التفاسير

< >
عرض

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً
٤٥
ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً
٤٦
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
٤٧
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً
٤٨
-الكهف

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

{وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يريد حياة الإنسان، كماء أنزلناه من السماء {فَٱخْتَلَطَ بِهِ }، أي: فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب النماءِ، {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا } أصبح عبارة عن صيرورته إِلى ذلك، و «الهَشِيم» المتفتِّت من يابس العُشْب، و{تَذْرُوهُ } بمعنى تفرِّقه، فمعنى هذا المَثَل تشبيهُ حالِ المَرْء في حياته ومالِهِ وعزَّته وبَطَره، بالنَّبات الذي له خُضْرة ونَضْرة عن الماءِ النازل، ثم يعودُ بعد ذلك هشيماً، ويصير إِلى عُدْم، فمن كان له عَمَلٌ صالح يبقى في الآخرةِ، فهو الفَائِزُ.

وقوله سبحانه: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } لفظه الخبر، لكنْ معه قرينة الصِّفة للمال والبنين؛ لأنه في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّر أمْرَ الدنيا وبيَّنه؛ فكأنه يقول: المال والبنون زينةُ هذه الحياة الدنيا المحقَّرة، فلا تُتْبِعُوهَا نُفُوسَكُمْ، والجمهور أنَّ {ٱلصَّـٰلِحَاتُ}. هي الكلماتُ المذكورُ فضْلُها في الأحاديث: "سُبْحَانِ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، ولاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وقد جاء ذلك مصرَّحاً به من لفظ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله: وَهُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالحَاتُ" .

وقوله سبحانه: {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي: صاحبها ينتظرُ الثَّواب، وينبسطُ أمله، فهو خَيْرٌ من حال ذي المَالِ والبنينَ، دون عَمَلٍ صالحٍ، وعن أبي سعيد الخدريِّ؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اسْتَكْثِرُوا مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ قيلَ: وَمَا هُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ وَالحَمْدُ للَّهِ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة إِلاَّ باللَّه" رواه النسائيُّ وابنُ حِبَّان في «صحيحه» انتهى من «السلاح».

وفي «صحيح مسلم» عن سَمُرة بن جُنْدُبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "أحَبُّ الكَلاَمِ إِلى اللَّهِ تَعَالى أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكْبُرُ لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ" وفي «صحيح مُسْلِم»، عن أبي مالِكٍ الأشعريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الطُّهوُرُ شَطْرُ الإِيمَانِ والحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ أَو تَمُلأُ مَا بَيْنَ السَّمٰواتِ والأَرْضِ..." الحديث انتهى.

قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وروى مالكٌ عن سعيد بن المسيَّب، أنَّ الباقيات الصالحات قولُ العبْدِ: اللَّهُ أكْبَرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلا اللَّه، ولا حَوْلَ ولاَ قوَّة إِلا باللَّه» وروي عن ابْنِ عباس وغيره؛ أن الباقياتِ الصَّالحات الصَّلواتُ الخَمْس. انتهى.

* ت *: وما تقدَّم أولى، ومن كلام الشيْخِ الوليِّ العارف أبي الحَسن الشَّاذِليِّ رضي اللَّه عنه قال: عليك بالمطهرِّات الخمس في الأقوال؛ والمطهِّرات الخمس في الأفعال، والتبرِّي من الحول والقَّوة في جميع الأحوال، وغُصْ بعقلك إِلى المعاني القائمة بالقَلْب، وٱخْرُجْ عنها وعنه إِلى الرَّبّ واحفظِ اللَّه يحفظْك، وٱحفظِ اللَّه تجدْهُ أمامك وٱعبُدِ اللَّه بها، وكُنْ من الشاكرين، فالمطهِّراتُ الخمس في الأقوالِ: سُبْحَانَ اللَّه، والحمدُ للَّهِ، ولا إِلٰه إِلا اللَّه، واللَّهُ أَكبر، ولا حول ولا قوة إِلا باللَّه، والمطهِّراتُ الخَمْسُ في الأفعال: الصلواتُ الخمْسُ، والتبرِّي من الحول والقوة: هو قولُكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلا باللَّه. انتهى.

وقوله سبحانه: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً }: يحتمل أن الأرض؛ لِذَهَابِ الجبال، والضِّرابِ والشَّجَرِ - بَرَزَتْ، وانكشفَتْ ويحتملُ أن يريد بُرُوزَ أهلها من بطنها للحِشَرْ، و«المغادَرة»: الترك، {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا }، أي: صفوفاً وفي الحديث الصحيح: "يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ صُفُوفاً يُسْمِعُهُمُ الدَّاعي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ..." الحديث بطوله، وفي حديثٍ آخَرَ: "أَهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا" .

وقوله سبحانه: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ }: يفسِّره قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنكُمْ تُحْشَرُونَ إِلى اللَّه حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً" " { { كَمَآ بَدَأْنَا أوَّلَ خَلَقٍ نُّعِيدُهُ } } [الأنبياء:104].