التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٧
يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
٨
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
٩
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
١٠
يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١١
-المائدة

البحر المحيط

{واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} الخطاب للمؤمنين، والنعمة هنا الإسلام، وما صاروا إليه من اجتماع الكلمة والعزة. والميثاق: هو ما أخذه الرسول عليهم في بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وكل موطن قاله: ابن عباس، والسدي، وجماعة. وقال مجاهد: هو ما أخذ على النسم حين استخرجوا من ظهر آدم. وقيل: هو الميثاق المأخوذ عليهم حين بايعهم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر، والمنشط والمكره. وقيل: الميثاق هو الدلائل التي نصبها لأعينهم وركبها في عقولهم، والمعجزات التي أظهرها في أيامهم حتى سمعوا وأطاعوا. وقيل: الميثاق إقرار كل مؤمن بما ائتمر به. وروي عن ابن عباس: أنه الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبكل ما فيها، ومن جملته البشارة بالرسول صلى الله عليه وسلم، فلزمهم الإقرار به. ولا يتأتى هذا القول إلا أن يكون الخطاب لليهود، وفيه بعد. والقولان بعده يكون الميثاق فيهما مجاز، والأجود حمله على ميثاق البيعة، إذ هو حقيقة فيه، وفي قوله: إذا قلتم سمعنا وأطعنا.

{واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور} أي: واتقوا الله ولا تتناسوا نعمته، ولا تنقضوا ميثاقه. وتقدم شرح شبه هذه الجملة في النساء فأغنى عن إعادته.

{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا} تقدم تفسير مثل هذه الجملة الأولى في النساء، إلا أنّ هناك بدىء بالقسط، وهنا أخر. وهذا من التوسع في الكلام والتفنن في الفصاحة. ويلزم مَن كان قائماً لله أن يكون شاهداً بالقسط، ومن كان قائماً بالقسط أن يكون قائماً لله، إلا أنَّ التي في النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين، فبدىء فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والإحن، فبدىء فيها بالقيام لله تعالى أولاً لأنه أردع للمؤمنين، ثم أردف بالشهادة بالعدل فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدىء فيه بما هو آكد وهو القسط، وفي معرض العداوة والشنآن بدىء فيها بالقيام لله، فناسب كل معرض بما جيء به إليه. وأيضاً فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله: { { ولن تستطيعوا أن تعدلوا } } [النساء: 129] وقوله: { { فلا جناح عليهما أن يصالحا } } [النساء: 128] فناسب ذكر تقديم القسط، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط، وتعدية يجرمنكم بعلى إلا أن يضمن معنى ما يتعدى بها، وهو خلاف الأصل.

{اعدلوا هو أقرب للتقوى} أي: العدل نهاهم أولاً أن تحملهم الضغائن على ترك العدل ثم أمرهم ثانياً تأكيداً، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله: هو أقرب للتقوى، أي: أدخل في مناسبتها، أو أقرب لكونه لطفاً فيها. وفي الآية تنبيه على مراعاة حق المؤمنين في العدل، إذ كان تعالى قد أمر بالعدل مع الكافرين.

{واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} لما كان الشنآن محله القلب وهو الحامل على ترك العدل أمر بالتقوى، وأتى بصفة خبير ومعناها عليم، ولكنها تختص بما لطف إدراكه، فناسب هذه الصفة أن ينبه بها على الصفة القلبية.

{وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم} لما ذكر تعالى أوامر ونواهي ذكر وعده من اتبع أوامره واجتنب نواهيه، ووعد تتعدى لأنين، والثاني محذوف تقديره: الجنة، وقد صرح بها في غير هذا الموضع. والجملة من قوله: لهم مغفرة، مفسرة لذلك المحذوف تفسير السبب للمسبب، لأن الجنة مترتبة على الغفران وحصول الأجر. وإذا كانت الجملة مفسرة فلا موضع لها من الإعراب، والكلام قبلها تامْ وجعل الزمخشري قوله: لهم مغفرة وأجر عظيم، بياناً للوعد قال: كأنه قال: قدم لهم وعداً فقيل: أي شيء وعده؟ فقال لهم: مغفرة وأجر عظيم. أو يكون على إرادة القول وعدهم وقال لهم: مغفرة، أو على إجراء وعد مجرى قال: لأنه ضرب من القول، أو يجعل وعد واقعاً على الجملة التي هي مغفرة، كما رفع تركنا على قوله: { { سلام على نوح في العالمين } } [الصافات: 79] كأنه قيل: وعدهم هذا القول، وإذا وعدهم مَن لا يخلف الميعاد فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم، وهذا القول يتلقونه عند الموت ويوم القيامة، فيسرون ويستريحون إليه، وتهون عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى التراب انتهى. وهي تقادير محتملة، والأول أوجهها. {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} لما ذكر ما لمن آمن، ذكر ما لمن كفر. وفي المؤمنين جاءت الجملة فعلية متضمنة الوعد بالماضي الذي هو دليل على الوقوع، فأنفسهم متشوقة لما وعدوا به، متشوفة إلفيه مبتهجة طول الحياة بهذا الوعد الصادق. وفي الكافرين جاءت الجملة إسمية دالة على ثبوت هذا الحكم لهم، وأنهم أصحاب النار، فهم دائمون في عذابٍ، إذْ حتم لهم أنهم أصحاب الجحيم، ولم يأت بصورة الوعيد، فكان يكون الرجاء لهم في ذلك.{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} روى أبو صالح عن ابن عباس: أنها نزلت من أجل كفار قريش، وقد تقدم ذكرهم في قوله: { { لا يجرمنكم شنآن قوم } } [المائدة: 8] وبه قال مقاتل، وقال الحسن: بعثت قريش رجلاً ليقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، فأطلعه الله على ذلك. وقال مجاهد وقتادة: إنه عليه السلام ذهب إلى يهود بني النضير يستعينهم في دية فهموا بقتله. وقال جماعة من المفسرين: أتى بني قريظة ومعه أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ حسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم اجلسْ حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفة وهموا بالقتل به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده، ونزل جبريل عليه السلام فأخبره فخرج. وقيل: نزل منزلاً في غزوة ذات الرقاع بني محارب بن حفصة بن قيس بن غيلان، وتفرق الناس في العضاة يستظلون بها، فعلق الرسول سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي فسلّ سيف الرسول صلى الله عليه وسلم واسمه غورث، وقيل: دعثور بن الحرث، ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟ قال: »الله قالها ثلاثاً« وقال: أتخافني؟ قال: لا، فشام السيف وحبس. وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه. قيل: أسلم. وقيل: ضرب برأسه ساق الشجرة حتى مات. وروي أن المشركين رأوا المسلمين قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً بعسفان في غزوة ذي انمار، فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إن لهم صلاة بعدها هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي صلاة العصر، وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف. وقد طوّلوا بذكر أسباب أخر. وملخص ما ذكروه أنّ قريشاً، أو بني النضير، أو قريظة، أو غورثا، هموا بالقتل بالرسول، أو المشركين هموا بالقتل بالمسلمين، أو نزلت في معنى { { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } } [المائدة: 3] قاله الزجاج، أو عقيب الخندق حين هزم الله الأحزاب { { وكفى الله المؤمنين القتال } } [الأحزاب: 25] والذي تقتضيه الآية أنّ الله تعالى ذكر المؤمنين بنعمه إذ أراد قوم من الكفار لم يعينهم الله بل أبهمهم أن ينالوا المسلمين بشر، فمنعهم الله، ثم أمرهم بالتقوى والتوكل عليه. ويقال: بسط إليه لسانه أي شتمه، وبسط إليه يده مدها ليبطش به. وقال تعالى: { { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } } [الممتحنة: 2] ويقال: فلان بسيط الباع، ومد يد الباع، بمعنى. وكف الأيدي منعها وحبسها. وجاء الأمر بالتقوى أمر مواجهة مناسباً لقوله اذكروا. وجاء الأمر بالتوكل أمر غائب لأجل الفاصلة، وإشعاراً بالغلبة، وإفادة لعموم وصف الإيمان، أي: لأجل تصديقه بالله ورسوله يؤمر بالتوكل كل مؤمن، ولابتداء الآية بمؤمنين على جهة الاختصاص وختمها بمؤمنين على جهة التقريب.