التفاسير

< >
عرض

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ
١
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ
٢
عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ
٣
تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً
٤
تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
٥
لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ
٦
لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ
٧
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ
٨
لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
٩
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
١٠
لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً
١١
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
١٢
فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ
١٣
وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ
١٤
وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ
١٥
وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
١٦
أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
١٧
وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ
١٨
وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
١٩
وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
٢٠
فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ
٢١
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
٢٢
إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ
٢٣
فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلْعَذَابَ ٱلأَكْبَرَ
٢٤
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ
٢٥
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
٢٦
-الغاشية

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراآت: {تصلى} بضم التاء من الإصلاء: أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر وحماد. الباقون: بالفتح {لا يسمع} بضم الياء التحتانية {لاغية} بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. وقرأ نافع بتاء التأنيث والرفع. الآخرون: بفتح تاء التأنيث أو الخطاب لكل سامع {لاغية} بانصب. {بمصيطر} بالصاد: أبو جعفر ونافع وعاصم وعلي وخلف. وقرأ حمزة في رواية بإشمام الزاي. الباقون: بالسين. {إيابهم} بالتشديد: يزيد.
الوقوف: {الغاشية} ه ط {خاشعة} ه {ناصبة} ه ك {حامية} ه ك {آنية} ه ط لتمام الأوصاف {ضريع} ه ط {جوع} ه ج للابتداء بعده {ناعمة} ه لا {راضية} ه لا {عالية} ه ج {لاغية} ه ط {جارية} ه م لئلا يتوهم أن ما بعدها صفة لعين فيكون في الحارية سرور ليس كذلك {مرفوعة} ه لا {موضوعة} ه لا {مصفوفة} ه لا {مبثوثة} ه ط {خلقت} ه {رفعت} ه ك {نصبت} ه ط {سطحت} ه وقد يوقف على الآيات الأربع لأجل مهلة النظر وإلا فلكل متسقة {مذكر} ه ط {بمصيطر} ه لا {وكفر} ه ك {الأكبر} ه ط {إيابهم} ه لا {حسابهم} ه.
التفسير: لما انجر الكلام في السورة المتقدّمة إلى ذكر الآخرة، شرح في هذه السورة بعض أحوال المكلفين فيها. والغاشية القيامة لأنها تغشى الناس بشدائدها، وكل ما أحاط بالشيء من جميع الجهات فهو غاشٍ له قال الله تعالى
{ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } [العنكبوت: 55] وقال { وتغشى وجوههم النار } [إبراهيم: 50] أي لم يأتك حديث هذه الداهية وقد أتاك الآن فاستمع. وقدّم وصف الأشقياء لأن مبنى السورة على التخويف كما ينبىء عنه لفظ الغاشية. والمراد بالوجه الذات ووجه حسن هذا المجاز أن الخشوع والانكسار والذل وأضدادها يتبين أكثرها في الوجه كقوله { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفيّ } [الشورى: 45] والعمل والنصب أي التعب. قيل: كلاهما في الآخرة وهو والأظهر لقوله {يومئذ} أي تعمل في النار عملاً تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال وخوضعها في النار خوض الدابة في الوحل وتردّدها في صعود من نار وحدور منها. قال الحسن: كان يجب عليها أن تعمل لله في الدنيا خاشعة ناصبة فلام قصر في ذلك وقع في مثله بعد المفارقة إلى أن يشاء الله ليكون معارضاً بنقيض مقصوده. وقيل: كلاهما في الدنيا وهم أصحاب الصوامع خشعت وجوههم لله وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة، لأن أعمالهم مبنية على غير أساس من الدين الحنيفي. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء فهي في نصب منها في الآخرة. ثم شرح مكانهم وهو النار الشديدة الحر، ومشروبهم وهو من عين آنية أي متناهية في الحرارة، ومطعومهم وهو الضريع. وإنما قدّم المشروب على الضريع المطعوم لأن الماء يناسب النار مناسبة الضدين أو الشبيهين من حيث بساطتهما، أو لأنهم إذا أثر فيهم حر النار غلب عليهم العطش وكان الماء عندهم أهم، ثم إذا أثرت فيهم الحرارتان أرادوا أن يدفعوا ألم الإحساس بها بما يزيد العذاب على البدن، هذا مع أن الواو ليست للترتيب. قال الحسن: لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وقد يروى عنه أيضاً أنه " فعيل " بمعنى " مفعل " كالأليم بمعنى المؤلم. والبديع بمعنى المبدع ومعناه إلا من طعام يحملهم على الضراعة والذل عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرارة. وعن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك. قال أبو الجوزاء: كيف يسمن من يأكل الشوك. وفي الخبر " الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأشدّ حراً من النار" قال العلماء: إن للنار دركات وأهلها على طبقات: فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد { لكل باب منهم جزء مقسوم } [الحجر: 44] ووجود النبت في النار ليس ببدع من قدرة الله كوجود بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها. قوله {لا يسمن ولا يغني من جوع} صفة للطعام أو للضريع، وفيه أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس لكن من جنس الشوك الذي ترعاه الإبل ما دام رطباً فإذا يبس نفرت عنه لأنه سم قاتل. ويحتمل أن يراد لا طعام لهم أصلاً لأن الضريع يبيس هذا الشوك والإبل تنفر عنه كما قلنا فهو كقوله " ليس لفلان ظل إلا الشمس " يريد نفي الظل على التوكيد. وروي أن كفار قريش قالوا على سبيل التعنت حين سمعوا الآية: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت {لا يسمن ولا يغني من جوع} أي ليس فيه منفعة الغذاء ولا الاسمان ودفع الجوع كذبهم الله في قولهم يسمن الضريع، أو نبههم الله بعد تسليم أن ضريعهم مسمن على أن ضريع النار ليس كذلك أي كل ما في النار يجب أن يكون خالياً عن النفع. ثم أخذ في وصف السعداء فقال {وجوه} وإنما فقد العاطف خلاف ما في سورة القيامة لأنه أراد ههنا تفصيل ما أجمل في قوله {هل أتاك حديث الغاشية} ومعنى ناعمة ذات نعومة أو تنعم. وقوله {لسعيها راضية} أي رضيت بما عملت في الدنيا وأثنت عليه نحو قولها " ما أحسن ما عملت " وذلك إذا رأت محلها ومنزلتها في الكرامة والثواب أو رضيت لجزاء سعيها حين رأت ما لا مزيد عليه. واللاغية اللغو مصدر كالعافية والباقية، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف أي كلمة ذات لغو. قوله {عين جارية} قال جار الله: يريد عيوناً في غاية الكثرة كقوله { علمت نفس } [الانفطار: 5] قال الكلبي: لا أدري جرت بماء أو غيره. قال القفال: عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما أرادوا. {مرفوعة} في الرتبة أو مرتفعة عن الأرض ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما آتاه الله من الخدم والملك، فإذا جاء وليّ الله ليجلس عليها تطأطأت له، فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث أراد الله. وقد وصفها ابن عباس بأن ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت. وقيل: مرفوعة أي مخبوءة لهم من رفع الشيء إذا خبأه. والأكواب الكيزان التي لا عرى لها كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم حاضرة أو موضوعة على حافات العيون ليشرب بها. وجوّز في الكشاف أن يراد موضوعة من حدّ الكبر إلى التوسط والاعتدال. والنمارق الوسائد واحدها نمرقة بضم النون. وروى الفراء بكسرها أيضاً {مصفوفة} بعضها بجنب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة وأسند إلى أخرى. والزرابيّ البسط العراض الفاخرة واحدها زربية بكسر الزاي، وقيل: هي الطنافس التي لها خمل رقيق. و {مبثوثة} أي مبسوطة أو مفرقة في المجلس. وحين ذكر أحوال المعاد عاد إلى الاستدلال على المبدأ فإن من عادة كتاب الله الكريم أنه يرجع إلى تذكير الأصول عوداً إلى بداية. وللمحققين في نسق الآية وفي تناسب هذه الأمور وجوه منها: قول أكثر أهل المعاني إن القرآن إنما نزل بلغة العرب فيجب أن يخاطبوا بحسب ما هو مركوز في خزانة خيالهم، ولا ريب أن جل هممهم مصروفة بشأن الإبل فمنها يأكلون ويشربون، ومن أصوافها وأوبارها ينتفعون، وعليها في متاجرهم ومسافراتهم يحملون، فحيث أراد الله سبحانه أن ينصب لهم دليلاً من مصنوعاته يمكنهم أن يستدلوا به على كمال حكمة الصانع ونهاية قدرته لم يكن شيء أحضر صورة في متخيلهم من الإبل فنصبها لهم. ولا ريب أنها من أعاجيب مصنوعات الله تعالى صورة وسيرة لما ركب فيها من التحمل على دوام السير مع كثرة الأثقال، ومن البروك حتى تحمل، ثم النهوض بما حملت، ومن الصبر على العطش، وعلى العلف القليل أياماً، ثم شرب الماء الكثير إذا وجدت، ومن تذللها لصبي أو ضعيف. قال الإمام فخر الدين الرازي: كنت مع جماعة في مفازةٍ فضللنا الطريق فقدّموا جملاً وتبعوه وكان ذلك الجمل يمشي ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب حتى وصل الطريق فتعجبنا من قوّة تخيله. وعن بعض أهل الفراسة أنه حدّث عن البعير وبديع خلقه في بروكه ثم نهوضه مثقلاً وقد نشأ في بلاد لا ابل بها ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وذلك أن طول العنق يسهل عليه النهوض. ثم إن أصحاب المواشي لاحتياجهم الشديد إلى الماء المستعقب للكلأ صار جل نظرهم إلى السماء التي منها ينزل المطر، ثم إلى الجبال التي هي أقرب إلى السماء وأسرع لوقوع المطر عليها وحفظ الثلج الذي منه مادة العيون والآبار عند إقلاع الأمطار على أنها مأمنهم ومسكنهم في الأغلب.

لنا جبل يحتله من نجيره منيع يرد الطرف وهو كليل

ثم إلى الأرض التي فيها ينبت العشب وعليها متقلبهم ومرعاهم، فثبت أن الآية كيف وردت منظمة حسب ما انتظم في خزانة خيال العرب بحسب الأغلب. ومنها أن جميع المخلوقات متساوية في دلالة التوحيد وذكر جميعها غير ممكن فكل طائفة منها تخص بالذكر. ورد هذا السؤال فوجب الحكم بسقوطه، ولعل في ذكر هذه الأشياء التي لا تناسب في الظاهر تنبيهاً على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل. ومنها أن المراد بالإبل السحاب على طريق التشبيه والمجازفان العرب كثيراً تشبه السحاب بالإبل في أشعارهم. ومنها أن تخصيص الإنسان بالاستدلال منه على التوحيد يستتبع القوع في الشهوة والفتنة، وكذا الفكر في البساتين النزهة والصور الحسنة فخص الإبل بالذكر لأن التفكير فيها متمحض لداعية الحكمة وليس للشهوة فيها نصيب، على أن إلف العرب بها أكثر كما مر، وكذا السماء والأرض والجبال دلائل الحدوث فيها ظاهرة وليس فيها نصيب للشهوة. والمراد بالنظر إلى هذه الأشياء هو النظر المؤدّي إلى الاستدلال بدليل قوله {كيف خلقت} {كيف رفعت} {كيف نصبت} {كيف سطحت} وليس في السطح دلالة على عدم كرية الأرض لأنها في النظر مسطحة وقد تكون في الحقيقة كرة إلا أنها لعظمها لا تدرك كريتها. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتذكير الأمة بهذه الأدلة وأمثالها لأن أمره مقصور على كونه مذكراً لا منحطاً إلى كونه مسيطراً أي مسلطاً عليهم فإن أراد بالتسليط القهر أو بالإكراه بمعنى خلق الهداية فيهم فالآية ثابتة لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً. وإن أراد القتال معهم إن لم يؤمنوا فالآية منسوخة وهذا قول كثير من المفسرين، وعلى هذا فالأظهر أن يكون الاستثناء في قوله {إلا من تولى وكفر} متصلاً لا باعتبار الحال فإن السورة مكية ولكن بالنظر إلى الاستقبال أي إلا المصرين على الإعراض والكفر فإنك تصير مأموراً بقتالهم مستولياً عليهم بالغلبة والقهر. وقيل: هو استثناء منقطع أي لست بمستول عليهم ولكن من تولى وكفر فإن لله لولاية والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر الذي هو القتل والسبي أو عذاب الدرك الأسفل. وقيل: هو استثناء من قوله {فذكر} أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض. ويرد أنه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع طمعه من إيمان الكفرة ما داموا أحياء إلا أن يعلمه الله بذلك، وعلى تقدير الإعلام أيضاً لا يجوز أن يقطع التذكير لأن الدعوة عامة في الأصل ولو جعلت خاصة لم تبق مضبوطة كرخصة المسافر مثلاً. ثم ختم السورة بما يصلح للوعد والوعيد والترغيب والترهيب. ومن قرأ {إيابهم} بالتشديد فإما أن يكون " فيعالاً " مصدر " فيعل " من الإياب، وأما أن يكون أصله " أوّاباً " فعالاً من " أوّب " ثم قلبت إحدى الواوين ياء كما في " ديوان " ثم الأخرى كما في " سيد ". قال جار الله: فائدة تقديم الظرف في الموضعين الحصر أي ليس ينبغي أن يكون مرجعهم إلا إلى الجبار المقتدر على توفية جزاء كل طائفة ولا أن يكون حسابهم واجباً إلا على حكمة من هو أحكم الحاكمين ورب العالمين.