بعد طبق أي في المعراج.

{فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فما لهم في أن لا يؤمنوا {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ ٱلْقُرْءَانُ لاَ يَسْجُدُونَ } لا يخضعون {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ } بالبعث والقرآن {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أخبرهم خبراً يظهر أثره على بشرتهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } استثناء منقطع {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } غير مقطوع أو غير منقوص، والله أعلم.