التفاسير

< >
عرض

وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
١٦٠
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٦١
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ
١٦٢
وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
١٦٣
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
١٦٤
فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
١٦٥
فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ
١٦٦
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٦٧
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
١٦٨
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٦٩
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ
١٧٠
وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧١
-الأعراف

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {تغفر} بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون: بالنون وكسر الفاء {خطاياكم} مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو {خطيئتكم} بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر {خطيئاتكم} بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث. {يسبتون} من الإسبات. زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل. الباقون: بالرفع {يئس} مثل رئم: أبو جعفر ونافع {بيِّس} على فعيل كسيد: ابن عامر {بيئس} على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي. الباقون {بئيس} على فعيل. {تأذن} بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف {تعقلون} بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص. الباقون بياء الغيبة {يمسكون} من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.
الوقوف: {أمماً} ط وإن اتفقت الجملتان لأن {أوحينا} عامل {إذا استسقاه} دون {قطعنا} فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء {الحجر} ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست {عيناً} ط {مشربهم} ط {والسلوى} ط {ما رزقناكم} ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم {وما ظلمونا} ط {يظلمون} ه {خطيئاتكم} ط {المحسنين} ه {يظلمون} ه {البحر} لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله {وأسألهم} فإنه محال {لا تأتيهم} ج لاحتمال تعلق {كذلك} به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت. والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على {كذلك} جائز أيضاً {يفسقون} ه {قوماً} {العذاب} ط {رحيم} ه {وأمماً} ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً {دون ذلك} ز للعطف على {قطعنا} فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض {يرجعون} ه {سيغفر لنا} ج {يأخذوه} ط {يتقون} ه {تعقلون} ه {الصلاة} ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون {ولا نضيع أجر المصلحين}، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين {واقع بهم} ط الحق المحذوف {تتقون} ه.
التفسير: إنه سبحانه ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم. ومعنى {قطعناهم} أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج. الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟ وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله:

بين رماحي مالك ونهشل ولهذا أنث اثنتي عشرة

وقال الزجاج: المميز محذوف و{أسباطاً} نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً. وقال الفارسي والجوهري: {أسباطاً} بدل من {اثنتي عشرة} والمميز كما قال الزجاج. وقوله {أمماً} بدل من {اثنتي عشرة} لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى. وباقي الآية إلى قوله {بما كانوا يظلمون} قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم. قوله تعالى {واسئلهم عن القرية} أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول صلى الله عليه وسلم من قبل الله تعالى، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أول مناكيرهم. وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟ وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً. والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية. ومعنى {حاضرة البحر} قريبة من البحر وعلى شاطئه {إذ يعدون في السبت} يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت. ومحل {إذ يعدون} مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم. قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله {إذ تأتيهم} منصوب بـ {يعدون} أو مجرور بدلاً بعد بدل. والحيتان جمع الحوت وهو السمكة {شرعاً} ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض. وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله تعالى به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن. قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله تعالى لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور. والنوع الثالث قوله {وإذ قالت} وهو معطوف على {إذ يعدون} وحكمه حكمه في الإعراب {أمة منهم} جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} مدمرهم {أو معذبهم عذاباً شديداً} لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح {قالوا معذرة} من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله. والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين {ولعلهم يتقون} ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت {فلما نسوا} يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس} ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد. والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله {فلما عتوا} تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً. وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله {فلما نسوا} والعذاب البئيس هو المسخ. عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة. هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر. وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟ فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم} بزعمكم. والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية. والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين {لم تعظون} أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا. بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء. وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى. وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولا نقول شيئاً. وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي. ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين. ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله تعالى أعلم بالسرائر. النوع الرابع: {وإذ تأذن ربك} هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله". فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه {ليبعثن} ومعناه التسليط كقوله { بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد } } [الإسراء: 5] واختلف في العائد في {عليهم} فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً. وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية. وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية. أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة. وقيل: الاستخفاف والإهانة. وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره. وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير. وإذ قد أخبر الله تعالى بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز. قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين. النوع الخامس: {وقطعناهم في الأرض أمماً} فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة {منهم الصالحون} الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين. وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به. {ومنهم دون ذلك} أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك {لعلهم يرجعون} يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد. ومحل {دون ذلك} رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا {وبلوناهم} عاملناهم معاملة المبتلى المختبر {بالحسنات} الخصب والعافية {والسيئات} بالجدب والشدائد {لعلهم يرجعون} لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب {فخلف من بعدهم خلف} ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم. فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء. قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم. قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب

والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ {ورثوا الكتاب} أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها {يأخذون عرض هذا الأدنى} أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها. يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر. وفي الإشارة بقوله {هذا الأدنى} تحقير وتخسيس. وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل. أو دنو الحال وسقوطها وقلتها. والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت {ويقولون سيغفر لنا} يؤاخذنا الله بما أخذنا. وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه {يأخذون}، {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب. وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.
ثم بين نكث عهدهم فقال {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} أي التوراة. ومحل {ألا يقولوا على الله إلا الحق} رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران. فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق. ويجوز أن يكون {ألا يقولوا} مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة {ولا يقولوا} نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟ {ودرسوا} عطف على {ألم يؤخذ} لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه. {والدار الآخرة خير} من ذلك العرض الخسيس {للذين يتقون} الرشا والمحرمات. ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراة أتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال {والذين يمسكون} الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين. النوع السادس: {وإذ نتقنا الجبل} قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً. والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه {فوقهم كأنه ظله} وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط {وظنوا أنه واقع بهم} علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم. وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا. روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ. وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم. فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه. {خذوا} على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا {ما آتيناكم} من الكتاب {بقوة} بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه {واذكروا ما فيه} من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله
{ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا } [الرحمن: 33] واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة {لعلكم تتقون} ما أنتم عليه من الإباء.
التأويل: {القرية التي كانت حاضرة البحر} هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً} لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات {بما كانوا يفسقون} أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء {وإذ قالت أمة منها} هي صفات القلب قالوا لصفات الروح {لم تعظون قوماً الله مهلكهم} بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات {أو معذبهم عذاباً شديداً} وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية {قالوا معذرة إلى ربكم} لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها {يتقون} فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك {بعذاب بئيس} وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي {ليبعثن عليهم} على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها {من يسومهم} وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة {سوء العذاب} عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان {وقطعناهم} فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد {منهم الصالحون} قابلون لفيض نور الله {ومنهم دون ذلك} في القبول {وبلوناهم بالحسنات} وهي الطاعات {والسيئات} وهي المعاصي {لعلهم يرجعون} إلى الحق. وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت. أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم {فخلف} من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء {ورثوا الكتاب} وهو ما ألهم الله تعالى الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات {ويقولون سيغفر لنا} مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب {وإذ نتقنا الجبل} فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن. وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله تعالى بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.