التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ
١
قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً
٢
نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً
٣
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً
٤
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً
٥
إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً
٦
إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً
٧
وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً
٨
رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً
٩
وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً
١٠
وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً
١١
إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً
١٢
وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً
١٣
يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً
١٤
إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً
١٥
فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
-المزمل

البحر المحيط

{يا أيها المزمل} قالت عائشة والنخعي وجماعة: ونودي بذلك لأنه كان في وقت نزول الآية متزملاً بكساء. وقال قتادة: كان تزمل في ثيابه للصلاة واستعد. فنودي على معنى: يا أيها المستعد للعبادة. وقال عكرمة: معناه المزمل للنبوة وأعبائها، أي المشمر المجد، فعلى هذا يكون التزمل مجازاً، وعلى ما سبق يكون حقيقة. وما رووا أن عائشة رضي الله عنها سئلت: ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً، نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه عليه، إلى آخر الرواية؛ كذب صراح، لأن نزول {يا أيها المزمل} بمكة في أوائل مبعثة، وتزويجه عائشة كان بالمدينة.

ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أن في آخر ما قبلها { عالم الغيب } [الجن: 26] الآيات، فأتبعه بقوله: {يا أيها المزمل}، إعلاماً بأنه صلى الله عليه وسلم ممن ارتضاه من الرسل وخصه بخصائص وكفاه شر أعدائه.

وقرأ الجمهور: {المزمل}، بشد الزاي وكسر الميم، أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي. وقرأ أبي: المتزمل على الأصل؛ وعكرمة: بتخفيف الزاي. أي المزمل جسمه أو نفسه. وقرأ بعض السلف: بتخفيف الزاي وفتح الميم، أي الذي لف. وللزمخشري في كيفية نداء الله له بهذا الوصف كلام ضربت عن ذكره صفحاً، فلم أذكره في كتابي. وقال السهيلي: ليس المزمل باسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب تترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ كرم الله وجهه وقد نام ولصق بجنبه التراب: "قم أبا تراب" ، إشعاراً بأنه ملاطف له، فقوله: {يا أيها المزمل} فيه تأنيس وملاطفة.

وقرأ الجمهور: {قم الليل}، بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين؛ وأبو السمال: بضمها اتباعا للحركة من القاف. وقرىء: بفتحها طلباً للتخفيف. قال ابن جني: الغرض بالحركة الهروب من التقاء الساكنين، فبأي حركة تحرك الحرف حصل الغرض، وقم طلب. فقال الجمهور: هو على جهة الندب، وقيل: كان فرضاً على الرسول خاصة، وقيل: عليه وعلى الجميع. قال قتادة: ودام عاماً أو عامين. وقالت عائشة: ثمانية أشهر، ثم رحمهم الله فنزلت: {إن ربك يعلم} الآيات، فخفف عنهم {قم الليل إلا قليلاً}. بين الاستثناء أن القيام المأمور به يستغرق جميع الليل، ولذلك صح الاستثناء منه، إذ لو كان غير مستغرق، لم يصح الاستثناء منه، واستغراق جميعه بالقيام على الدوام غير ممكن، لذلك استثى منه لراحة الجسد؛ وهذا عند البصريين منصوب على الظرف، وإن استغرقه الفعل؛ وهو عند الكوفيين مفعول به. وفي قوله: {إلا قليلاً} دليل على أن المستثنى قد يكون مبهم المقدار، كقوله: { ما فعلوه إلا قليل منهم } [النساء: 66] في قراءة من نصب { ثم توليتم إلا قليلاً منكم } [البقرة: 83].

قال وهب بن منبه: القليل ما دون المعشار والسدس. وقال الكلبي ومقاتل: الثلث. وقيل: ما دون النصف، وجوزوا في نصفه أن يكون بدلاً من الليل ومن قليلاً. فإذا كان بدلاً من الليل، كان الاستثناء منه، وكان المأمور بقيامه نصف الليل إلا قليلاً منه. والضمير في منه وعليه عائد على النصف، فيصير المعنى: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص من نصف الليل قليلاً، أو زد على نصف الليل، فيكون قوله: أو انقص من نصف الليل قليلاً، تكراراً لقوله: إلا قليلاً من نصف الليل، وذلك تركيب غير فصيح ينزه القرآن عنه. قال الزمخشري: نصفه بدل من الليل، وإلا قليلاً استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل. والضمير في منه وعليه للنصف، والمعنى: التخيير بين أمرين، بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما النقصان من النصف والزيادة عليه. انتهى. فلم يتنبه للتكرار الذي يلزمه في هذا القول، لأنه على تقديره: قم أقل من نصف الليل كان قوله، أو انقص من نصف الليل تكراراً. وإذا كان {نصفه} بدلاً من قوله: {إلا قليلاً}، فالضمير في نصفه إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه وهو الليل، لا جائز أن يعود على المبدل منه، لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى البتة. وإن عاد الضمير على الليل، فلا فائدة في الاستثناء من الليل، إذ كان يكون أخصر وأوضح وأبعد عن الإلباس أن يكون التركيب قم الليل نصفه. وقد أبطلنا قول من قال: إلا قليلاً استثناء من البدل وهو نصفه، وأن التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف. وأيضاً ففي دعوى أن نصفه بدل من إلا قليًلا، والضمير في نصفه عائد على الليل، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، أو زد عليه النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصح، وليس المراد من الآية قطعاً.

وقال الزمخشري: وإن شئت جعلت نصفه بدلاً من قليلاً، وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه؛ وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل. وإن شئت قلت: لما كان معنى {قم الليل إلا قليلاً نصفه}: إذا أبدلت النصف من الليل، قم أقل من نصف الليل، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، وقم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث، ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلاً وفسرته به أن تجعل قليلاً الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل، أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه. ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف والثلث والربع. انتهى. وما أوسع خيال هذا الرجل، فإنه يجوز ما يقرب وما يبعد، والقرآن لا ينبغي، بل لا يجوز أن يحمل إلا على أحسن الوجوه التي تأتي في كلام العرب، كما ذكرناه في خطبة هذا الكتاب. وممن نص على جواز أن يكون نصفه بدلاً من الليل أو من قليلاً الزمخشري، كما ذكرنا عنه. وابن عطية أورده مورد الاحتمال، وأبو البقاء، وقال: أشبه بظاهر الآية أن يكون بدلاً من قليلاً، أو زد عليه، والهاء فيهما للنصف. فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً. والقليل المستثنى غير مقدر، فالنقصان منه لا يتحصل. انتهى. وأما الحوفي فأجاز أن يكون بدلاً من الليل، ولم يذكر غيره.

قال ابن عطية: وقد يحتمل عندي قوله: {إلا قليلاً} أنه استثناء من القيام، فيجعل الليل اسم جنس. ثم قال: {إلا قليلاً}، أي الليالي التي تخل بقيامها عند العذر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب. انتهى، وهذا خلاف الظاهر. وقيل: المعنى أو نصفه، كما تقول: أعطه درهماً درهمين ثلاثة، تريد: أو درهمين، أو ثلاثة. انتهى، وفيه حذف حرف العطف من غير دليل عليه. وقال التبريزي: الأمر بالقيام والتخيير في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاستثناء وارد على المأمور به، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلاً، ثم جعل نصفه بدلاً من قليلاً، فصار القليل مفسراً بالنصف من الثلثين، وهو قليل من الكل. فقوله: {أو نقص منه}: أي من المأمور به، وهو قيام الثلث، {قليلاً}: أي ما دون نصفه، {أو زد عليه}، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة والنقصان واقعاً على الثلثين. وقال أبو عبد الله الرازي: قد أكثر الناس في تفسيره هذه الآية، وعندي فيه وجهان ملخصان، وذكر كلاماً طويلاً ملفقاً يوقف عليه من كتابه. وتقدّم تفسير الترتيل في آخر الإسراء.

{قولاً ثقيلاً}: هو القرآن، وثقله بما اشتمل عليه من التكاليف الشاقة، كالجهاد ومداومة الأعمال الصالحة. قال الحسن: إن الهذ خفيف، ولكن العمل ثقيل. وقال أبو العالية: والقرطبي: ثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ووعيده. وقيل: ثقله ما كان يحل بجسمه صلى الله عليه وسلم حالة تلقيه الوحي، حتى كانت ناقته تبرك به ذلك الوقت، وحتى كادت رأسه الكريمة أن ترض فخذ زيد بن ثابت. وقيل: كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساني. قال ابن عباس: كلاماً عظيماً. وقيل: ثقيل في الميزان يوم القيامة، وهو إشارة إلى العمل به. وقيل: كناية عن بقائه على وجه الدهر، لأن الثقيل من شأنه أن يبقى في مكانه.

{إن ناشئة الليل}، قال ابن عمر وأنس ابن مالك وعليّ بن الحسين: هي ما بين المغرب والعشاء. وقالت عائشة ومجاهد: هي القيام بعد اليوم، ومن قام أول الليل قبل اليوم، فلم يقم ناشئة الليل. وقال ابن جبير وابن زيد: هي لفظة حبشية، نشأ الرجل: قام من الليل، فناشئة على هذا جمع ناشىء، أي قائم. وقال ابن جبير وابن زيد أيضاً وجماعة: ناشئة الليل: ساعاته، لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن وأبو مجلز: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة، وما كان قبلها فليس بناشئة. قال ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل، وقال هو وابن الزبير: الليل كله ناشئة. وقال الكسائي: ناشئة الليل أوله. وقال الزمخشري: ناشئة الليل: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي تنهض وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض. قال الشاعر:

نشأنا إلى خوص برى فيها السرى وألصق منها مشرفات القماحد

أو: قيام الليل، على أن الناشئة مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعله كالعاقبة. انتهى. وقرأ الجمهور: وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ممدوداً. وقرأ قتادة وشبل، عن أهل مكة: بكسر الواو وسكون الطاء والهمزة مقصورة. وقرأ ابن محيصن: بفتح الواو ممدوداً، والمعنى أنها أشد مواطأة، أي يواطىء القلب فيها اللسان، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. ومن قرأ {وطأ}: أي أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل، أو أثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار، كما جاء: «اللهم اشدد وطأتك على مضر». وقال الأخفش: أشد قياماً. وقال الفراء: أثبت قراءة وقياماً. وقال الكلبي: أشد نشاطاً للمصلي لأنه في زمان راحته. وقيل: أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت فراغ، فالعبادة تدوم. {وأقوم قيلاً}: أي أشد استقامة على الصواب، لأن الأصوات هادئة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول، لأنه زمان التفهم. وقال عكرمة: أتم نشاطاً وإخلاصاً وبركة. وحكى ابن شجرة: أعجل إجابة للدعاء. وقال زيد بن أسلم: أجدر أن يتفقه فيها القارىء. وقرأ الجمهور: {سبحاً}: أي تصرّفاً وتقلباً في المهمات، كما يتردّد السابح في الماء. قال الشاعر:

أباحوا لكم شرق البلاد وغربها ففيها لكم يا صاح سبح من السبح

وقيل: سبحاً سبحة، أي نافلة. وقرأ ابن يعمر وعكرمة وابن أبي عبلة: سبخاً بالخاء المنقوطة ومعناه: خفة من التكاليف، والتسبيخ: التخفيف، وهو استعارة من سبخ الصوف إذا نفشه ونشر أجزاءه، فمعناه: انتشار الهمة وتفرّق الخاطر بالشواغل. وقيل: فراغاً وسعة لنومك وتصرّفك في حوائجك. وقيل: المعنى إن فات حزب الليل بنوم أو عذر. فليخلف بالنهار، فإن فيه سبحاً طويلاً. قال صاحب اللوامح: وفسر ابن يعمر وعكرمة سبخاً بالخاء معجمة. وقال: نوماً، أي تنام بالنهار لتستعين به على قيام الليل. وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها، فلا يجاوز عنه. انتهى. وفي الحديث: "لا تسبخي بدعائك" ، أي لا تخففي. وقال الشاعر:

فسبخ عليك الهم واعلم بأنه إذا قدّر الرحمن شيئاً فكائن

وقال الأصمعي: يقال سبخ الله عنك الحمى، أي خففها. وقيل: السبخ: المد، يقال: سبخي قطنك: أي مديه، ويقال لقطع القطن سبائخ، الواحدة سبيخة، ومنه قول الأخطل:

فأرسلوهنّ يذرين التراب كما يذري سبائخ قطن ندف أوتار

{واذكر اسم ربك}: أي دم على ذكره، وهو يتناول كل ذكر من تسبيح وتهليل وغيرهما، وانتصب {تبتيلاً} على أنه مصدر على غير الصدر، وحسن ذلك كونه فاصلة. وقرأ الأخوان وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: رب بالخفض على البدل من ربك؛ وباقي السبعة: بالرفع؛ وزيد بن عليّ: بالنصب؛ والجمهور: المشرق والمغرب موحدين؛ وعبد الله وأصحابه وابن عباس: بجمعهما. وقال الزمخشري، وعن ابن عباس: على القسم، يعني: خفض رب بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: لا إله إلا هو، كما تقول: والله لا أحد في الدار إلا زيد. انتهى. ولعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، إذ فيه إضمار الجار في القسم، ولا يجوز عند البصريين إلا في لفظة الله، ولا يقاس عليه. ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فلا تنفي إلا بما وحدها، ولا تنفي بلا إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً وبماض في معناه قليلاً، نحو قول الشاعر:

ردوا فوالله لا زرناكم أبدا ما دام في مائنا ورد لورّاد

والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويز والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها بما نحو قوله:

لعمرك ما سعد بخلة آثم ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر

{فاتخذه وكيلاً}، لأن من انفرد بالألوهية لم يتخذ وكيلاً إلا هو. {واصبر}، {واهجرهم}: قيل منسوخ بآية السيف. {وذرني والمكذبين}: قيل نزلت في صناديد قريش، وقيل: في المطعمين يوم بدر، وتقدّمت أسماؤهم في سورة الأنفال، وتقدّم شرح مثل هذا في { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } [القلم: 44] {أولي النعمة}: أي غضارة العيش وكثرة المال والولد، والنعمة بالفتح: التنعم، وبالكسر: الأنعام وما ينعم به، وبالضم: المسرّة، يقال: نعم ونعمة عين. {ومهلهم قليلاً}: وعيد لهم بسرعة الانتقام منهم، والقليل: موافاة آجالهم. وقيل: وقعة بدر. {إن لدينا}: أي ما يضاد نعمتهم، {أنكالاً}: قيوداً في أرجلهم. قال الشعبي: لم تجعل في أرجلهم خوفاً من هروبهم، ولكن إذا أرادوا أن يرتفعوا استقلت بهم. وقال الكلبي: الأنكال: الأغلال، والأول أعرف في اللغة، ومنه قول الخنساء:

دعاك فقطعت أنكاله وقد كن قبلك لا تقطع

{وجحيماً}: ناراً شديدة الايقاد. {وطعاماً ذا غصة}، قال ابن عباس: شوك من نار يعترض في حلوقهم، لا يخرج ولا ينزل. وقال مجاهد وغيره: شجرة الزقوم. وقيل: الضريع وشجرة الزقوم. {يوم} منصوب بالعامل في الدنيا، وقيل: بذرني، {ترجف}: تضطرب. وقرأ الجمهور: {ترجف} بفتح التاء مبنياً للفاعل؛ وزيد بن علي: بضمها مبنياً للمفعول، {كثيباً}: أي رملاً مجتمعاً، {مهيلاً}: أي رخواً ليناً. قيل: ويقال: مهيل ومهيول، وكيل ومكيول، ومدين ومديون، الإتمام في ذوات الياء لغة تميم، والحذف لأكثر العرب.

ولما هدد المكذبين بأهوال القيامة، ذكرهم بحال فرعون وكيف أخذه الله تعالى، إذ كذب موسى عليه السلام، وأنه إن دام تكذيبهم أهلكهم الله تعالى فقال: {إنا أرسلنا إليكم}، والخطاب عام للأسود والأحمر. وقيل: لأهل مكة، {رسولاً شاهداً عليكم}، كما قال: { وجئنا بك شهيداً على هـٰؤلآء } [النحل: 89] وشبه إرساله إلى أهل مكة بإرسال موسى إلى فرعون على التعيين، لأن كلاً منهما ربا في قومه واستحقروا بهما، وكان عندهم علم بما جرى من غرق فرعون، فناسب أن يشبه الإرسال بالإرسال. وقيل: الرسول بلام التعريف، لأنه تقدم ذكره فأحيل عليه. كما تقول: لقيت رجلاً فضربت الرجل، لأن المضروب هو الملقى، والوبيل: الرديء العقبى، من قولهم: كلأ وبيل: أي وخيم لا يستمرأ لثقله، أي لا ينزل في المريء.