التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٢٤٩
-البقرة

التفسير

قوله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ...}.
أضمر ابن عطية هنا الجواب فقال: التقدير، فاتفق بنو اسرائيل على أن طالوت ملك وأذعنوا وتهيّؤوا لغزوهم عدوهم فلما فصل طالوت بالجنود (تعنتوا).
قال ابن عرفة: ترك (إضماره) سبب الجواب وحقه إن كان يضمر شيئين: الجواب وسبب الجواب، ويقول: التقدير فلما أتاهم بآية ملكه وفصل بالجنود تعنتوا.
قال ابن عرفة: وعطفه بالفاء لأنه سبب ظاهر كما تقول: جاء الغيم فلما نزل المطر كان كذا، وتقول أيضا: قام زيد ولما نزل المطر قعد فهذا ليس بسبب.
قال ابن عرفة: وإنما قال: "بِالجُنُودِ" ولم يقل: بجنوده لما اقتضت الآية من أن أكثرهم تعنتوا عليه وخرجوا عن طاعته فليسوا بجنوده، وإنما قال: "مُبْتَلِيكُمْ" فعبر بالاسم دون الفعل تحقيقا لوقوع ذلك في نفس الأمر وثبوته في علم الله تعالى أزلا، وأنه لا بد منه.
وعلمه بذلك، إما بالوحي أو بإخبار من النبي.
قوله تعالى: {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي...}.
فسره الشيخ الزمشخري: بالكرع مع أنه ينفي فيه المفهوم لأن الشرب منه يكون كرعا ويكون بإناء تملأ منه أو باليد.
وقوله "فَلَيْسَ مِنِّي" فسره إن أراد نفيه حقيقة عنه فيكون مجازا لأنه معلوم أنه ليس منه، فعبر بنفيه عنه نفيه عن ملته، وإن أراد نفيه عن اتباعه أي فليس من اتباعي وجندي فيكون على إضمار مضاف فيتعارض المجاز والإضمار.
قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ}.
قال ابن عرفة: أكد الثّاني (بإن)، ولم يقل في الأول "فمن شرب منه فإنه ليس منّي"؟ قال: والجواب بأنه إنّما لم يؤكد الأول لأن سببه أكثر (في) الوقوع، وأكد الثاني لأن سببه أقل في الوقوع فأكده حضا على المبادرة إلى امتثال سببه والعمل بمقتضاه.
قال: واحتج به بعضهم على أنّ الماء طعام وهو قول ابن نافع نقله ابن يونس في كتاب السلم الثالث.
وكان القاضي أبو عبد الله بن عبد السلام يحكي لنا عن الفقيه القاضي أبي القاسم/ بن علي بن البراء أن رجلا سأله وهو راكب على بغلته عمن حلف بالله لا يتناول طعاما؟ فقال له: لا يأكل ولا يشرب الماء لأنه طعام واحتجّ بهذه الآية.
ورده ابن عرفة بوجهين:
الأول منهما: أن الآية اقتضت ذلك لغة، وأما الشرع فلا يسميه طعاما.
الثاني: أنه نفى في الأول الشرب وفي الثاني الطعمية، والطعمية أوائل الشرب، ولذلك ذكروا في الصيام أن الصّائم اذا استطعم الماء وبصقه فإنه لا يفسد صومه، فلما تعلق النفي بأوائل الشرب قال: "فَإِنَّهُ مِنِّي"، فأكد نسبته إليه بـ (إنّ) أي من اتّصف بكمال البعد عنه فهو موصوف بكمال القرب مني وبقي الواسطة مسكوتا عنه وهو الذي شرب بالإناء على تفسير الزمخشري فإما أن ذنبه أقل من ذنب من كرع أو مُسَاوٍ.
قال ابن عرفة: وَ (لَمْ) هنا بمعنى (لما).
قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ...}.
قال أبو حيان: يستثني من الجملة (الأولى وهي) {فَمَن شَرِبَ}. زاد أبو البقاء أو مِنْ "مَنْ" الثانية وهي {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ}. وتعقب بأنّه لو كان من "مَن" الثانية للزم أن يكون من اغترف غرفة واحدة بيده ليس منه (مع أنّه أبيحت لهم الغرفة) الواحدة باليد لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.
قال ابن عرفة: هذا لا يتعين بل يحتمل عندي استثناؤه من الجملتين فعلى أنّه مستثنى من الأولى يكون المراد نفيه عن الدخول في حكم ليس منِّي أي هو (منه) وعلى أنّه مستثنى من قوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} يكون (النَّاس) على ثلاثة أقسام: شارب بفيه فليس منه، وشارب منه بيده وهذا يقال فيه (هو) منه فقط، ومن لم يشرب منه شيئا يقال فيه: إنَّه منه مجاله أبلغ، فاستثناؤه من الأخص أي إلا من اغترف غرفة بيده فليس محكوما عليه بأنّه "منّي" أي ليس متصفا بكمال القرب مني.
قيل لابن عرفة: يلزمك أن يكون ليس منّي قدرا مشتركا بين الحرام والمباح؟
فقال: لم نخرجه (منه) وإنّما أخرجتهم، من قوله: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} فإذا خرج من هذا كان منفيا عنه أي يكون منه (وقد) قال: أول الآية {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}. فيتعين أنّ النفي هنا (نفي) أخص باعتبار ترك الأمر المستحب بفعل الأمر المباح، فالمستحب ترك الشرب، والمباح الشرب باليد، والحرام الكرع فيه بالفم.
قال ابن عرفة: وغرفة بالضم والفتح، فالفتح هو الماء والضم الفعل.
(قال ابن عرفة): وعلى أنها الفعل يكون المفعول مقدرا أي إلا من اغترف غرفة ماء.
قال (ابن عرفة): وفائدة التأكيد بالمصدر على هذا تحقيقا للرخصة في ذلك الفعل وتأكيدَ (إباحتها) خشية أن يتوهم قصر ذلك على أدنى شيء من الماء المأخوذ باليد فأكده تنبيها على إباحتة الغرفة الواحدة بكمالها.
قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ ٱللَّهِ}.
قال ابن عرفة: إن أريد الملاقاة بالإطلاق فهي بمعنى العلم وإن أريد الملاقاة حينئذ فالظن على بابه لأن الإنسان لا علم له بزمن موته.
قال (ابن عرفة): وعبر عنهم بهذا إشارة إلى ما قاله بعضهم في رسالة: "من أحب الممات حيي ومن أحب الحياة مات".
قوله تعالى: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ}.
قال ابن عرفة: قال ابن عطية: إذنُ الله هنا تمكينه وعلمه بمجموع ذلك الإذن.
(ابن عرفة: كذا يقول في كل موضع) والصواب أنّ معناه بقدرة الله وفضله وإرادته.
قال ابن عرفة: وهذا إما أن بعضهم قاله لبعض أو قالوه كلهم لأنفسهم (تشجيعا) لها وتوطينا على الصبر على القتال والهجوم عليه.
قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}.
قالوا: هذا إما من كلامهم أو من كلام الله تعالى.
ابن عرفة: (والصواب أنه من كلامهم لأن فيه تشجيعا لأنفسهم وحضا لها على المقاتلة وأما إن كان من قوله الله تعالى) خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم فهو بعد انفصال تلك القضية فلا مناسبة لها، انتهى.