التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٠٤
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
١٠٥
مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٠٦
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
١٠٧
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ
١٠٨
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٠٩
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١٠
وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
١١١
بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١١٢
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
١١٣
-البقرة

البحر المحيط

الرعاية والمراعاة: النظر في مصالح الإنسان وتدبير أموره. والرعونة والرعن: الجهل والهوج. ذو: يكون بمعنى صاحب، وتثنى، وتجمع، وتؤنث، وتلزم الإضافة لاسم جنس ظاهر. وفي إضافتها إلى ضمير الجنس خلاف، المشهور: المنع، ولا خلاف أنه مسموع، لكن من منع ذلك خصه بالضرورة. وإضافته إلى العلم المقرون به في الوضع، أو الذي لا يقرن به في أول الوضع مسموع. فمن الأول قولهم: ذو يزن، وذو جدن، وذو رعين، وذو الكلاع. فتجب الإضافة إذ ذاك. ومن الثاني قولهم: في تبوك، وعمرو، وقطرى: ذو تبوك، وذو عمرو، وذو قطرى. والأكثر أن لا يعتد بلفظ ذو، بل ينطق بالاسم عارياً من ذو. وما جاء من إضافته لضمير العلم، أو لضمير مخاطب لا ينقاس، كقولهم: اللهم صل على محمد وعلى ذويه، وقول الشاعر:

وإنا لنرجو عاجلاً منك مثل ما رجوناه قدماً من ذويك الأفاضل

ومذهب سيبويه: أن وزنه فعل، بفتح العين، ومذهب الخليل: أن وزنه فعل، بسكونها. واتفقوا على أنه يجمع في التكسير على أفعال. قالوا: أذواء وذو من الأسماء الستة التي تكون في الرفع بالواو، وفي النصب بالألف، وفي الجر بالياء. وإعراب ذو كذا لازم بخلاف غيرها من تلك الأسماء، فذلك على جهة الجواز. وفيما أعربت به هذه الأسماء عشرة مذاهب ذكرت في النحو، وقد جاءت ذو أيضاً موصولة، وذلك في لغة طيء، ولها أحكام، ولم تقع في القرآن. النسخ: إزالة الشيء بغير بدل يعقبه، نحو: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. أو نقل الشيء من غير إزالة نحو: نسخت الكتاب، إذا نقلت ما فيه إلى مكان آخر. النسيئة: التأخير، نسأ ينسأ، ويأتي نسأ: بمعنى أمضى الشيء، قال الشاعر:

لمؤن كألواح الإران نسأتها على لاحب كأنه ظهر برجد

الولي: فعيل للمبالغة، من ولي الشيء: جاوره ولصق به. الحسد: تمني زوال النعمة عن الإنسان، حسد يحسد حسداً وحسادة. الصفح: قريب معناه من العفو، وهو الإعراض عن المؤاخذة على الذنب، مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضاً. وقيل: هو التجاوز من قولك، تصفحت الورقة، أي تجاوزت عما فيها. والصفوح، قيل: من أسماء الله، والصفوح: المرأة تستر بعض وجهها إعراضاً، قال:

صفوح فما تلقاك إلا بخيلة فمن ملّ منها ذلك الوصل ملت

تلك: من أسماء الإشارة، يطلق على المؤنثة في حالة البعد، ويقال: تلك وتيلك وتالك، بفتح التاء وسكون اللام، وبكسرها وياء بعدها، وكسر اللام وبفتحها، وألف بعدها وكسر اللام، قال:

إلى الجودي حتى صار حجراً وحان لتالك الغمر انحسارا

هاتوا: معناه أحضروا، والهاء أصلية لا بدل من همزة أتى، لتعديها إلى واحد لا يحفظ هاتي الجواب، وللزوم الألف، إذ لو كانت همزة لظهرت، إذ أزال موجب إبدالها، وهو الهمزة قبلها، فليس وزنها أفعل، خلافاً لمن زعم ذلك، بل وزنها فاعل كرام. وهي فعل، خلافاً لمن زعم أنها اسم فعل، والدليل على فعليتها اتصال الضمائر بها. ولمن زعم أنها صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر، وهو الزمخشري، وهو أمر وفعله متصرف. تقول: هاتي يهاتي مهاتاة، وليس من الأفعال التي أميت تصريف لفظه إلا الأمر منه، خلافاً لمن زعم ذلك. وليست ها للتنبيه دخلت على أتى فألزمت همزة أتى الحذف، لأن الأصل أن لا حذف، ولأن معنى هات ومعنى ائت مختلفان. فمعنى هات أحضر، ومعنى ائت أحضر. وتقول: هات هاتي هاتيا هاتوا هاتين، تصرفها كرامي. البرهان: الدليل على صحة الدعوى، قيل: هو مأخوذ من البره، وهو القطع، فتكون النون زائدة. وقيل: من البرهنة، وهي البيان، قالوا: برهن إذا بين، فتكون النون زائدة لفقدان فعلن ووجود فعلل، فينبني على هذا الاشتقاق. التسمية ببرهان، هل ينصرف أو لا ينصرف؟ الوجه: معروف، ويجمع قلة على أوجه، وكثرة على وجوه، فينقاس أفعل في فعل الاسم الصحيح العين، وينقاس فعول في فعل الاسم ليس عينه واواً. اليهود: ملة معروفة، والياء أصلية، فليست مادة الكملة مادة هود من قوله: {هوداً أو نصارى}، لثبوتها في التصريف يهده. وأما هوّده فمن مادة هود. قال الأستاذ أبو عليّ الشلوبين، وهو الإمام الذي انتهى إليه علم اللسان في زمانه: يهود فيها وجهان، أحدهما: أن تكون جمع يهودي، فتكون نكرة مصروفة. والثاني: أن تكون علماً لهذه القبيلة، فتكون ممنوعة الصرف. انتهى كلامه. وعلى الوجه الأول دخلته الألف واللام فقالوا: اليهود، إذ لو كان علماً لما دخلته، وعلى الثاني قال الشاعر:

أولئك أولى من يهود بمدحة إذا أنت يوماً قلتها لم تؤنب

ليس: فعل ماض، خلافاً لأبي بكر بن شقير، وللفارسي في أحد قوليه، إذ زعما أنها حرف نفي مثل ما، ووزنها فعل بكسر العين. ومن قال: لست بضم اللام، فوزنها عنده فعل بضم العين، وهو بناء نادر في الثلاثي اليائي العين، لم يسمع منه إلا قولهم: هيؤ الرجل، فهو هيـىء، إذا حسنت هيئته. وأحكام ليس كثيرة مشروحة في كتب النحو. الحكم: الفصل، ومنه سمي القاضي: الحاكم، لأنه يفصل بين الخصمين. الاختلاف: ضد الاتفاق.

{يا أيها الذين آمنوا}: هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، بالنداء الدال على الإقبال عليهم، وذلك أن أول نداء جاء أتى عامًّا: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } [البقرة: 21]، وثاني نداء أتى خاصاً: { يا بني إسرائيل اذكروا } [البقرة: 40]، وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين: اليهودية والنصرانية، وثالث نداء لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنين. فكان أول نداء عامًّا، أمروا فيه بأصل الإسلام، وهو عبادة الله. وثاني نداء، ذكروا فيه بالنعم الجزيلة، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة، وخوّفوا من حلول النقم الوبيلة وثالث نداء: علموا فيه أدباً من آداب الشريعة مع نبيهم، إذ قد حصلت لهم عبادة الله، والتذكير بالنعم، والتخويف من النقم، والاتعاظ بمن سبق من الأمم، فلم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه. والتبجيل والخطاب بيا أيها الذين آمنوا متوجه إلى من بالمدينة من المؤمنين، قيل: ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره. وروي عن ابن عباس: أنه حيث جاء هذا الخطاب، فالمراد به أهل المدينة، وحيث ورد يا أيها الناس، فالمراد أهل مكة.

{لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا}: بدىء بالنهي، لأنه من باب التروك، فهو أسهل. ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس، قبل بالنهي. ثم لم يكن نهياً عن شيء سبق تحريمه، ولكن لما كانت لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالباً، فصار المعنى: ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك، وهذا فيه ما لا يخفى مع من يعظم نهوا عن هذه اللفظة لهذه العلة، وأمروا بأن يقولوا: انظرنا، إذ هو فعل من النبي صلى الله عليه وسلم، لا مشاركة لهم فيه معه. وقراءة الجمهور: راعنا. وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي: راعونا، على إسناد الفعل لضمير الجمع. وذكر أيضاً أن في مصحف عبد الله: ارعونا. خاطبوه بذلك إكباراً وتعظيماً، إذ أقاموه مقام الجمع. وتضمن هذا النهي، النهي عن كل ما يكون فيه استواء مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو حياة، وابن محيصن: راعنا بالتنوين، جعله صفة لمصدر محذوف، أي قولاً راعناً، وهو على طريق النسب كلابن وتامر. لما كان القول سبباً في السبب، اتصف بالرعن، فنهوا في هذه القراءة عن أن يخاطبوا الرسول بلفظ يكون فيه، أو يوهم شيئاً من الغض، مما يستحقه صلى الله عليه وسلم من التعظيم وتلطيف القول وأدبه.

وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانت تقصد بذلك، إذ خاطبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرعونة، وكذا قيل في راعونا، إنه فاعولاً من الرعونة، كعاشورا. وقيل: كانت لليهود كلمة عبرانية، أو سريانية يتسابون بها وهي: راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا، اقترضوه وخاطبوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها. ومن زعم أن راعنا لغة مختصة بالأنصار، فليس قوله بشيء، لأن ذلك محفوظ في جميع لغة العرب. وكذلك قول من قال: إن هذه الآية ناسخة لفعل قد كان مباحاً، لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً قبل. وقيل في سبب نزولها غير ذلك. وبالجملة، فهي كما قال محمد بن جرير: كلمة كرهها الله أن يخاطب بها نبيه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا عبدي وأمتي وقولوا فتاي وفتاتي ولا تسموا العنب الكرم" . وذكر في النهي وجوه: إن معناها اسمع لا سمعت،أو إن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند المفر، قاله قطرب، أو أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي راعي غنمنا، أو أنه مفاعلة فيوهم مساواة، أو معناه راع كلامنا ولا تغفل عنه، أو لأنه يتوهم أنه من الرعونة. وقوله: انظرنا، قراءة الجمهور، موصول الهمزة، مضموم الظاء، من النظرة، وهي التأخير، أي انتظرنا وتأنّ علينا، نحو قوله:

فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب

أو من النظر، واتسع في الفعل فعدى بنفسه، وأصله أن يتعدى بإلى، كما قال الشاعر:

ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر الأراك الظباء

يريد: إلى الأراك، ومعناه: تفقدنا بنظرك. وقال مجاهد: معناه فهمنا وبين لنا، فسر باللازم في الأصل، وهو انظر، لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل، والتأني به أن يفهم بذلك. وقيل: هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه، فاتسع في الفعل أيضاً، إذ أصله أن يتعدى بفي، ويكون أيضاً على حذف مضاف، أي انظر في أمرنا. قال ابن عطية: وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى: راعنا، فبدلت للمؤمنين اللفظة، ليزول تعلق اليهود. انتهى. وقرأ أبي والأعمش: أنظرنا، بقطع الهمزة وكسر الظاء، من الإنظار، ومعناه: أخرنا وأمهلنا حتى نتلقى عنك. وهذه القراءة تشهد للقول الأول في قراءة الجمهور.

{واسمعوا}: أي سماع قبول وطاعة. وقيل: معناه اقبلوا. وقيل: فرغوا أسماعكم حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. وقيل: اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا تعودون إليه. أكد عليهم ترك تلك الكلمة. وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، فوالذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه. {وللكافرين عذاب أليم}: ظاهره العموم، فيدخل فيه اليهود. وقيل: المراد به اليهود، أي ولليهود الذين تهاونوا بالرسول وسبوه. ولما نهى أوّلاً، وأمر ثانياً، وأمر بالسمع وحض عليه، إذ في ضمنه الطاعة، أخذ يذكر لمن خالف أمره وكفر، { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [النور: 63].

{ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين}: ذكر المفسرون أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: وددنا لو كان خيراً مما نحن عليه فنتبعه، فأكذبهم الله بقوله: {ما يود الذين كفروا}، فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب: الذين بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والظاهر، العموم في أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى، وفي المشركين: وهم مشركو العرب وغيرهم، ونفى بما، لأنها لنفي الحال، فهم ملتبسون بالبغض والكراهة أن ينزل عليكم. ومن، في قوله: من أهل الكتاب، تبعيضية، فتتعلق بمحذوف، أي كائنين من أهل الكتاب. ومن أثبت أن من تكون لبيان الجنس قال ذلك هنا، وبه قال الزمخشري، وأصحابنا لا يثبتون كونها للبيان. {ولا المشركين}، معطوف على: {من أهل الكتاب}. ورأيت في كتاب لأبي إسحاق الشيرازي، صاحب (التنبيه)، كلاماً يرد فيه على الشيعة، ومن قال بمقالتهم: في أن مشروعية الرجلين في الوضوء هي المسح، للعطف في قوله: {وأرجلكم}، على قوله: {برؤوسكم}، خرج فيه أبو إسحاق قوله: وأرجلكم بالجر، على أنه من الخفض على الجوار، وأن أصله النصب فخفض عطفاً على الجوار. وأشار في ذلك الكتاب إلى أن القرآن ولسان العرب يشهدان بجواز ذلك، وجعل منه قوله: ولا المشركين، في هذه الآية، وقوله: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } [البينة: 1]، وأن الأصل هو الرفع، أي ولا المشركون، عطفاً على الذين كفروا، وهذا حديث من قصر في العربية، وتطاول إلى الكلام فيها بغير معرفة، وعدل عن حمل اللفظ على معناه الصحيح وتركيبه الفصيح. ودخلت لا في قوله: ولا المشركين، للتأكيد، ولو كان في غير القرآن لجاز حذفها. ولم تأت في قوله: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين } [البينة: 1]. لمعنى يذكر هناك، إن شاء الله تعالى

{أن ينزل عليكم}: في موضع المفعول بيود، وبناؤه للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وللتصريح به في قوله: {من ربكم}. ولو بني للفاعل لم يظهر في قوله: {من ربكم}. {من خير}، من: زائدة، والتقدير: خير من ربكم، وحسن زيادتها هنا، وإن كان ينزل لم يباشره حرف النفي، فليس نظير: ما يكرم من رجل، لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى، لأنه إذا نفيت الودادة، كان كأنه نفى متعلقها، وهو الإنزال، وله نظائر في لسان العرب، من ذلك قوله تعالى: { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهنّ بقادر } [الأحقاف: 33]. فلما تقدّم النفي حسن دخول الباء، وكذلك قول العرب: ما ظننت أحداً يقول ذلك إلا زيد، بالرفع على البدل من الضمير المستكن في يقول، وإن لم يباشره حرف النفي، لأن المعنى: ما يقول ذلك أحد إلا زيد، فيما أظن. وهذا التخريج هو على قول سيبويه والخليل. وأما على مذهب الأخفش والكوفيين في هذا المكان، فيجوز زيادتها، لأنهم لا يشترطون انتفاء الحكم عما تدخل عليه، بل يجيزون زيادتها في الواجب وغيره. ويزيد الأخفش: أنه يجيز زيادتها في المعرفة. وذهب قوم إلى أن من للتبعيض، ويكون على هذا المفعول الذي لم يسم فاعله هو عليكم، ويكون المعنى: أن ينزل عليكم بخير من الخير من ربكم.

{من ربكم}: من: لابتداء الغاية، كما تقول: هذا الخير من زيد. ويجوز أن تكون للتبعيض. المعنى من خير كائن من خيور ربكم، فإذا كانت لابتداء الغاية تعلقت بقوله: ينزل، وإذا كانت للتبعيض تعلقت بمحذوف، وكان ذلك على حذف مضاف، كما قدّرناه. والخير هنا: القرآن، أو الوحي، إذ يجمع القرآن وغيره، أو ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعظيم؛ أو الحكمة والقرآن والظفر؛ أو النبوة والإسلام، أو العلم والفقه والحكمة؛ أو هنا عام في جميع أنواع الخير، فهم يودون انتفاء ذلك عن المؤمنين، سبعة أقوال، أظهرها الآخر. وسبب عدم ودهم ذلك: أما في اليهود، فلكون النبوّة كانت في بني إسماعيل، ولخوفهم على رئاستهم، وأما النصارى، فلتكذيبهم في إدعائهم ألوهية عيسى، وأنه ابن الله، ولخوفهم على رئاستهم، وأما المشركون، فلسبّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم، ولحسدهم أن يكون رجل منهم يختص بالرسالة، واتباع الناس له.

{والله يختصّ برحمته من يشاء}: أي يفرد بها، وضد الاختصاص: الاشتراك. ويحتمل أن يكون يختصّ هنا لازماً، أي ينفرد، أو متعدّياً، أي يفرد، إذ الفعل يأتي كذلك. يقال: اختصّ زيد بكذا، واختصصته به، ولا يتعين هنا تعديه، كما ذكر بعضهم، إذ يصح، والله يفرد برحمته من يشاء، فيكون من فاعلة، وهو افتعل من: خصصت زيداً بكذا. فإذا كان لازماً، كان لفعل الفاعل بنفسه نحو: اضطررت، وإذا كان متعدياً، كان موافقاً لفعل المجرّد نحو: كسب زيد مالاً، واكتسب زيد مالاً. والرحمة هنا عامة بجميع أنواعها؛ أو النبوّة والحكمة والنصرة، اختص بها محمد صلى الله عليه وسلم، قاله عليّ والباقر ومجاهد والزجاج؛ أو الإسلام، قاله ابن عباس؛ أو القرآن، أو النبي صلى الله عليه وسلم، { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107]. هو نبي الرحمة، أقوال خمسة، أظهرها الأول

{والله ذو الفضل العظيم}: قد تقدّم أن ذو بمعنى صاحب. وذكر جملة من أحكام ذو، والوصف بذو، أشرف عندهم من الوصف بصاحب، لأنهم ذكروا أن ذو أبداً لا تكون إلا مضافة لاسم، فمدلولها أشرف. ولذلك جاء ذو رعين، وذو يزن، وذو الكلاع، ولم يسمعوا بصاحب رعين، ولا صاحب يزن ونحوها. وامتنع أن يقول في صحابي أبي سعيد أو جابر: ذو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاز أن يقول: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك وصف الله تعالى نفسه بقوله: { ذو الجلال } [الرحمن: 27]، {ذو الفضل}، وسيأتي الفرق بين قوله تعالى: { وذا النون إذ ذهب مغاضباً } [الأنبياء: 87]، وقوله تعالى: { ولا تكن كصاحب الحوت } [القلم: 48]، إن شاء الله تعالى. وتقدّم تفسير { الفضل العظيم } [البقرة: 105]، ويجوز أن يراد به هنا: جميع أنواع التفضلات، فتكون أل للاستغراق، وعظمه من جهة سعته وكثرته، أو فضل النبوّة. وقد وصف تعالى ذلك بالعظم في قوله: { وكان فضل الله عليك عظيماً } [النساء: 113]، أو الشريعة، فعظمها من جهة بيان أحكامها، من حلال، وحرام، ومندوب، ومكروه، ومباح؛ أو الثواب والجزاء، فعظمه من جهة السعة والكثرة، { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } [السجدة: 17]، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وعلى هذه التأويلات تكون أل للعهد، والأظهر القول الأول.

{ما ننسخ من آية}: سبب نزولها، فيما ذكروا، أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام قالوا: إن محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم، وينهاهم عنه غداً، ويقول اليوم قولاً، ويرجع عنه غداً، ما هذا القرآن إلا من عند محمد، وأنه يناقض بعضه بعضاً، فنزلت.

وقد تكلم المفسرون هنا في حقيقة النسخ الشرعي وأقسامه، وما اتفق عليه منه، وما اختلف فيه، وفي جوازه عقلاً، ووقوعه شرعاً، وبماذا ينسخ، وغير ذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك الأحكام، وطوّلوا في ذلك. وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كله فيه. وهكذا جرت عادتنا: أن كل قاعدة في علم من العلوم يرجع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علم التفسير مسلمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير، كما فعله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، المعروف بابن خطيب الري، فإنه جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة، لا حاجة بها في علم التفسير. ولذلك حكي عن بعض المتطرفين من العلماء أنه قال: فيه كل شيء إلا التفسير.

وقد ذكرنا في الخطبة ما يحتاج إليه علم التفسير. فمن زاد على ذلك، فهو فضول في هذا العلم، ونظير ما ذكره الرازي وغيره، إن النحوي مثلاً يكون قد شرع في وضع كتاب في النحو، فشرع يتكلم في الألف المنقلبة، فذكر أن الألف في الله، أهي منقلبة من ياء أو واو؟ ثم استطرد من ذلك إلى الكلام في الله تعالى، فيما يجب له ويجوز عليه ويستحيل. ثم استطرد إلى جواز إرسال الرسل منه تعالى إلى الناس. ثم استطرد إلى أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم استطرد من ذلك إلى إعجاز ما جاء به القرآن وصدق ما تضمنه، ثم استطرد إلى أن من مضمونه البعث والجزاء بالثواب والعقاب. ثم المثابون في الجنة لا ينقطع نعيمهم، والمعاقبون في النار لا ينقطع عذابهم. فبينا هو في علمه يبحث في الألف المنقلبة، إذا هو يتكلم في الجنة والنار، ومن هذا سبيله في العلم، فهو من التخليط والتخبيط في أقصى الدرجة، وكان أستاذنا العلامة أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، قدّس الله تربته، يقول ما معناه: متى رأيت الرجل ينتقل من فن إلى فن في البحث أو التصنيف، فاعلم أن ذلك، إما لقصور علمه بذلك الفن، أو لتخليط ذهنه وعدم إدراكه، حيث يظنّ أن المتغايرات متماثلات.

وإنما أمعنت الكلام في هذا الفصل لينتفع به من يقف عليه، ولئلا يعتقد أنا لم نطلع على ما أودعه الناس في كتبهم في التفسير، بل إنما تركنا ذلك عمداً، واقتصرنا على ما يليق بعلم التفسير. وأسأل الله التوفيق للصواب.

وما من قوله: ما ننسخ، شرطية، وهي مفعول مقدّم، وفي ننسخ التفات، إذ هو خروج من غائب إلى متكلم. ألا ترى إلى قوله: {والله يختصّ}؟ {والله ذو الفضل}؟ وقرأ الجمهور: ننسخ من نسخ، بمعنى أزال، فهو عام في إزالة اللفظ والحكم معاً، أو إزالة اللفظ فقط، أو الحكم فقط. وقرأت طائفة وابن عامر من السبعة: ما ننسخ من الإنساخ، وقد استشكل هذه القراءة أبو علي الفارسي فقال: ليست لغة، لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي للتعدية، لأن المعنى يجيء: ما يكتب من آية، أي ما ينزل من آية، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً. وليس الأمركذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى: ما نجده منسوخاً، كما يقال: أحمدت الرجل إذا وجدته محموداً، وأبخلته إذا وجدته بخيلاً. قال أبو عليّ: وليس نجده منسوخاً إلا بأن ينسخه، فتتفق القراءات في المعنى، وإن اختلفا في اللفظ. انتهى كلامه. فجعل الهمزة في النسخ ليست للتعدية، وإنما أفعل لوجود الشيء بمعنى ما صيغ منه، وهذا أحد معاني أفعل المذكورة فيه فاتحة الكتاب. وجعل الزمخشري الهزة فيه للتعدية قال: وإنساخها الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة، بالإعلام بنسخها، وهذا تثبيج في العبارة عن معنى كون الهمزة للتعدية. وإيضاحه أن نسخ يتعدى لواحد، فلما دخلت همزة النقل تعدى لاثنين. تقول: نسخ زيد الشيء، أي أزاله، وأنسخه إياه عمرو: أي جعل عمرو زيداً ينسخ الشيء، أي يزيله. وقال ابن عطية: التقدير ما ننسخك من آية، أي ما نبيح لك نسخة، كأنه لما نسخه الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخاً. وهذا الذي ذكر ابن عطية أيضاً هو جعل الهمزة للتعدية، لكنه والزمخشري اختلفا في المفعول الأول المحذوف، أهو جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ وجعل الزمخشري الإنساخ هو الأمر بالنسخ. وجعل ابن عطية الإنساخ إباحة الترك بالنسخ. وخرّج ابن عطية هذه القراءة على تخريج آخر وهو: أن تكون الهمزة فيه للتعدية أيضاً، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له، قال: ويكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، أي ذلك فعلنا، فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك، أو بمثله، فتجيء الضميرات في منها وبمثلها عائدين على الضمير في ننسأها. انتهى كلامه. وذهل عن القاعدة النحوية، وهي أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عليه. وما في قوله: ما ننسخ شرطية، وقوله: أو ننساها، عائد على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها نفسها من حيث اللفظ والمعنى، إنما يعود عليها لفظاً لا معنى، فهو نظير قولهم: عندي درهم ونصفه، فهو في الحقيقة على إضمار ما الشرطية. التقدير: أو ما ننسأ من آية، ضرورة أن المنسوخ هو غير المنسوء، لكن يبقى قوله: {ما ننسخ من آية} مفلتاً من الجواب، إذ لا رابط فيه منه له، وذلك لا يجوز، فبطل هذا المعنى.

من آية، من: هنا للتبعيض، وآية مفرد وقع موقع الجمع، ونظيره فارس في قولك: هذا أول فارس، التقدير: أول الفوارس. والمعنى: أي شيء من الآيات. وكذلك ما جاء من هذا النحو في القرآن، وفي كلام العرب تخريجه هكذا، نحو قوله: { ما يفتح الله للناس من رحمة } [فاطر: 2]، { وما بكم من نعمة } [النحل: 53]، وقولهم: من يضرب من رجل اضربه. ويتضح بهذا المجرور ما كان معمولاً لفعل الشرط، لأنه مخصص له، إذ في اسم الشرط عموم، إذ لو لم يأت بالمجرور لحمل على العموم. لو قلت: من يضرب أضرب، كان عاماً في مدلول من. فإذا قلت: من رجل، اختص جنس الرجال بذلك، ولم يدخل فيه النساء، وإن كان مدلول من عامًّا للنوعين. ولهذا المعنى جعل بعضهم من آية، وما أشبهه في موضع نصب على التمييز. قال: والمميز ما قال، والتقدير: أي شيء نسخ من آية. قال: ولا يحسن أن يقدر أي آية ننسخ، لأنك لا تجمع بين آية وبين المميز بآية. لا تقول: أي آية ننسخ من آية، ولا أي رجل يضرب من رجل أضربه. وجوّزوا أيضاً أن تكون من زائدة، وآية حالاً. والمعنى: أي شيء ننسخ قليلاً أو كثيراً. قالوا: وقد جاءت الآية حالاً في قوله تعالى: { هذه ناقة الله لكم آية } [الأعراف: 73]، وهذا فاسد لأن، الحال لا يجرّ بمن وجوّزوا أيضاً أن تكون ما مصدراً، وآية مفعولاً به، التقدير: أي نسخ ننسخ آية، ومجيء ما الشرطية مصدراً جائز، تقول: ما تضرب زيداً أضرب مثله، التقدير: أي ضرب تضرب زيداً أضرب مثله، وقال الشاعر:

نعب الغراب فقلت بين عاجل ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب

وهذا فاسد، لأن ما إذا جعلتها للنسخ، عرى الجواب من ضمير يعود عليها، ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط. ألا ترى أنك لو قلت: أي ضرب يضرب هنداً أضرب أحسن منها، لم يجز لعرو جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط، لأن الضمير في منها عائد على المفعول الذي هو هند، لا على أي ضرب الذي هو اسم الشرط، ولأن المفعول به لا تدخل عليه من الزائدة إلا بشرط أن يتقدّمه غير موجب، وأن يكون ما دخلت عليه نكرة، وهذا على الجادة من مشهور مذهب البصريين. والشرط ليس من قبيل غير الموجب، فلا يجوز: إن قام من رجل أقم معه، وفي هذا خلاف ضعيف لبعض البصريين.

{أو ننساها}: قرأ عمر، وابن عباس، والنخعي، وعطاء، ومجاهد، وعبيد بن عمير، ومن السبعة ابن كثير، وأبو عمرو: أو ننسأها، بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة. وقرأت طائفة كذلك، إلا أنه بغير همز. وذكر أبو عبيد البكري في (كتاب اللآلىء) ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وهم، وكذا قال ابن عطية، قال: وقرأ سعد بن أبي وقاص تنساها بالتاء المفتوحة وسكون النون وفتح السين من غير همز، وهي قراءة الحسن وابن يعمر. وقرأت فرقة كذلك، إلا أنهم همزو. وقرأ أبو حياة كذلك، إلا أنه ضم التاء. وقرأ سعيد كذلك، إلا أنه بغير همز. وقرأ باقي السبعة، ننسها، بضم النون وكسر السين من غير همز. وقرأت فرقة كذلك، إلا أنها همزت بعد السين. وقرأ الضحاك وأبو رجاء: بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين وبلا همز. وقرأ أبي: أو ننسك، بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين من غير همز، وبكاف للخطاب بدل ضمير الغيبة. وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة كذلك، إلا أنه جمع بين الضميرين، وهي قراءة أبي حذيفة. وقرأ الأعمش: ما ننسك من آية أو ننسخها نجيء بمثلها. وهكذا ثبت في مصحف عبد الله، فتحصل في هذه اللفظة، دون قراءة الأعمش، إحدى عشرة قراءة: فمع الهمزة: ننسأها وننسئها وننسأها وتنسأها، وبلا همز: ننسها وننسها وتنسها وتنسها ونسك وننسكها. وفسر النسخ هنا بالتبديل، قاله ابن عباس والزجاج، أو تبديل الحكم مع ثبوت الخط، قاله عبد الله وابن عباس أيضاً، أو الرفع، قاله السدّي. وأما قوله: أو ننسها بغير همز، فإن كان من النسيان ضد الذكر، فالمعنى: ننسكها إذا كان من أفعل، أو ننسها إذا كان من فعل، قاله مجاهد، وقتادة، وإن كان من الترك، فالمعنى: أو نترك إنزالها، قاله الضحاك، أو نمحها، فلا نترك لها لفظاً يتلى ولا حكماً يلزم، قاله ابن زيد، أو نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء: أي أمرت بتركه، ونسيته: تركته، قال:

إن عليّ عقبة أقضيها لست بناسيها ولا منسيها

أي لا آمر بتركها. وقال الزجاج: قراءة ننسها، بضم النون وسكون النون الثانية وكسر السين، لا يتوجه فيها معنى الترك، لأنه لا يقال: أنسى بمعنى ترك. وقال أبو علي الفارسي وغيره: ذلك متجه، لأنه بمعنى نجعلك تتركها. وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا نسي قرآناً. وقال أبو عليّ وغيره: ذلك جائز، وقد وقع، ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بنسئه. واحتج الزجاج بقوله تعالى: { ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك } [الإسراء: 86]، أي لم نفعل. قال أبو علي: معناه لم نذهب بالجميع، وحكى الطبري قول الزجاج عن أقدم منه. قال ابن عطية: والصحيح في هذا أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم، لما أراد الله أن ينساه، ولم يرد أن يثبته قرآناً جائزاً. وأما النسيان الذي هو آفة في البشر، فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه، قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظه أحد من الصحابة، وأما بعد أن يحفظ، فجائز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث، "حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: أفي القوم أبي؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: فلم لم تذكرني؟ قال: خشيت أنها رفعت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترفع ولكني نسيتها" . انتهى كلام ابن عطية. وأما من قرأ بالهمز فهو من التأخير، تقول العرب: نسأت الإبل عن الحوض، وأنسأ الإبل عن ظمئها يوماً أو يومين، أو أكثر أخرها عن الورد. وأما في الآية فالمعنى: نؤخر نسخها أو نزولها، قاله عطاء وابن أبي نجيح، أو نمحها لفظاً وحكماً، قاله ابن زيد، أونمضها فلا ننسخها، قاله أبو عبيدة، وهذا يضعفه قوله: {نأت بخير منها}، لأن ما أمضى وأقر، لا يقال فيه نأت بخير منها. وحكي عن ابن عباس أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره: ما نبدل من حكم آية نأت بخير منها، أي أنفع منها لكم، أو مثلها. ثم قال: أو ننساها، أي نؤخرها، فلا ننسخها ولا نبدلها. وهذه الحكاية لا تصح عن ذلك الحبر ابن عباس، إذ هي محيلة لنظم القرآن.

{نأت}: هو جواب الشرط، واسم الشرط هنا جاء بعده الشرط والجزاء مضارعين، وهذا أحسن التراكيب في فعلى الشرط والجزاء، وهو أن يكونا مضارعين. {بخير منها}: الظاهر أن خيراً هنا أفعل التفضيل، والخيرية ظاهرة، لأن المأتي به، إن كان أخف من المنسوخ أو المنسوء، فخيريته بالنسبة لسقوط أعباء التكليف، وإن كان أثقل، فخيريته بالنسبة لزيادة الثواب. {أو مثلها}: أو مساو لها في التكليف والثواب، وذلك كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة. وذهب قوم إلى أن خيراً هنا ليس بأفعل التفضيل، وإنما هو خير من الخيور، كخير في قوله: {أن ينزل عليكم من خير من ربكم}، فهو عندهم مصدر، ومن لابتداء الغاية. ويصير المعنى: أنه ما ننسخ من آية أو نؤخرها، نأت بخير من الخيور من جهة المنسوخ أو المنسوء، لكن يبعد هذا المعنى قوله: {أو مثلها}، فإنه لا يصح عطفه على قوله: {بخير} على هذا المعنى، إلا إن أطلق الخير على عدم التكليف، فيكون المعنى: نأت بخير من الخيور، وهو عدم التكليف، أو نأت بمثل المنسوخ أو المنسوء، فكأنه يقول: ما ننسخ من آية أو نؤخرها، فإلى غير بدل، أو إلى بدل مماثل، والذي إلى غيره بدل، هو خير أتاكم من جهة الآية المنسوخة أو المنسوءة، إذ هو راحتكم من التكاليف. وأما عطف مثلها على الضمير المجرور في منها فيضعف لعدم إعادة الجار.

{ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير}؟ قال ابن عطية: ظاهره الاستفهام المحض، فالمعادل هنا على قول جماعة: أم تريدون. وقال قوم: أم هنا منقطعة، فالمعادل على قولهم محذوف تقديره: أم علمتم، وهذا كله على أن القصد بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة أمته، وأما إن كان هو المخاطب وحده، فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي. انتهى كلامه ونقله. وما قالوه ليس بجيد، بل هذا استفهام معناه التقرير، فلا يحتاج إلى معادل ألبتة، والأولى أن يكون المخاطب السامع، والاستفهام بمعنى التقرير كثير في كلامهم جداً، خصوصاً إذا دخل على النفي: { أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين } [العنكبوت: 10]؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين } [التين: 8]؟ { ألم نربك فينا وليداً } [الشعراء: 18]؟ { ألم يجدك يتيماً فآوى } [الضحى: 6]؟ { ألم نشرح لك صدرك } [الشرح: 1]؟ فهذا كله استفهام لا يحتاج فيه إلى معادل، لأنه إنما يراد به التقرير. والمعنى: قد علمت أيها المخاطب أن الله قادر على كل شيء، فله التصرف في تكاليف عباده، بمحو وإثبات وإبدال حكم بحكم، وبأن يأتي بالأخير لكم وبالمماثل. وحكمة إفراد المخاطب: أنه ما من شخص إلا يتوهم أنه المخاطب بذلك، والمنبه به، والمقرر على شيء ثابت عنده، وهو أن قدرة الله تعالى متعلقة بالأشياء، فلن يعجزه شيء، فإذا كان كذلك لم ينكر النسخ، لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه. وفي قوله: {ألم تعلم أن الله}، فيه خروج من ضمير جمع مخاطب وهو: {من خير من ربكم}، إلى ضمير مخاطب مفرد للحكمة التي بيناها، وخروج من ضمير متكلم معظم نفسه، إلى اسم ظاهر غائب وهو الله، إذ هو الإسم العلم الجامع لسائر الصفات، ففي ضمنه صفة القدرة، فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم، فلذلك عدل عن قوله: {ألم تعلم أننا} إلى قوله: {ألم تعلم أن الله}، وقد تقدم تفسيره قوله: { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 20] في أوائل هذه السورة، فأغنى ذلك عن إعادته.

{ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض}؟ هذا أيضاً استفهام دخل على النفي فهو تقرير، فليس له معادل، لأن التقرير معناه: الإيجاب، أي قد علمت أيها المخاطب أن الله له سلطان السماوات والأرض والاستيلاء عليهما، فهو يملك أموركم ويدبرها، ويجريها على ما يختاره لكم من نسخ وغيره، وخص السماوات والأرض بالملك، لأنهما من أعظم المخلوقات، ولأنهما قد اشتملا على جميع المخلوقات. وإذا كان استيلاؤه على الطرفين، كان مستولياً على ما اشتملا عليه، أو لأنه يعبر عن مخلوقاته العلوية بالسماوات، والسفلية بالأرض.

وتضمنت هاتان الجملتان التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف، وهما: القدرة والاستيلاء، لأن الشخص قد يكون قادراً، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء، لكنه ليس له استيلاء على ذلك الشيء، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل. فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية، كمل بذلك التصرف مع الإرادة. وبدأ بالتقرير على وصف القدرة، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان. {وما لكم من دون الله}: انتقل من ضمير الإفراد في الخطاب إلى ضمير الجماعة، وناسب الجمع هنا، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصاً في العموم، فناسب كون المنفي عنه يكون عاماً أيضاً، كان المعنى: وما لكل فرد فرد منكم فرد فرد. {من ولي ولا نصير}: وأتى بصيغة ولي، وهو فعيل، للمبالغة، ولأنه أكثر في الاستعمال، ولذلك لم يجيء في القرآن وال إلا في سورة الرعد، لمواخاة الفواصل، وأتى بنصير على وزن فعيل، لمناسبة وليّ في كونهما على فعيل، ولمناسبة أواخر الآي، ولأنه أبلغ من فاعل. ومن زائدة في قوله: {من ولي}، فلا تتعلق بشيء. ومن: في {من دون الله} متعلقة بما يتعلق به المجرور الذي هو لكم، وهو يتعلق بمحذوف، إذ هو في موضع الخبر، ويجوز في ما هذه أن تكون تميمية، ويجوز أن تكون حجازية على مذهب من يجيز تقدم خبرها، إذا كان ظرفاً أو مجروراً. أما من منع ذلك فلا يجوز في ما أن تكون حجازية، ومعنى من الأولى ابتداء الغاية. وتكرر اسم الله ظاهراً في هذه الجمل الثلاث، ولم يضمر للدلالة على استقلال كل جملة منها، وأنها لم تجعل مرتبطة بعضها ببعض ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار.

ولما كانت الجملتان الأوليان للتقرير، وهو إيجاب من حيث المعنى، ناسب أن تكون الجملة الثالثة نفياً للولي والناصر، أي أن الأشياء التي هي تحت قدرة الله وسلطانه واستيلائه، فالله تعالى لا يحجزه عما يريد بها شيء، ولا مغالب له تعالى فيما يريد.

{أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل}: اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقيل عن ابن عباس: نزلت في عبد الله بن أمية ورهط من قريش، قالوا: يا محمد اجعل الصفا ذهباً، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيراً، ونؤمن لك. وقيل: تمنى اليهود وغيرهم من المشركين، فمن قائل: إئتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة. ومن قائل: ائتني بكتاب من السماء فيه: من رب العالمين إلى عبد الله بن أمية، إني قد أرسلت محمداً إلى الناس. ومن قائل: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً. وقيل: إن رافع بن خزيمة، ووهب بن زيد قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب من السماء، وفجر لنا أنهاراً، نتبعك. وقيل: إن جماعة من الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل في تعجيل العقوبة في الدنيا، فقال: "كانت بنو إسرائيل إذا أصابتهم خطيئة وجدوها مكتوبة على باب الخاطىء، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة" . وقيل: اليهود وكفار قريش سألوا ردّ الصفا ذهباً، وقيل لهم: خذوه كالمائدة لبني إسرائيل، فأبوا ونكصوا. وقيل: سأل قوم أن يجعل لهم ذات أنواط، كما كانت للمشركين، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها الثمرة وغيرها من المأكولات وأسلحتهم. كما سأل بنو إسرائيل موسى فقالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ويحتمل أن تكون هذه كلها أسباباً في نزول هذه الآية، وقد طولنا بذكر هذه الأسباب، وذلك بخلاف مقصدنا في هذا الكتاب.

وأم: هنا منقطعة، وتتقدر المنقطعة ببل والهمزة، فالمعنى: بل أتريدون، فبل تفيد الإضراب عما قبله، ومعنى الإضراب هنا: هو الانتقال من جملة إلى جملة، لا على سبيل إبطال الأولى. وقد تقدّم قول من جعل أم هنا معادلة للاستفهام الأول. وقد بينا ضعف ذلك. وقالت فرقة: أم استفهام مقطوع من الأول، كأنه قال: أتريدون. وهذان القولان ضعيفان. والذي تقرر أن أم تكون متصلة ومنفصلة. فالمتصلة: شرطها أن يتقدّمها لفظ همزة الاستفهام، وأن يكون بعدها مفرد، أو في تقدير المفرد. والمنفصلة: ما انخرم الشرطان فيها أو أحدهما، ويتقدر إذ ذاك ببل والهمزة معاً، وأما مجيئها مرادفة للهمزة فقط، أو مرادفة لبل فقط، أو زائدة، فأقوال: ضعيفة. وعلى الخلاف في المخاطبين، يجيء الكلام في قوله: {رسولكم}. فإن كان الخطاب للمؤمنين، وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم، فيكون رسولكم جاء على ما في نفس الأمر، وعلى ما أقروا به من رسالته. وإن كان الخطاب للكفار، كانت إضافة الرسول إليهم على حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم به. ورجح كون الخطاب للمؤمنين بقوله: {وم يتبدّل الكفر بالإيمان}، وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمن، وبأنه معطوف على قوله: {لا تقولوا راعنا}، أي هل تفعلون ما أمرتم، أم تريدون؟ ورجح أنهم اليهود، لأنه سبق الكلام في الحكايات عنهم ما قالوا، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله ما يكون كفراً.

كما سئل: الكاف في موضع نصب، فعلى رأي سيبويه: على الحال، وعلى المشهور من مذاهب المعربين: نعت لمصدر محذوف، فيقدر على قولهم: سؤالاً كما سئل، ويقدر على رأي سيبويه: أن تسألوه، أي السؤال كما سئل، وما مصدرية التقدير كسؤال. وأجاز الحوفي أن تكون ما موصولة بمعنى الذي، التقدير: الذي سئله موسى. وقرأ الجمهور: وسيل. وقرأ الحسن وأبو السمال: بكسر السين وياء. وقرأ أبو جعفر وشيبة والزهري: بإشمام السين وياء. وقرأ بعض القراء: بتسهيل الهمزة بين بين وضم السين. وهذه القراءات مبنية على اللغتين في سأل، وهو أن تكون الهمزة مقرة مفتوحة، فتقول سأل. فعلى هذه اللغة تكون قراءة الجمهور، وقراءة من سهل الهمز بين بين. واللغة الثانية أن تكون عين الكلمة واواً، وتكون على فعل بكسر العين فتقول: سلت أسال، كخفت أخاف، أصله: سولت. وعلى هذه اللغة تكون قراءة الحسن، وقراءة من أشم. وتخريج هاتين القراءتين على هذه اللغة أولى من التخريج على أن أصل الألف الهمز، فأبدلت الهمزة ألفاً، فصار مثل: قال وباع، فقيل فيه: سيل بالكسر المحض، أو الإشمام، لأن هذا الإبدال شاذ ولا ينقاس. وتلك لغة ثانية، فكان الحمل على ما كان لغة أولى من الحمل على الشاذ غير المطرد. وحذف الفاعل هنا للعلم به، التقدير: كما سأل قوم موسى موسى من قبل.

{موسى من قبل}: يتعلق هذا الجار بقوله: سئل، وقبل مقطوعة عن الإضافة لفظاً، وذلك أن المضاف إليه معرفة محذوف. فلذلك بنيت قبل على الضم، والتقدير: من قبل سؤالكم، وهذا توكيد، لأنه قد علم أن سؤال بني إسرائيل موسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، متقدّم على سؤال هؤلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسؤال قوم موسى عليه السلام هو قولهم: { أرنا الله جهرة } [النساء: 153]، { اجعل لنا إلهاً } [الأعراف: 138]. فأراد تعالى أن يوبخهم على تعلق إرادتهم بسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يقترحوا عليه، إذ هم يكفيهم ما أنزل إليهم. وشبه سؤالهم بسؤال ما اقترحه آباء اليهود من الأشياء التي مصيرها إلى الوبال. وظاهر الآية يدل على أن السؤال لم يقع منهم. ألا ترى أنه قال: {أم تريدون أن تسألوا}؟ فوبخهم على تعلق إرادتهم بالسؤال، إذ لو كان السؤال قد وقع، لكان التوبيخ عليه، لا على إرادته، وكان يكون اللفظ: أتسألون رسولكم؟ أو ما أشبه ذلك مما يؤدّي معنى وقوع السؤال، لكن تظافرت نقولهم في سبب نزول هذه الآية، وإن اختلفوا في التعيين على أن السؤال قد وقع.

{ومن يتبدّل الكفر بالإيمان}؟ تقدّم الكلام في التبديل، أي: من يأخذ الكفر بدل الإيمان؟ وهذه كناية عن الإعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر، كما جاء في قوله: { اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 16]. وفسر الزمخشري هذا بأن قال: ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها. وقال أبو العالية: الكفر هنا: الشدة، والإيمان: الرخاء. وهذا فيه ضعف، إلا أن يريد أنهما مستعاران في الشدة على نفسه والرخاء لها عن العذاب والنعيم. وأما المعروف من شدة أمور الدنيا ورخائها، فلا تفسر الآية بذلك، والظاهر حمل الكفر والإيمان على حقيقتهما الشرعية، لأن من سأل الرسول ما سأل مع ظهور المعجزات ووضوح الدلائل على صدقه، كان سؤاله تعنتاً وإنكاراً، وذلك كفر..

{فقد ضل سواء السبيل}: هذا جواب الشرط، وقد تقدم الكلام على الضلال في قوله: { ولا الضالين } [الفاتحة: 7]، وعلى سواء في قوله: { سواء عليهم أأنذرتهم } [البقرة: 6]، وأن سواء يكون بمعنى مستو. ولذلك يتحمل الضمير في قولهم: مررت برجل سواء هو والعدم، ويوصف به: {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}، ويفسر بمعنى العدل والنصفة، لأن ذلك مستو، وقال زهير:

أرونا خطة لا عيب فيها يسوى بيننا فيها السواء

ويفسر بمعنى الوسط. قال تعالى: { فرآه في سواء الجحيم } [الصافات: 55]، أي في وسطها. وقال عيسى بن عمر: كتبت حتى انقطع سواي، وقال حسان:

يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد

وبذلك فسر السواء في الآية أبو عبيدة، وفسره الفراء بالقصد. ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى، كنى عنها بالسبيل، وجعل من حاد عنها: كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بتبدل الكفر بالإيمان، وأخرج ذلك في صورة شرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيراً عن ذلك، وتبعيداً منه. فوبخهم أولاً على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله، وخاطبهم بذلك، ثم أدرجهم في عموم الجملة الشرطية. وإن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهج القويم، فصار صدر الآية إنكاراً وتوبيخاً، وعجزها تكفيراً وضلالاً. وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض ولا طلب ولا إرادة. وإدغام الدال في الضاد من الإدغام الجائز. وقد قرىء: {فقد ضل}، بالإدغام وبالإظهار في السبعة.

{ودّ كثير من أهل الكتاب}: المعنيّ بكثير: كعب بن الأشرف، أو حيـي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، أو نفر من اليهود حاولوا المسلمين بعد وقعة أحد أن يرجعوا إلى دينهم، أو فنحاص بن عاذوراء وزيد بن قيس ونفر من اليهود حاولوا حذيفة وعماراً في رجوعهما إلى دينهم، أقوال. والقرآن لم يعين أحداً، إنما أخبر بودادة كثير من أهل الكتاب. والخلاف في سبب النزول مبني على الخلاف في تفسير كثير من أهل الكتاب، وتخصصت الصفة بقوله: {من أهل الكتاب}، فلذلك حسن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه. والكتاب هنا: التوراة.

{لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفاراً}: الكلام في لو هنا، كالكلام عليها في قوله: { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } [البقرة: 96]. فمن قال: إنها مصدرية، قال: لو، والفعل في تأويل المصدر، وهو مفعول. ودّ: أي ودّردكم، ومن جعلها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، جعل الجواب محذوفاً، وجعل مفعول ودّ محذوفاً التقدير: ودّردكم كفاراً، لو يردونكم كفاراً لسرّوا بذلك. وقال بعض الناس تقديره: لو يردونكم كفاراً لودوا ذلك. فودّ دالة على الجواب، ولا يجوز لودّ الأولى أن تكون هي الجواب، لأن شرط لو أن تكون متقدّمة على الجواب. انتهى. وهذا الذي قدره ليس بشيء، لأنك إذا جعلت جواب لو قوله: لودوا ذلك، كان ذلك دالاً على أن الودادة لم تقع، لأنه جواب للو، وهو لما كان سيقع لوقوع غيره، فامتنع وقوع الودادة، لامتناع وقوع الرد. والغرض أن الودادة قد وقعت. ألا ترى إلى أقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية؟ وهي وإن اختلفت فاتفقوا على وقوع الودادة، وإن اختلفت أقوالهم بمن وقعت، وتقدير جواب لو لودوا ذلك، يدل على أن الودادة لم تقع، فلذلك كان تقديره لسروا أو لفرحوا بذلك هو المتعين، إذا جعلت لو تقتضي جواباً. ويرد هنا بمعنى يصير، فيتعدّى إلى مفعولين: الأول هو ضمير الخطاب، والثاني كفاراً، وقد أعربه بعضهم حالاً، وهو ضعيف، لأن الحال مستغنى عنها في أكثر مواردها، وهذا لا بد منه في هذا المكان. ومن متعلقة بيرد، وهي لابتداء الغاية، وظاهر الواو في يردونكم أنها للجمع، ومن فسر كثيراً بواحد أو باثنين، فجعل الواو له أو لهما، ليس على الأصل.

{حسداً من عند أنفسهم}: انتصاب حسداً على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه ودّ، أي الحامل لهم على ودادة ردكم كفاراً هو الحسد، وجوزوا فيه أن يكون مصدراً منصوباً على الحال، أي حاسدين، ولم يجمع لأنه مصدر، وهذا ضعيف، لأن جعل المصدر حالاً لا ينقاس. وجوزوا أيضاً أن يكون نصبه على المصدر، والعامل فيه فعل محذوف يدل عليه المعنى، التقدير: حسدوكم حسداً. والأظهر القول الأول، لأنه اجتمعت فيه شرائط المفعول من أجله. ويتعلق المجرور الذي هو: {من عند أنفسهم}، إما بملفوظ به وهو ود، أي ودوا ذلك من قبل شهوتهم، لا أن ودادتهم ذلك هي من جهة التدين واتباع الحق. ألا ترى إلى قوله تعالى: {من بعد ما تبين لهم الحق}؟ وإما بمقدر، فيكون في موضع الصفة، التقدير: حسداً كائناً من عند أنفسهم. وعلى كلا التقديرين يكون توكيداً، أي ودادتهم أو حسدهم من تلقائهم. ألا ترى أن ودادة الكفر والحسد على الإيمان لا يكون إلا من عند أنفسهم؟ فهو نظير، ولا طائر يطير بجناحيه. وقيل: يتعلق الجار والمجرور بقوله: يردونكم، ومن سببية، أي يكون الرد من تلقائهم وبإغوائهم وتزيينهم. {من بعد ما تبين لهم الحق}: تتعلق من هذه بقوله: ود، أي ودادتهم كفركم للحسد المنعبث من عند أنفسهم. وتلك الودادة ابتدأت من زمان وضوح الحق وتبينه لهم، فليسوا من أهل الغباوة الذين قد يغرب عليهم وضوح الحق، بل ذلك على سبيل الحسد والعناد. وهذا يدل على أن الكفر يكون عناداً. ألا ترى إلى ظاهر قوله: {من بعد ما تبين لهم الحق}؟ قال ابن عطية: واختلف أهل السنة في جواز ذلك. والصحيح عندي جوازه عقلاً، وبعده وقوعاً، ويترتب في كل آية تقتضيه أن المعرفة تسلب من ثاني حال من العناد. انتهى كلامه، والألف واللام في الحق، إما للعهد، ويراد به الإيمان، ويدل عليه جريانه قبل هذا، أو الألف واللام للاستغراق، أي من بعد ما اتضحت لهم وجوه الحق وأنواعه..

{فاعفوا واصفحوا}، قال ابن عباس: هي منسوخة بقوله: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } [التوبة: 29]. وقيل: بقوله: { فاقتلوا المشركين } [التوبة: 5]، وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان للتوقيف على مدته. {حتى يأتي الله بأمره}: غياً العفو والصفح بهذه الغاية، وهذه موادعة إلى أن أتى أمر الله بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بالجزية، وغير ذلك مما أتى من أحكام الشرع فيهم وترك العفو والصفح. وقال الكلبي: هو إسلام بعض واصطلام بعض. وقيل: آجال بني آدم. وقيل: القيامة، وقيل: المجازاة يوم القيامة. وقيل: قوة الرسالة وكثرة الأمة، والجمهور على أنه الأمر بالقتال. وعن الباقر: أنه لم يؤمر بقتال حتى نزل أُذن للذين يقاتلون، والأمر بالعفو والصفح هو أن لا يقاتلوا وأن يعرض عن جوابهم فيكون أدعى لتسكين الثائرة وإطفاء الفتنة وإسلام بعضهم، لا أنه يكون ذلك على وجه الرضا، لأن ذلك كفر. {إن الله على كل شيء قدير}: مر تفسير هذه الآية، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار، ووعد للمؤمنين بالنصر والتمكين. ألا ترى أنه أمر بالموادعة بالعفو والصفح، وغيا ذلك إلى أن يأتي الله بأمره، ثم أخبر بأنه قادر على كل شيء؟.

{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}: لما أمر بالعفو والصفح، أمر بالمواظبة على عمودي الإسلام: العبادة البدنية، والعبادة المالية، إذ الصلاة فيها مناجاة الله تعالى والتلذذ بالوقوف بين يديه، والزكاة فيها الإحسان إلى الخلق بالإيثار على النفس، فأمروا بالوقوف بين يدي الحق وبالإحسان إلى الخلق. قال الطبري: إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة ليحط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود: راعنا، لأن ذلك نهي عن نوعه، ثم أمر المؤمنون بما يحطه. انتهى كلامه. وليس له ذلك الظهور.

{وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله}: لما قدم الأمر بالصلاة والزكاة أتى بهذه الجملة الشرطية عامة لجميع أنواع الخير، فيندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما. والقول في إعراب ما ومن خير، كالقول في إعراب: ما ننسخ من آية، من أنهم قالوا: يجوز أن تكون ما مفعولة، ومن خير: حال أو مصدر، ومن خير: مفعول، أو مفعولة، ومن خير: تمييز أو مفعولة، ومن خير، تبعيضية متعلقة بمحذوف وهو الذي اخترناه. لأنفسكم: متعلق بتقدموا، وهو على حذف مضاف، أي لنجاة أنفسكم وحياتها، قال تعالى: { يقول يا ليتني قدمت لحياتي } [الفجر: 24]. وقد فسر الخير هنا بالزكاة والصدقة، والأظهر العموم تجدوه جواب الشرط، والهاء عائدة على ما، والخيور المتقدمة هي أفعال منقضية. ونفس ذلك المنقضي لا يوجد، فإنما ذلك على حذف مضاف، أي تجدوا ثوابه. فجعل وجوب ما ترتب على وجوداً له، وتجدوه متعد إلى واحد، لأنه بمعنى الإصابة. والعامل في قوله: {عند الله}، إما نفس الفعل، أو محذوف، فيكون في معنى الحال من الضمير، أي تجدوه مدّخراً ومعدًّا عند الله. والظرفية هنا المكاتبة ممتنعة، وإنما هي مجاز بمعنى القبل، كما تقول لك: عندي يد، أي في قبلي، أو بمعنى في علم الله نحو: { وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة } [الحج: 47]، أي في علمه وقضائه، أو بمعنى الاختصاص بالإضافة إلى الله تعالى تعظيماً كقوله: { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته } [الأعراف: 206].

{إن الله بما تعملون بصير}: المجيء بالإسم الظاهر يدل على استقلال الجمل، فلذلك جاء إن الله، ولم يجىء إنه، مع إمكان ذلك في الكلام. وهذه جملة خبرية ظاهرة التناسب في ختم ما قبلها بها، تتضمن الوعد والوعيد. وكنى بقوله: بصير عن علم المشاهد، أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيعه، ومن كان مبصراً لفعلك، لم يخف عليه، هل هو خير أو شر، وأتى بلفظ بصير دون مبصراً، إما لأنه من بصر، فهو يدل على التمكن والسجية في حق الإنسان، أو لأنه فعل للمبالغة بمعنى مفعل، الذي هو للتكثير. ويحتمل أن يكون فعيل بمعنى مفعل، كالسميع بمعنى المسمع، قال بعض الصوفية: على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات، واثقاً بأن ما تقدمه من صدق المجاهدات ستزكو ثمرته في آخر الحالات، وأنشدوا:

سابق إلى الخير وبادر به فإنما خلفك ما تعلم
وقدم الخير فكل امرىء على الذي قدمه يقدم

{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}: سبب نزولها اختصام نصارى نجران ويهود المدينة، وتناظرهم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم. فقالت اليهود: {ليست النصارى على شيء}، وقالت النصارى: {ليست اليهود على شيء}، وكفروا بالتوراة وموسى، قاله ابن عباس. والضمير في وقالوا عائد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى،ولهم في القول، لن يدخل الجنة، لأن القول صدر من الجميع، باعتبار أن كل فريق منهما قال ذلك، لا أن كل فرد فرد قال ذلك حاكماً على أن حصر دخول الجنة على كل فرد فرد من اليهود والنصارى، ولذلك جاء في العطف بأو التي هي للتفصيل والتنويع، وأوضح ذلك العلم بمعاداة الفريقين، وتضليل بعضهم بعضاً، فامتنع أن يحكم كل فريق على الآخر بدخول الجنة، ونظيره في لف الضمير، وفي كون أو للتفصيل قوله: {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا}، إذ معلوم أن اليهودي لا يأمر بالنصرانية، ولا النصراني يأمر باليهودية، ولما كان دخول الجنة متأخراً، جاء النفي بلن المخلصة للاستقبال، ومن فاعلة بيدخل، وهو من الاستثناء المفرّغ، والمعنى: لن يدخل الجنة أحد إلا من. ويجوز أن تكون على مذهب الفراء بدلاً، أو يكون منصوباً على الاستثناء، إذ يجيز أن يراعى ذلك المحذوف، ويجعله هو الفاعل، ويحذفه، وهو لو كان ملفوظاً به لجاز البدل والنصب على الاستثناء، فكذلك إذا كان محذوفاً وحمل أولاً على لفظ من، فأفرد الضمير في كان، ثم حمل على المعنى، فجمع في خبر كان فقال: {هوداً أو نصارى}. وهود: جمع هائد، كعائد وعود. وتقدم مفرد النصارى ما هو أنصران أم نصرى. وفي جواز مثل هذين الحملين خلاف، أعني أن يكون الخبر غير فعل، بل صفة يفصل بين مذكرها ومؤنثها بالتاء نحو: من كان قائمين الزيدون، ومن كان قائمين الزيدان. فمذهب الكوفيين وكثير من البصريين جواز ذلك. وذهب قوم إلى المنع، وإليه ذهب أبو العباس، وهم محجوجون بثبوت ذلك في كلام العرب كهذه الآية، فإن هوداً في الأظهر جمع هائد، وهو من الصفات التي يفصل بينها وبن مؤنثها بالتاء، وكقول الشاعر:

وأيقـظ مـن كـان منكـم نيـامـا

فنيام: جمع نائم، وهو من الصفات التي يفصل بين مذكرها ومؤنثها بالتاء، وقدم هوداً على نصارى لتقدمها في الزمان. وقرأ أبي: إلا من كان يهودياً أو نصرانياً، فحمل الإسم والخبر معاً على اللفظ، وهو الإفراد والتذكير.

{تلك أمانيهم}: جملة من مبتدأ وخبر معترضة بين قولهم ذلك وطلب الدليل على صحة دعواهم. وتلك يشار بها إلى الواحدة المفردة، وإلى الجمع غير المسلم من المذكر والمؤنث، فحمله الزمخشري على الجمع قال: أشير بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردّوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم. انتهى كلامه. وما ذهب إليه في الوجه الأول ليس بظاهر، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء، فقد انفصلت وكملت واستقلت في النزول، فيبعد أن يشار إليها. وأما ما ذهب إليه في الوجه الثاني ففيه مجاز الحذف، وفيه قلب الوضع، إذ الأصل أن يكون تلك مبتدأ، وأمانيهم خبر. فقلب هو الوضع، إذ قال: أن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه. وفيه أنه متى كان الخبر مشبهاً به المبتدأ، فلا يجوز تقديمه، مثل: زيد زهير، نص على ذلك النحويون. فإن تقدم ما هو أصل في أن يشبه به، كان من عكس التشبيه ومن باب المبالغة، إذ جعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً كقولك: الأسد زيد شجاعة، والأظهر أن تلك إشارة إلى مقالتهم: {لن يدخل الجنة}، أي تلك المقالة أمانيهم، أي ليس ذلك عن تحقيق ولا دليل على من كتاب الله ولا من أخبار من رسول، وإنما ذلك على سبيل التمني. وإن كانوا هم حازمين بمقالتهم، لكنها لما لم تكن عن برهان، كانت أماني، والتمني يقع بالجائز والممتنع. فهذا من الممتنع، ولذلك أتى بلفظ الأماني، ولم يأت بلفظ مرجوّاتهم، لأن الرجاء يتعلق بالجائز، تقول: ليتني طائر، ولا يجوز، لعلني طائر، وإنما أفرد المبتدأ لفظاً، لأنه كناية عن المقالة، والمقالة مصدر يصلح للقليل والكثير، فأريد بها هنا الكثير باعتبار القائلين، ولذلك جمع الخير، فطابق من حيث المعنى في الجمعية. وقد تقدّم شرح الأماني في قوله: { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78]، فيحتمل أن يكون المعنى: تلك أكاذيبهم وأباطيلهم، أو تلك مختاراتهم وشهواتهم، أو تلك تلاواتهم.

{قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}: لما تقدم منهم الدعوى بأنه لن يدخل الجنة إلا من ذكروا، طولبوا بالدليل على صحة دعواهم. وفي هذا دليل على أن من ادعى نفياً أو إثباتاً، فلا بد له من الدليل. وتدل الآية على بطلان التقليد، وهو قبول الشيء بغير دليل. قال الزمخشري: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل. إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم، أي أوضحوا دعوتكم. وظاهر الآية أن متعلق الصدق هو دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة. وقيل: صادقين في إيمانكم. وقيل: في أمانيكم. وقيل معنى صادقين: صالحين كما زعمتم، وكل ما أضيف إلى الصلاح والخير أضيف إلى الصدق. تقول: رجل صدق، وصديق صدق، ودالة صدق، ومنه: { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: 119]. وقيل: معناه إن كنتم موقنين بما أخذ الله ميثاقه وعهوده، ومنه: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}.

{بلى}: رد لقولهم: {لن يدخل الجنة}، والكلام فيها كالكلام الذي تقدّم في قوله: { بلى من كسب سيئة } [البقرة: 81]، وقبل ذلك: { لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } [البقرة: 80]، وكلاهما فيه نفي وإيجاب، إلا أن ذلك استثناء مفرّغ من الأزمان، وهذا استثناء مفرّغ من الفاعلين. وأبعد من ذهب إلى أن بلى رد لما تضمن قوله: {قل هاتوا برهانكم} من النفي، لأن معناه لا برهان لكم على صدق دعواكم، فأثبت ببلى أن لمن أسلم وجهه برهاناً، وهذا ينبو عنه اللفظ.

{من أسلم وجهه لله}: الكلام في: من، كالكلام في: من، من قوله: {من كسب سيئة}، والأظهر أنها مبتدأة، وجوّزوا أن تكون فاعلة، أي يدخلها من أسلم، وإذا كانت مبتدأة، فلا يتعين أن تكون شرطية. فالجملة بعدها هي الخبر، وجواب الشرط {فله أجره}. وإذا كانت موصولة، فالجملة بعدها صلة لا موضع لها من الإعراب، والخبر هو ما دخلت عليه الفاء من الجملة الابتدائية، وإذا كانت من فاعلة فقوله: {فله أجره} جملة اسمية معطوفة على ذلك الفعل الرافع لمن. والوجه هنا يحتمل أن يراد به الجارحة خص بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء، أو لأنه فيه أكثر الحواس، أو لأنه عبر به عن الذات ومنه: { كل شيء هالك إلا وجهه } [القصص: 88]، ويحتمل أن يراد به الجهة، والمعنى: أخلص طريقته في الدين لله. وقال مقاتل: أخلص دينه. وقال ابن عباس: أخلص عمله لله. وقيل: قصده. وقيل: فوّض أمره إلى الله تعالى. وقيل: خضع وتواضع. وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضاً. وهذا نظير ما يقوله النحوي: الفاعل زيد من قولك، قام زيد، وآخر يقول: جعفر من خرج جعفر، وآخر يقول: عمرو من انطلق عمرو، وهذا أحسن ما يظن بالسلف رحمهم الله، فيما جاء عنهم من هذا النوع.

{وهو محسن}: جملة حالية، وهي مؤكدة من حيث المعنى، لأن من أسلم وجهه لله فهو محسن. وقد قيد الزمخشري الإحسان بالعمل؛ وجعل معنى قوله: {من أسلم وجهه لله}: من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، وهو محسن في عمله، فصارت الحال هنا مبينة، إذ من لا يشرك قسمان: محسن في عمله، وغير محسن، وذلك منه جنوح إلى مذهبه الاعتزالي من أن العمل لا بد منه، وأنه بهما يستوجب دخول الجنة، ولذلك فسر قوله: {فله أجره} الذي يستوجبه، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الإحسان الشرعي حين سئل عن ماهيته فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" . وقد فسر هنا الإحسان بالإخلاص، وفسر بالإيمان، وفسر بالقيام بالأوامر، والانتهاء عن المناهي.

{فله أجره عند ربه}: العامل في عند هو العامل في له، أي فأجره مستقر له عند ربه، ولما أحال أجره على الله أضاف الظرف إلى لفظه ربه، أي الناظر في مصالحة ومربيه ومدبر أحواله، ليكون ذلك أطمع له، فلذلك أتى بصفة الرب، ولم يأت بالضمير العائد على الله في الجملة قبله، ولا بالظاهر بلفظ الله. فلم يأت فله أجره عنده، لما ذكرناه، ولقلق الإتيان بهذه الضمائر، ولم يأت فله أجره عند الله، لما ذكرنا من المعنى الذي دل عليه لفظ الرب. {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}: جمع الضمير في قوله: {عليهم ولا هم يحزنون} حملاً على معنى من، وحمل أوّلاً على اللفظ في قوله: {من أسلم وجهه له وهو محسن فله أجره عند ربه}، وهذا هو الأفصح، وهو أن يبدأ أولاً بالحمل على اللفظ، ثم بالحمل على المعنى. وقد تقدم تفسير هذه الجملة. وقراءة ابن محيصن: فلا خوف، برفع الفاء من غير تنوين، باختلاف عنه. وقراءة الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب وغيرهم: فلا خوف، بالفتح من غير تنوين، وتوجيه ذلك، فأغنى عن إعادته هنا.

{وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء}، قيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى، فهذا من الإخبار عن الأمم السالفة، وتكون أل للجنس، ويكون في ذلك تقريع لمن بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفريقين، وتسلية له صلى الله عليه وسلم، إذ كذبوا بالرسل وبالكتب قبله. وقيل: المراد يهود المدينة ونصارى نجران، حيث تماروا عند الرسول وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوّة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوّة موسى. فتكون حكاية حال، وأل للعهد، أو المراد بذلك رجلان: رجل من اليهود، يقال له نافع بن حرملة، قال لنصارى نجران: لستم على شيء، وقال رجل من نصارى نجران لليهود: لستم على شيء، فيكون قد نسب ذلك للجميع، حيث وقع من بعضهم، كما يقال: قتل بنو تميم فلاناً، وإنما قتله واحد منهم، وذلك على سبيل المجاز والتوسع، ونسبة الحكم الصادر من الواحد إلى الجمع. وهو طريق معروف عند العرب في كلامها، نثرها ونظمها. ولما جمعهم في المقالة الأولى، وهي: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}، فصلهم في هذه الآية، وبين قول كل فريق في الآخر. وعلى شيء: في موضع خبر ليس، ويحتمل أن يكون المعنى: على شيء يعتد به في الدين، فيكون من باب حذف الصفة، نظير قوله:

لقــد وقعــت علــى لحــم

أي لحم منيع، وأنه ليس من أهلك، أي من أهلك الناجين، لأنه معلوم أن كلاً منهم على شيء، أو يكون ذلك نفياً على سبيل المبالغة العظيمة، إذ جعل ما هما عليه، وإن كان شيئاً كلا شيء. هذا والشيء يطلق عند بعضهم على المعدوم والمستحيل، فإذا نفى إطلاق اسم الشيء على ما هم عليه، كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد به، وصار كقولهم أقل من لا شيء.

{وهم يتلون الكتاب}: جملة حالية، أي وهم عالمون بما في كتبهم، تالون له. وهذا نعي عليهم في مقالتهم تلك، إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وصحة نبوّتهما. وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، إذ كتب الله يصدق بعضها بعضاً. وفي هذا تنبيه لأمّة محمد صلى الله عليه وسلم في أن من كان عالماً بالقرآن، يكون واقفاً عنده، عاملاً بما فيه، قائلاً بما تضمنه، لا أن يخالف قوله ما هو شاهد على مخالفته منه، فيكون في ذلك كاليهود والنصارى. والكتاب هنا قيل: هو التوراة والإنجيل. وقيل: التوراة، لأن النصارى تمتثلها.

{كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم}: الذين لا يعلمون: هم مشركو العرب في قول الجمهور. وقيل: مشركو قريش. وقال عطاء: هم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى. وقال قوم: المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم: أي قال اليهود مثل قول النصارى، ونفى عنهم العلم حيث لم ينتفعوا به فجعلوا لا يعلمون. والظاهر القول الأول. وقال الزمخشري: أي مثل ذلك الذي سمعت على ذلك المنهاج. قال: الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب، كعبدة الأصنام، والمعطلة ونحوهم قالوا: لكل أهل دين ليسوا على شيء، وهو توبيخ عظيم لهم، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم. والظاهر أن الكاف من كذلك في محل نصب، إما على أنها نعت لمصدر محذوف تقديره: قولاً مثل ذلك القول، {قال الذين لا يعلمون}، أو على أنه منصوب على الحال من المصدر المعرفة المضمر الدال عليه قال، التقدير: مثل ذلك القول قاله، أي قال القول الذين لا يعلمون، وهذا على رأي سيبويه. وعلى الوجهين تنتصب الكاف بقال، وانتصب على هذين التقديرين مثل قولهم على البدل من موضع الكاف. وقيل: ينتصب مثل قولهم على أنه مفعول بيعلمون، أي الذين لا يعلمون مثل مقالة اليهود والنصارى، قالوا: مثل: مقالتهم، أي توافق الذين لا يعلمون مقالات النصارى، واليهود مع اليهود والنصارى في ذلك، أن من جهل قول اليهود والنصارى وافقهم في مثل ذلك القول. وجوّزوا أن تكون الكاف في موضع رفع بالابتداء، والجملة بعده خبر، والعائد محذوف تقديره: مثل ذلك قاله الذين. ولا يجوز لقال أن ينصب مثل قولهم نصب المفعول، لأن قال قد أخذ مفعوله، وهو الضمير المحذوف العائد على المبتدأ، فينتصب إذ ذاك مثل قولهم على أنه صفة لمصدر محذوف، أو على أنه مفعول ليعلمون، أي مثل قولهم يعني اليهود والنصارى. قال الذين لا يعلمون اعتقاد اليهود والنصارى. انتهى ما قالوه في هذا الوجه، وهو ضعيف لاستعمال الكاف اسماً، وذلك عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، مع أنه قد تؤوّل ما ورد من ذلك وأجاز ذلك، أعني أن تكون اسماً في الكلام، ويحذف الضمير العائد على المبتدأ المنصوب بالفعل، الذي لو قدر خلوه من ذلك الضمير لتسلط على الظاهر قبله فنصبه، وذلك نحو: زيد ضربته. نص أصحابنا على أن هذا الضمير لا يجوز حذفه إلا في الشعر، وأنشدوا:

وخالد يحمد ساداتنا بالحق لا يحمد بالباطل

أي: يحمده ساداتنا. وعن بعض الكوفيين في جواز حذف نحو: هذا الضمير تفصيل مذكور في النحو.

{فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}: أي يفصل، والفصل: الحكم، أو يريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً، قاله الزجاج، أو يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار، أو يثيب من كان على حق، ويعذب من كان على باطل. وكلها أقوال متقاربة. والظرفان والجار الأول معمولان ليحكم، وفيه متعلق بيختلفون.

وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة أشياء منها: افتتاحها بحسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة، بأن نهوا عن قول لفظ لإيهام مّا إلى لفظ أنص في المقصود، وأصرح في المطلوب. ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه. ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير. ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع. ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله. وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره. ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه. فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له. ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج. ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد. ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.

ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة. ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم. ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها. ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص. ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى. ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة. كما أخبر تعالى عنهم بقوله: { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً } [العنكبوت: 25]. ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.