التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
١
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
٢
ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ
٣
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
٤
فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً
٥
إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً
٦
فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ
٧
وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ
٨
-الشرح

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

الوقوف {صدرك} ه لا {وزرك} ه لا {ظهرك} ه لا {ذكرك} {يسراً} ه ط {فانصب} ه لا {فارغب} ه.
التفسير: روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة فكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة من غير فصل بالبسملة. والذي دعاهما إلى ذلك ما رأيا من المناسبة في معرض تعديد النعم بين قوله
{ ألم يجدك يتيماً } [الضحى: 6] وبين قوله {ألم نشرح} وفيه ضعف، لأن القرآن كله في حكم وكلام واحد فلو كان هذا القدر يوجب طرح البسملة من البين لزم ذلك في كل السور أو في أكثرها، على أن الاستفهام الأول وارد بصيغة الغيبة، والثاني بصيغة التكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة. قال جار الله: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه {وضعنا} اعتباراً للمعنى. قلت: اعتبار المعنى من جانب {وضعنا} أصوب وأنسب ليكون الكل داخلاً في الاستفهام الإنكاري كأنه قيل: ألم نشرح ولم نضع ولم نرفع ومثله ما مر في والضحى ألم يجدك يتيماً أو لم يجدك ضالاً. ونقول: معنى {ألم نشرح} أما شرحنا فيصح العطف عليه بهذا الاعتبار ليشمل الاستفهام مجموع الأفعال وهكذا في " والضحى ". وفائدة العدول من المتكلم الواحد إلى الجمع إما تعظيم حال الشرح وإما الإعلام بتوسط الملك في ذلك الفعل كما روي أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره. طعن القاضي فيه من جهة أن هذه الواقعة من قبيل الإعجاز فكيف يمكن تصديقها قبل النبوة؟ ومن جهة أن الأمور المحسوسة لا يقاس بها الأمور المعنوية. وأجيب عن الأول بأن الإرهاص جائز عندنا، وعن الثاني بأنه يفعل ما يشاء، ولا يبعد أنه تعالى جعل ذلك الغسل والتنقية علامة تعرف الملائكة بها عصمته عن الخطايا. والأكثرون على أن الشرح أما معنوي وهو إما نقيض ضيق العطن بحيث لا يتأذى من كل مكروه وإيحاش يلحقه من كفار قومه فيتسع لأعباء الرسالة كلها ولا يتضجر من علائق الدنيا بأسرها، وإما خلاف الضلال والعمه حتى لا يرى إلا الحق ولا ينطق إلا بالحق ولا يفعل إلا للحق. قال المحققون: ليس للشيطان إلى القلب سبيل ولهذا لم يقل " ألم نشرح قلبك " وإنما يجيء الشيطان إلى الصدر الذي هو حصن القلب فيبث فيه هموم الدنيا والحرص على الزخارف فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإيمان حلاوة ولا على الإسلام طلاوة، فإذا طرد العدو بذكر الله والإعراض عمّا لا يعينه حصل الأمن وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية. وفوائد إقحام لك دون أن يقتصر على قوله {ألم نشرح صدرك} ما مر في قوله { رب اشرح لي صدري } [طه: 25] من الإجمال ثم التفصيل، ومن إرادة الاختصاص أو كونه أهم. قال أهل المعاني ومنهم جار الله: الوزر الذي أنقض ظهره أي أثقله مثل لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة ولما جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولي العناد فيغتم بسبب ذلك، ووضعه عنه أن غفر له أو أنزل عليه الكتاب. أو قيل له: إن عليك إلا البلاغ لست عليهم بمصيطر. والأصل في الإنقاض أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي كصوت المحامل والرحال وكل ما فيه انتقاض وانفكاك. وقيل: المراد بالوزر أعباء الرسالة وبوضعه تسهيل الله تعالى ذلك عليه ومن جملتها أنه كان يفزع في الأوائل حتى كاد يرمي بنفسه من الجبل فقوي وألف بالوحي حتى كاد يرمي بنفسه إذا فتر الوحي أو تأخر. وقيل: المراد إزالة الحيرة التي كانت له قبل البعث، كان يريد أن يعبد ربه وما كانت نفسه تسكن إلى الشرائع المتقدمة لوقوع التحريف فيها. ورفع ذكره أن قرن اسمه باسم الله في الشهادة والأذان والتشهد والخطب. وجاء ذكره في القرآن مقروناً بذكر الله في غير موضع، وعلى سبيل التعظيم مثل النبي والرسول. ومن رفع الذكر أن جاء العته في الكتب السماوية كلها وأخذ على أمم الأنبياء كلهم أن يؤمنوا به. ثم إنهم كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر فقيل له: لا يحزنك قولهم {فإن مع العسر يسراً} أي بعد العسر الذي أنتم فيه يسر وأي يسر جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء. روى مقاتل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين. فقال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير فكان أحدهما غير الآخر وزيفه الجرجاني بأنه من المعلوم أن القائل إذا قال: إنّ مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً. لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان. وأقول: إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد لزم اتحاد العسر في الصورتين. وأما اليسر فمنكر فإن حمل الكلام الثاني على التكرار مثل { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 13] ونحوه كان اليسران واحداً. وإن حمل على أنه جملة مستأنفة لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه. وإن كان المراد العسر المعهود فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا اثنين وإلا لزم خلاف المفروض، وغن كان المعهود اثنين فالظاهر اختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد. ولعل هذا معنى الحديث إن ثبت والله أعلم ورسوله. وإذا عرفت هذه الاحتمالات فإن لم يثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر واختلاف اليسر. وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الكريم. وأما اليسران على تقدير اختلافهما فقيل: يسر الدنيا ويسر الآخرة أي إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر العاجل إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر الآجل. وقيل: ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في أيام الخلفاء الراشدين، والأظهر الجنس ليكون وعداً عاماً لجميع المكلفين في كل عصر. وحين عدد عليه النعم السابقة ووعده النعم اللاحقة من اليسر والظفر رتب عليه {فإذا فرغت فانصب} قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب أي اتعب للدعاء وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمور لا إلى غير يعطك خير الدارين. وعن الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. وعن مجاهد: إذا فرغت من أمور دنياك لما وعدناك من اليسر والظفر فانصب للعبادة والدعوة. وعن شريح أنه مر برجلين يتصارعان فقال: ما بهذا أمر الفارغ وقعود الرجل فارغاً من غير شغل قريب من العبث والاشتغال بما لا يعني، فعلى العاقل أن لا يضيع أوقاته في الكسل والدعة ويقبل بجميع قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين والله تعالى عالم بحقائقه.