التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ
١٠
أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١
وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ
١٢
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ
١٣
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
١٤
-سبأ

البحر المحيط

مناسبة قصة داود وسليمان، عليهما السلام، لما قبلها، هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته عندهم، فأخبروا بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره، إذ طفحت ببعضه أخبارهم وشعراؤهم على ما يأتي ذكره، إن شاء الله، من تأويب الجبال والطير مع داود، وإلانة الحديد، وهو الجرم المستعصي، وتسخير الريح لسليمان، وإسالة النحاس له، كما ألان الحديد لأبيه، وتسخير الجن فيما شاء من الأعمال الشاقة.

وقيل: لما ذكر من ينيب من عباده، ذكر من جملتهم داود، كما قال: { { فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب } } [ص: 24]، وبين ما آتاه الله على إنابته فقال: {ولقد آتينا داود منا فضلاً}، وقيل: ذكر نعمته على داود وسليمان، عليهما السلام، احتجاجاً على ما منح محمداً صلى الله عليه وسلم: أي لا تستبعدوا هذا، فقد تفضلنا على عبيدنا قديماً بكذا وكذا. فلما فرغ التمثيل لمحمد، عليه السلام، رجع التمثيل لهم بسبأ، وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو. انتهى. والفضل الذي أوتي داود: الزبور، والعدل في القضاء، والثقة بالله، وتسخير الجبال، والطير، وتليين الحديد، أقوال. {يا جبال}: هو إضمار القول، إما مصدر، أي قولنا {يا جبال}، فيكون بدلاً من {فضلاً}، وأما فعلاً، أي قلنا، فيكون بدلاً من {آتينا}، وإما على الاستئناف، أي قلنا {يا جبال}، وجعل الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا، إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته، ودلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية، حيث نادى الجبال وأمرها. وقرأ الجمهور: {أوّبي}، مضاعف آب يؤب، ومعناه: سبحي معه، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد. وقال مؤرج، وأبو ميسرة: أوبي: سبحي، بلغة الحبشة، أي يسبح هو وترجع هي معه التسبيح، أي تردد بالذكر، وضعف الفعل للمبالغة، قاله ابن عطية. ويظهر أن التضعيف للتعدية، فليس للمبالغة، إذ أصله آب، وهو لازم بمعنى: رجع اللازم فعدى بالتضعيف، إذ شرحوه بقولهم: رجعي معه التسبيح.

قال الزمخشري: ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يخلق فيها تسبيحاً، كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح، معجزة لداود. قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. انتهى. وقوله: كما خلق الكلام في الشجرة، يعني أن الذي يسمع موسى هو مما خلقه الله في الشجرة من الكلام، لا أنه كلام الله حقيقة، وهو مذهب المعتزلة. وأما قوله: تساعده الجبال على نوحه بأصدائها فليس بشيء، لأن الصدى ليس بصوت الجبال حقيقة، والله تعالى نادى الجبال وأمرها بأن تؤوب معه، والصدى لا تؤمر الجبال بأن تفعله، إذ ليس فعلاً لها، وإنما هو من آثار صوت المتكلم على ما يقوم عليه البرهان. وقال الحسن: معنى {أوبي معه}: سيري معه أين سار، والتأويب: سير النهار. كان الإنسان يسير الليل ثم يرجع للسير بالنهار، أي يردده، وقال تميم بن مقبل:

لحقنا بحي أوبوا السير بعدما رفعنا شعاع الشمس والطرف تجنح

وقال آخر:

يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الاعداء تأويب

وقيل: أوّبي: تصرفي معه على ما يتصرف فيه. فكان إذا قرأ الزبور، صوتت الجبال معه وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقرأ ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن أبي إسحاق: أوبي، أمر من أوب: أي رجعي معه في التسبيح، أو في السير، على القولين. فأمر الجبال كأمر الواحدة المؤنثة، لأن جمع ما لا يعقل يجوز فيه ذلك، ومنه: يا خيل الله اركبي، ومنه: يا رب أخرى، وقد جاء ذلك في جميع ما يعقل من المؤنث، قال الشاعر:

تركنا الخيل والنعم المفدى وقلنا للنساء بها أقيمي

لكن هذا قليل. وقرأ الجمهور: {والطير}، بالنصب عطفاً على موضع {يا جبال}. قال سيبويه: وقال أبو عمرو: بإضمار فعل تقديره: وسخرنا له الطير. وقال الكسائي: عطفاً على {فضلاً}، أي وتسبيح الطير. وقال الزجاج: نصبه على أنه مفعول معه. انتهى، وهذا لا يجوز، لأن قبله معه، ولا يقتضي الفعل اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف، فكما لا يجوز: جاء زيد مع عمرو مع زينب إلا بالعطف، كذلك هذا. وقرأ السلمي، وابن هرمز، وأبو يحيـى، وأبو نوفل، ويعقوب، وابن أبي عبلة، وجماعة من أهل المدينة، وعاصم في رواية: والطير، بالرفع، عطفاً على لفظ {يا جبال}؛ وقيل: عطفاً على الضمير في {أوبي}، وسوغ ذلك الفصل بالظرف؛ وقيل: رفعاً بالابتداء، والخبر محذوف، أي والطير تؤوّب. وإلانة الحديد، قال ابن عباس وقتادة: صار كالشمع. وقال الحسن: كالعجين، وكان يعمله من غير نار. وقال السدي: كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء من غير نار ولا ضرب مطرقة. وقيل: أعطي قوة يلين بها الحديد. وقال مقاتل: وكان يفرغ من الدرع في بعض يوم أو في بعض ليلة ثمنها ألف درهم، وكان داود يتنكر فيسأل الناس عن حاله، فعرض له ملك في صورة إنسان فسأله، فقال: نعم العبد لولا خلة فيه، فقال: وما هي؟ فقال: يرتزق من بيت المال، ولو أكل من عمل يده تمت فضائله، فدعا الله أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه، فعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فأثرى، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين. وأن في {أن اعمل} مصدرية، وهي على إسقاط حرف الجر، أي ألناه لعمل {سابغات}. وأجاز الحوفي وغيره أن تكون مفسرة، ولا يصح، لأن من شرطها أن يتقدمها معنى القول، وأن ليس فيه معنى القول. وقدر بعضهم قبلها فعلاً محذوفاً حتى يصح أن تكون مفسرة، وتقديره: وأمرناه أن اعمل، أي اعمل، ولا ضرورة تدعو إلى هذا المحذوف. وقرىء: صابغات، بالصاد بدلاً من السين، وتقدم أنها لغة في قوله: { وأسبغ عليكم نعمه } [لقمان: 20]. {وقدر في السرد}، قال ابن زيد: هو في قدر الحلقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف، فلا يقوى الدرع على الدفاع، ولا كبيرة فينال لابسها من خلالها. وقال ابن عباس: هو في المسمار، لا يرق فينكسر، ولا يغلظ فيفصم، بالفاء وبالقاف. وقال قتادة: إن الدروع كانت قبل صفائح كانت ثقالاً، وهو أول من صنع الدرع حلقاً. والظاهر أن الأمر في قوله: {اعملوا آل داود} لآل داود، وإن لم يجر لهم ذكر. ويجوز أن يكون أمراً لداود شرفه الله بأن خاطبه خطاب الجمع.

{ولسليمان الريح}، قال الحسن: عقر سليمان الخيل على ما فوتته من صلاة العصر، فأبدله الله خيراً منها، وأسرع الريح تجري بأمره. وقرأ الجمهور: الريح بالنصب، أي ولسليمان سخرنا الريح؛ وأبو بكر: بالرفع على الابتداء، والخبر في المجرور، ويكون الريح على حذف مضاف، أي تسخير الريح، أو على إضمار الخبر، أي الريح مسخرة. وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وخالد بن الياس: الرياح، بالرفع جمعاً. وقال قتادة: كانت تقطع في الغدو إلى قرب الزوال مسيرة شهر، وفي الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر. وقال الحسن: فخرج من مستقره بالشام يريد تدمر التي بنتها الجن بالصفاح والعمد، فيقيل في أصطخر ويروح منها فيبيت في كابل من أرض خراسان. والغدو ليس الشهر هو على حذف مضاف، أي جري غدوها، أي جريها في الغدو مسيرة شهر، وجري رواحها، أي جريها في الرواح مسيرة شهر. وأخبر هنا في الغدو عن الرواح بالزمان وهو شهر، ويعني شهراً واحداً كاملاً، ونصب شهر جائز، ولكنه لم يقرأ به فيما أعلم. وقرأ ابن أبي عبلة: غدوتها وروحتها على وزن فعلة، وهي المرة الواحدة من غدا وراح. وقال وهب: كان مستقر سليمان، عليه السلام، بتدمر، وكانت الجن قد بنتها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأشقر، وفيه يقول النابغة:

ألا سليمان قد قال الإله له قم في البرية فاصددها عن العمد
وجيش الجن إني قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفاح والعمد

ووجدت أبياتاً منقورة في صخرة بأرض يشكر شاهدة لبعض أصحاب سليمان، عليه السلام، وهي:

ونحن ولا حول سوى حول ربنانروح من الأوطان من أرض تدمر
إذا نحن رحنا كان ريث رواحنامسيرة شهر والغدو لآخر
أناس أعز الله طوعاً نفوسهمبنصر ابن داود النبي المطهر
لهم في معاني الدين فضل ورفعة وإن نسبوا يوماً فمن خير معشر
وإن ركبوا الريح المطيعة أسرعتمبادرة عن يسرها لم تقصر
تظلهم طير صفوف عليهم متى رفرفت من فوقهم لم تنشر

انتهى ما حكى وهب. {وأسلنا له عين القطر}: الظاهر أنه جعله له في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء، دلالة على نبوته. قال قتادة: يستعملها فيما يريد. وعن ابن عباس ومجاهد والسدي: أجريت له ثلاثة أيام بلياليهن، وكانت بأرض اليمن. قال مجاهد: سالت من صنعاء، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله، وكان لا يذوب. وقالت فرقة: المعنى أذبنا له النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود، عليه السلام. قالوا: وكانت الأعمال تتأتى منه، وهو بارد دون نار، وعين بمعنى الذات. وقالوا: لم يكن أولاً ذاب لأحد قبله. وقال الزمخشري: أراد بها معدن النحاس نبعاً له، كما ألان الحديد لداود، فنبع كما ينبع الماء من العين، فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال: { { إني أراني أعصر خمراً } } [يوسف: 36]. انتهى ويحتمل {من يعمل} أن يكون في موضع نصب، أي وسخرنا من الجن من يعمل، وأن يكون في موضع رفع على الابتداء، وخبره في الجار والمجرور قبله {بإذن ربه} لقوله: {ومن يزغ منهم عن أمرنا}. وقرأ الجمهور: يزغ مضارع زاغ، أي ومن يعدل عن أمرنا الذي أمرناه به من طاعة سليمان. وقرىء: يزغ بضم الياء من أزاغ: أي ومن يمل ويصرف نفسه عن أمرنا. {وعذاب السعير}: عذاب الآخرة، قاله ابن عباس. وقال السدي: كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجني. ولبعض الباطنية، أو من يشبههم، تحريف في هذه الجمل. إن تسبيح الجبال هو نوع قوله: { { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } } [الإسراء: 44]، وإن تسخير الريح هو أنه راض الخيل وهي كالريح، وإن {غدوها شهر} يكون فرسخاً، لأن من يخرج للتفرج لا يسير في غالب الأمر أشد من فرسخ. وإلانة الحديد وإسالة القطر هو استخراج ذوبهما بالنار واستعمال الآلات منهما.

{ومن الجن}: هم ناس من بني آدم أقوياء شبهوا بهم في قواهم، وهذا تأويل فاسد وخروج بالجملة عما يقوله أهل التفسير في الآية، وتعجيز للقدرة الإلهية، نعوذ بالله من ذلك. والمحاريب، قال مجاهد: المشاهد، سميت باسم بعضها تجوزاً. وقال ابن عطية: القصور. وقال قتادة: كليهما. وقال ابن زيد: مساكن. وقيل: ما يصعد اليه بالدرج، كالغرف. والتماثيل: الصور، وكانت لغير الحيوان. وقال الضحاك: كانت تماثيل حيوان، وكان عملها جائزاً في ذلك الشرع. وقال الزمخشري: هي صور الملائكة والنبيين، والصالحين، كانت تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام، ليراها الناس، فيعبدوا نحو عبادتهم، وهذا مما يجوز أن يختلف فيه الشرائع، لأنه ليس من مقبحات الفعل، كالظلم والكذب. وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرماً، أو صوراً محذوفة الرؤوس. انتهى، وفيه بعض حذف. وقيل: التماثيل طلسمات، فيعمل تمثالاً للتمساح، أو للذباب، أو للبعوض، ويأمر أن لا يتجاوز ذلك الممثل به ما دام ذلك التمثال والتصوير حرام في شريعتنا. وقد ورد تشديد الوعيد على المصورين، ولبعض العلماء استثناء في شيء منها. وفي حديث سهل بن حنيف: "لعن الله المصورين" ، ولم يستثن عليه الصلاة والسلام. وحكى مكي في الهداية أن قوماً أجازوا التصوير، وحكاه النحاس عن قوم واحتجوا بقوله: {وتماثيل}، قاله ابن عطية، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه. وقرىء: {كالجواب} بلا ياء، وهو الأصل، اجتزاء بالكسرة، واجراء الألف واللام مجرى ما عاقبها، وهو التنوين، وكما يحذف مع التنوين يحذف مع ما عاقبه، وهو أل. و{الراسيات}: الثابتات على الأثافي، فلا تنقل ولا تحمل لعظمها. وقدمت المحاريب على التماثيل، لأن النقوش تكون في الأبنية. وقدم الجفان على القدور، لأن القدور آلة الطبخ، والجفان آلة الأكل، والطبخ قبل الأكل، لما بين الأبنية الملكية. وأراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور، وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيها، والقدور لا تكون فيها ولا تحضر هناك، ولهذا قال: {راسيات}. ولما بين حال الجفان، سرى الذهن إلى عظمة ما يطبخ فيه، فذكر القدور للمناسبة، وذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب لاحتياجه إلى قتال الأعداء، وفي حق سليمان المحاريب والتماثيل، لأنه كان ملكاً ابن ملك، قد وطد له أبوه الملك، فكانت حاله حالة سلم، إذ لم يكن أحد يقدر على محاربته.

وقال عقب: {أن اعمل سابغات}، و{اعملوا صالحاً}، وعقب ما يعمله الجن: {إعملوا آل داود شكراً}، إشارة إلى أن الإنسان لا يستغرق في الدنيا ولا يلتفت إلى زخارفها، وأنه يجب أن يعمل صالحاً، {إعملوا آل داود}. وقيل: مفعول إعملوا محذوف، أي اعملوا الطاعات وواظبوا عليها شكراً لربكم على ما أنعم به عليكم، فقيل: انتصب شكراً على الحال، وقيل: مفعول من أجله، وقيل: مفعول له باعملوا، أي اعملوا عملاً هو الشكر، كالصلاة والصيام والعبادات كلها في أنفسها هي الشكر إذا سدت مسده، وقيل: على المصدر لتضمينه اعملوا اشكروا بالعمل لله شكراً. روي أن مصلى آل داود لم يخل قط من قائم يصلي ليلاً ونهاراً، وكانوا يتناوبونه. وكان سليمان، عليه السلام، يأكل الشعير، ويطعم أهله الخشكار، والمساكين الدرمك، وما شبع قط، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف إن شبعت أن أنس الجياع. و{الشكور}: صيغة مبالغة، وأريد به الجنس. قال ابن عباس: الشكور: من يشكر على أحواله كلها. وقال السدي: من يشكر على الشكر. وقيل: من يرى عجزه عن الشكر، وهذه الجملة تحتمل أن تكون خطاباً لآل داود، وهو الظاهر، وأن تكون خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها تنبيه وتحريض على الشكر.

{فلما قضينا عليه الموت}: أي أنفذنا عليه ما قضينا عليه في الأزل من الموت، وأخرجناه إلى حيز الوجود. وجواب لما النفي الموجب، وهذا يدل على أن لما حرف لا ظرف، خلافاً لمن زعم ذلك، لأنه لو كان ظرفاً لكان الجواب هو العامل وما دخلت عليه، وهي نافية، ولا يعمل ما قبلها فيما بعدها، وقد مضى لنا نظير هذا في يوسف في قوله: { { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء } } [يوسف: 68]. فالضمير في {دلهم} عائد على الجن الذين كانوا يعملون له، وكان سليمان قد أمر الجن ببناء صرح له، فبنوه له. ودخله مختلياً ليصفو له يوم من الدهر من الكدر، فدخل عليه شاب فقال له: كيف دخلت عليّ بغير إذن؟ فقال: إنما دخلت بإذن، قال: ومن أذن لك؟ قال: رب هذا الصرح. فعلم أنه ملك الموت أتى بقبض روحه، فقال: سبحان الله، هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفا، فقال له: طلبت ما لم يخلق، فاستوثق من الاتكاء على العصا، فقبض روحه، وبقيت الجن تعمل على عادتها. وكان سليمان قصد تعمية موته، لأنه كان بقي من تمام بناء المسجد عمل سنة، فسأل الله تمامها على يد الإنس والجن، وكان يخلو بنفسه الشهرين والثلاثة، فكانوا يقولون: إنه يتحنث. وقيل: إن ملك الموت أعلمه أنه بقي من حياته ساعة، فدعا الشياطين فبنوا له الصرح، وقام يصلي متكئاً على عصاه، فقبض روحه وهو متكىء عليها. وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه، فلا ينظر أحد منهم إليه في صلاته إلا احترق، فمر واحد منهم فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فنظر فإذا هو قد خر ميتاً، وكأن عمره ثلاثاً وخمسين سنة. ملك بعد موت أبيه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان أبوه قد أسس بنيان المسجد موضع بساط موسى، فمات قبل أن يتمه، ووصى به ابنه، فأمر الشياطين بإتمامه، ومات قبل تمامه.

و{دابة الأرض تأكل}: هي سوسة الخشب، وهي الأرضة. وقيل: ليست سوسة الخشب، لأن السوسة ليست من دواب الأرض، بل هذه حيوان من الأرض شأنه أن يأكل الخشب، وذلك موجود. وقالت فرقة، منها أبو حاتم: الأرض هنا مصدر أرضت الأبواب، والخشب أكلتها الأرضة فكأنه قال: دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة. وإذا كان الأرض مصدراً، كان فعله أرضت الدابة الخشب تأرضه أرضاً فأرض بكسر الراء نحو: جدعت أنفه فجدع. ويقال: إنه مصدر لفعل مفتوح العين، قراءة ابن عباس. والعباس بن الفضل: الأرض بفتح الراء، لأن مصدر فعل المطاوع لفعل يكون على فعل نحو: جدع أنفه جدعاً وأكلت الأسنان أكلاً، مطاوع أكلت. وقيل: الأرض بفتح الراء جمع أرضه، وهو من إضافة العام إلى الخاص، لأن الدابة أعم من الأرض. وقراءة الجمهور: بسكون الراء، فالمتبادر أنها الأرض المعروفة، وتقدم أنها مصدر لأرضت الدابة الخشب. وتأكل: حال، أي أكلت منسأته، وهي حال مصاحبة. وتقدم أن المنسأة هي العصا، وكانت فيما روي من خرنوب، وذلك أنه كان يتعبد في بيت المقدس، فتنبت له في محرابه كل سنة شجرة تخبره بمنافعها فيأمر فتقلع، ويتصرف في منافعها، وتغرس لتتناسل. فلما قرب موته، نبتت شجرة وسألها فقالت: أنا الخرنوب، خرجت لخراب ملكك، فعرف أنه حضر أجله، فاستعد واتخذ منها عصاً واستدعى بزاد سنة، والجن تتوهم أنه يتغذى بالليل. وروي أن سليمان كان في قبة، وأوصى بعض أهله بكتمان موته عن الإنس والجن سنة ليتم البناء الذي بدىء في زمن داود، فلما مضى لموته سنة، خر عن العصا ونظر إلى مقدار ما تأكله الأرضة يوماً وقيس عليه، فعلم أنها أكلت العصا منه سنة. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وجماعة: منساته بألف، وأصله منسأته، أبدلت الهمزة ألفاً بدلاً غير قياسي. وقال أبو عمرو: أنا لا أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقاً، فإن كانت مما لا تهمز، فقد احتطت، وإن كانت تهمز، فقد يجوز لي ترك الهمزة فيما يهمز. وقرأ ابن ذكوان وجماعة، منهم بكار والوليدان بن عتبة وابن مسلم: منسأته، بهمزة ساكنة، وهو من تسكين التحريك تخفيفاً، وليس بقياس. وضعف النحاة هذه القراءة، لأنه يلزم فيها أن يكون ما قبل التأنيث ساكناً غير الفاء. وقيل: قياسها التخفيف بين بين، والراوي لم يضبط، وأنشد هارون بن موسى الأخفش الدمشقي شاهداً على سكون هذه القراءة قول الراجز:

صريع خمر قام من وكأته كقومة الشيخ إلى منسأته

وقرأ باقي السبعة بالهمز مفتوحة، وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً، وعلى وزن مفعالة: منساءة. وقرأت فرقة، منهم عمر بن ثابت، عن ابن جبير: مفصولة حرف جر وسأته بجر التاء، قيل: ومعناه من عصاه، يقال لها: ساة القوس وسيتها معاً، وهي يدها العليا والسفلى، سميت العصا ساة القوس على الاستعارة، ولا سيما إن صح النقل أنه اتخذها من شجر الخروب قبل موته، فيكون حين اتكأ عليها، وهي كما قطعت من شجرة خضراء، قد اعوجت حتى صارت كالقوس. ألا ترى أنك إذا اتكأت على غصن أخضر كيف يعوج حتى يكاد يلتقي طرفاه؟ فيها لغتان: ساة وسية، كما يقال: قحة وقحاة، والمحذوف من ساة وسية.

{فلما خر}: أي سقط عن العصا ميتاً، والظاهر أن الضمير في خر عائد على سليمان. وقيل: إن لم يمت إلى أن وجد في سفر مضطجعاً، ولكنه كان في بيت مبني عليه، وأكلت الأرضة عتبة الباب حتى خر الباب، فعلم موته. وقال ابن عباس: مات في متعبده على فراشه، وقد أغلق الباب على نفسه فأكلت الأرضة المنسأة، أي عتبة الباب، فلما خر، أي الباب. انتهى، وهذا فيه ضعف، لأنه لو كانت المنسأة هي العتبة، وعاد الضمير عليها، لكان التركيب: فلما خرت، بتاء التأنيث، ولا يجيء حذف مثل هذه التاء إلا في ضرورة الشعر، ولا يكون من ذكر المعنى على معنى العود لأنه قليل. وقرأ الجمهور: تبينت، مبنياً للفاعل، فاحتمل أن يكون من تبين بمعنى بان، أي ظهرت الجن، والجن فاعل، وإن وما بعدها بدل من الجن. كما تقول: تبين زيد جهله، أي ظهر جهل زيد، فالمعنى: ظهر للناس جهل الجن علم الغيب، وأن ما ادعوه من ذلك ليس بصحيح. واحتمل أن يكون من تبين بمعنى علم وأدرك، والجن هنا خدم الجن، وضعفتهم {أن لو كانوا}: أي لو كان رؤساؤهم وكبراؤهم يعلمون الغيب، قاله قتادة. وقال الزمخشري: أو علم المدعون علم الغيب منهم عجزهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم، وإنما أريد بهم التهكم كما يتهكم بمدعي الباطل إذا دحضت حجته وظهر إبطاله، كقولك: هل تبينت أنك مبطل وأنت لا تعلم أنه لم يزل لذلك متبيناً؟ انتهى. ويجىء تبين بمعنى بان وظهر لازماً، وبمعنى علم متعدياً موجود في كلام العرب. قال الشاعر:

تبين لي أن القماءة ذلة وأن أعزاء الرجال طيالها

وقال آخر:

أفاطم إني ميت فتبيني ولا تجزعي على الأنام بموت

أي: فتبيني ذلك، أي اعلميه. وقال ابن عطية: ذهب سيبويه إلى أن أن لا موضع لها من الإعراب، إنما هي موزونة، نحو: إن ما ينزل القسم من الفعل الذي معناه التحقيق واليقين، لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت وعلمت ونحوها تحل محل القسم. فما لبثوا: جواب القسم، لا جواب لو. وعلى الأقوال، الأول جواب لو. وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه يقرأ: {تبينت الجن}، بنصب الجن، أي تبينت الإنس الجن، والمعنى: أن الجن لو كانت تعلم الغيب ما خفي عليها موته، أي موت سليمان. وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة والضعة وهو ميت. وقرأ ابن عباس، فيما ذكر ابن خالويه ويعقوب بخلاف عنه: تبينت مبنياً للمفعول؛ وعن ابن عباس، وابن مسعود، وأبيّ، وعلي بن الحسن، والضحاك قراءة في هذا الموضع مخالفة لسواد المصحف ولما روي عنهم، ذكرها المفسرون، أضرب عن ذكرها صفحاً على عادتنا في ترك نقل الشاذ الذي يخالف للسواد مخالفة كثيرة.