التفاسير

< >
عرض

الۤـمۤ
١
تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٢
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
٣
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ
٤
يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ
٥
ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٦
ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ
٧
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ
٨
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
٩
وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ
١٠
قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
١١
وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
١٢
وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٣
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
١٥
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
١٦
فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٧
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ
١٨
أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٩
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢٠
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢١
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ
٢٢
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ
٢٣
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ
٢٤
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٢٥
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ
٢٦
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ
٢٧
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٢٨
قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٢٩
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ
٣٠
-السجدة

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {خلقه} بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء. وعلى الأول يكون وصفاً له {أئذا} {أئنا} كما في "الرعد" {ما أخفي} بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة. الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول {لما صبروا} بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس. الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم {أولم نهد} بالنون: يزيد عن يعقوب.
الوقوف: {الم} ه كوفي {العالمين} ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة {افتراه} ج لعطف الجملتين المختلفتين {يهتدون} ه {العرش} ط {شفيع} ه {تتذكرون} ه ط {تعدون} ه {الرحيم} ط {من طين} ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار {مهين} ه ج لذلك {والأفئدة} ط {تشكرون} ه {جديد} ه {كافرون} ه {ترجعون} ه {عند ربهم} ط لحق القول المحذوف {موقنون} ه {أجميعن} ه {هذا} ج للابتداء بان مع تكرار {وذوقوا} {تعملون} ه {لا يستكبرون} ه {وطمعاً} ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول {ينفقون} ه {أعين} ج لأن {جزاء} يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف {يعملون} ه {فاسقاً} ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار {لا يستوون} ه {المأوى} ز لمثل ما مر في {جزاء} {يعملون} ه {النار} ط {تكذبون} ه {يرجعون} ه {عنها} ط {منتقمون} ه {إسرائيل} ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية {صبروا} ط لمن شدد {يوقنون} ه {يختلفون} ه {مساكنهم} ط {لآيات} ط {يسمعون} ه {وأنفسهم} ط {يبصرون} ه {صادقين} ه {ينظرون} ه {منتظرون} ه.
التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن. وإعرابه قريب من قوله
{ الم ذلك الكتاب } [البقرة: 1 - 2] وميل جار الله إلى قوله {تنزيل الكتاب} مبتدأ خبره {من رب العالمين} ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في {فيه} راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده. ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم. فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.
سأل: إنه تصنيف اي شخص؟ ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته. ثم اضرب عما ذكر قائلاً {أم يقولون افتراه} وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر. ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك. ومعنى {لتنذر قوماً} قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله
{ وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال {الله} مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره. وقوله {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون} إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله سبحانه. ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال {يدبر الأمر} اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد {قليلاً ما تشكرون} أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ. ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً. أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي. ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا. وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟ فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج". وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور. وخصت السورة بقوله {ألف سنة} موافقة لما قبله وهو قوله {في ستة أيام} وتلك الأيام من جنس هذا اليوم. وخصت سورة المعارج بقوله { خمسين ألف سنة } [الآية: 4] لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها. وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.
وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه. ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال {ذلك عالم الغيب والشهادة} وفي قوله {العزيز الرحيم} إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر {الرحيم} مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله {الذي أحسن كل شيء خلقه} نظيره
{ الذي أعطى كل شيء خلقه } [طه: 50] وقد مر في "طه". وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله {ثم جعل نسله} أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله {من ماء} بدل من سلالة والمهين الحقير. ومعنى {سوَّاه} قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله {وجعل لكم} تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها. ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها. والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد {وقالوا أئذا} يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.
ومعنى {ضللنا في الأرض} غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها. والعامل في {أئذا} ما يدل عليه قوله {أئنا لفي خلق جديد} وهو نبعث أو يجدد خلقنا. ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة. ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده. ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله {ولو ترى} أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب {إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم} خجلاً وندامة قائلين {ربنا أبصرنا} ما كنا شاكين في وقوعه {وسمعنا} منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم. ثم إنه سبحانه ألزمهم وألجمهم بقوله {ولو شئنا} الآية. وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود". ثم أكد إهانتهم بقوله {فذوقوا} وانتصب {هذا} على أنه مفعول {فذوقوا} وقوله {لقاء} مفعول {نسيت} أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون {هذا} صفة {يومكم} ومفعول {ذوقوا} محذوف وهو العذاب و {لقاء} مفعول {نسيتم} او هو مفعول {فذوقوا} على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون {نسيتم} متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة. وقوله {إنا نسيناكم} من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره
{ نسوا الله فنسيهم } [التوبة: 67] وقوله {عذاب الخلد} من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق. أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له {خوفاً} من اليم عقابه {وطمعاً} في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وهو التهجد. قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" . عن علي رضي الله عنه:

جنبي تجافى عن الوســــاد خوفاً من النار والمعاد
من خاف من سكرة المنايا لم يدر ما لذة الرقــــاد
قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه لا بد للزرع من حصاد

عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.
و"ما" في قوله {ما أخفي} موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه. عن النبي صلى الله عليه وسلم
"يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت. قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله تعالى أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض. وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة. يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي. فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق. فأنزل الله تعالى فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة {افمن كان مؤمناً} إلى آخر ثلاث آيات أو أربع. ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله {لا يستوون} محمول على المعنى. ثم فصل عدم استوائهما بقوله {أما الذين آمنوا} {وأما الذين فسقوا} و {جنات المأوى} نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس. وقال بعضهم: هي عن يمين العرش. وفي لام التمليك في {لهم} مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار. فإنه يحمل على الإعارة وإنه تعالى قال لأبينا آدم { اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] لأنه كان في علمه أنه يخرج منها. وإنما قيل ههنا {عذاب النار الذي كنتم به} وفي "سبأ" { عذاب النار التي كنتم بها } [الآية: 42] لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب. وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه. ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة. وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.
وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد. ومعنى قوله {لعلهم يرجعون} والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله {إنا نسيناكم} أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله تعالى وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً. قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل. وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر. وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل. وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله {فارجعنا نعمل صالحاً} سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله
{ إذا قمتم إلى الصلاة } [المائدة: 6] ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.
ومعنى {ثم} أنه ذكر مرات ثم بالآخرة {أعرض عنها} والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق. وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول. قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله
{ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } [فصلت: 53] كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله. والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } } [الروم: 33] والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه. وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام. ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة. ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقال {ولقد آتينا موسى الكتاب} قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان. والضمير في {لقائه} للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله. واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله { وإنك لتلقى القرآن } [النمل: 6] وقيل: الضمير في {لقائه} لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول. والضمير في {جعلناه} للكتاب على أنه منزل على موسى.
واستدل به على أن الله تعالى جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل. ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به. وفيه أن الله تعالى سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر. ومثله إخبار النبي صلى الله عليه وسلم
"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله {وجعلنا منهم} كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال {إن ربك هو يفصل بينهم} الآية. وفيه إشارة إلى أنه سبحانه سيميز المحق في كل دين من المبطل. ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً {أولم يهد لهم} وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية {إن في ذلك لآيات} على الجمع ليناسب القرون والمساكن. وإنما قل {أفلا يسمعون} لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع. وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة. ومعنى {نسوق الماء} نسوق السحاب وفيه المطر {إلى الأرض الجرز} وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل. قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله {فنخرج به زرعاً} وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء. وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره. قال في "طه" { كلوا وارعوا أنعامكم } [الآية: 54] لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله {أفلا يبصرون} تأكيداً لقوله في أول الآية {أولم يروا} ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب. قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك. ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن. فإن قلت: كيف ينطلق قوله {قل يوم الفتح} الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟ فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا. ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } [الطور: 31].
التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري. اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي. الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي {تنزيل الكتاب} أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله {رب العالمين} لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا {افتراه}. خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك {ثم استوى على العرش} الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة {فلا تتذكرون} كيف خلقكم في أطوار مختلفة {يدبر الأمر} من سماء الروح إلى ارض النفس البدن {ثم يعرج إليه} النفس المخاطبة بخطاب
{ ارجعي إلى ربك } [الفجر: 28] في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق {كان مقداره} في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال صلى الله عليه وسلم "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" {وبدأ خلق الإنسان من طين} وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة {ثم جعل نسله من سلالة} سلها من أجناس عالم الشهادة. {ثم سوَّاه} شخص إنسان جديد المرآة {ونفخ فيه من روحه} فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله. ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة {ضللنا} في أرض البشرية {يتوفاكم ملك الموت} وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة { ارجعي } [الفجر: 28] {ناكسوا رؤسهم} بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق. {تتجافى جنوب} همتهم عن مضاجع الدارين {جنات المأوى} التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله {كنتم به تكذبون} لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات {العذاب الأدنى} إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران {فلا تك في مرية من لقائه} أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك. ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في {لقائه} لله. وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب {وجعلناهم أئمة} هم السر الخفي {إن ربك هو يفصل بينهم} الآية. لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها {فنخرج به زرعاً} من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب. ويقول المنكرون لهذه الطائفة {متى هذا الفتح} أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم {فأعرض عنهم} أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.