التفاسير

< >
عرض

وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً
١١
إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً
١٢
وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً
١٣
يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً
١٤
إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً
١٥
فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً
١٧
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً
١٨
إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً
١٩
-المزمل

لباب التأويل في معاني التنزيل

{وذرني والمكذبين} أي دعني ومن كذبك لا تهتم به فإني أكفيكه {أولي النعمة} أي أصحاب النعم والترفه نزلت في صناديد قريش المستهزئين وقيل نزلت في المطعمين ببدر {ومهلهم قليلاً} يعني إلى يوم بدر فلم يكن إلا يسير حتى قتلوا ببدر. وقيل أراد بالقليل أيام الدنيا ثم وصف عذابهم فقال تعالى: {إن لدينا} أي عندنا في الآخرة {أنكالاً} يعني قيوداً عظاماً ثقالاً لا تنفك أبداً وقيل أغلالاً من حديد {وجحيماً وطعاماً ذا غصة} أي غير سائغ في الحلق لا ينزل ولا يخرج وهو الزقوم والضريع {وعذاباً أليماً} أي وجيعاً {يوم ترجف الأرض والجبال} أي تتزلزل وتتحرك وهو يوم القيامة {وكانت الجبال كثيباً مهيلاً} يعني رملاً سائلاً وهو الذي إذا أخذت منه شيئاً يتبعك ما بعده {إنا أرسلنا إليكم} يعني يا أهل مكة {رسولاً} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {شاهداً عليكم} أي بالتبليغ وإيمان من آمن منكم وكفر من كفر {كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً} يعني موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، قيل إنما خص فرعون وموسى بالذكر من بين سائر الأمم والرسل لأن محمداً صلى الله عليه وسلم آذاه أهل مكة واستخفوا به لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى وآذاه لأنه رباه {فعصى فرعون الرسول فأخذناه} أي فرعون {أخذاً وبيلاً} أي شديداً ثقيلاً يعني عاقبناه عقوبة غليظة، خوَّف بذلك كفار مكة ثم خوَّفهم يوم القيامة فقال تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم} أي كيف لكم بالتّقوى يوم القيامة إن كفرتم أي في الدنيا، المعنى لا سبيل لكم إلى التّقوى إذا وافيتم القيامة. وقيل معنى الآية فكيف تتقون العذاب يوم القيامة، وبأي شيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم، وكيف تنجون منه إن كفرتم في الدّنيا {يوماً يجعل الولدان شيباً} يعني شيوخاً شمطاً من هول ذلك اليوم وشدته وذلك حين يقال لآدم عليه الصّلاة والسّلام قم، فابعث بعث النار من ذريتك. (ق) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول لبيك وسعديك" زاد في رواية "والخير في يديك فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعث النّار قال يا رب، وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد وترى النّاس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم قالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعاً وتسعين ومنكم واحد ثم قال: أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثّور الأبيض، أو كالشّعرة البيضاء في جنب الثّور الأسود، وفي رواية كالرّقمة في ذراع الحمار، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال شطر أهل الجنة فكبرنا" أما ما يتعلق بمعنى الحديث فقوله أن تخرج من ذريتك بعث النار فمعناه ميز أهل الجنة من أهل النار، وأما الرقمة بفتح الراء وإسكان القاف فهي الأثرة في باطن عضد الحمار. وقوله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة وثلث أهل الجنة، وشطر أهل الجنة فيه البشارة العظيمة لهذه الأمة وجعلهم ربع أهل الجنة أولاً ثم الثلث ثم الشّطر لفائدة حسنة، وهي أن ذلك أوقع في نفوسهم، وأبلغ في إكرامهم فإن إعطاء الإنسان مرة بعد مرة دليل على الاعتناء به، ودوام ملاحظته وفيه تكرير البشارة مرة بعد أخرى، وفيه أيضاً حملهم على تجديد شكر الله وحمده على إنعامه عليهم، وهو تكبيرهم لهذه البشارة العظيمة، وسرورهم بها، وأما ما يتعلق بمعنى الآية الكريمة، والحديث في قوله تعالى: {فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً} وقوله صلى الله عليه وسلم "ويشيب الوليد" ففيه وجهان: الأول عند زلزلة السّاعة قبل خروجهم من الدّنيا، فعلى هذا هو على ظاهره الثاني أنه في القيامة، فعلى هذا يكون ذكر الشّيب مجازاً، لأن القيامة ليس فيها شيب، وإنما هو مثل في شدة الأمر، وهوله يقال في اليوم الشّديد يوم تشيب فيه نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم والأحزان إذا تعاقب على الإنسان أسرع فيه الشيب. قال المتنبي:

والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبيِّ ويهرم

فلما كان الشّيب من لوازم كثرة الهموم والأحزان جعلوه كناية عن الشّدة والهول، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن الطفل لا تمييز له، وقيل يحتمل أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون سن الشّيخوخة والشّيب. {السماء منفطر به} وصف اليوم بالشّدة أيضاً وأن السّماء مع عظمها تنفطر به، وتتشقق فما ظنك بغيرها من الخلائق، وقيل تتشقق لنزول الملائكة، وقيل به أي بذلك المكان، وقيل الهاء ترجع إلى الرّب سبحانه وتعالى أي بأمره وهيبته. {كان وعده مفعولاً} أي كائناً لا محالة فيه، ولا خلف {إن هذه} أي آيات القرآن {تذكرة} أي مواعظ يتذكر بها {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً} بالإيمان والطاعة.