التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
٨
يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ
٩
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
١٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
١١
أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ
١٢
-البقرة

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

قوله تعالَىٰ: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ...} إِلَى {وَمَا يَشْعُرُونَ}. هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالَىٰ يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ؛ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: {يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ}، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً؛ لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم.

* ع *: تقول: خادَعْتُ الرجُلَ؛ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى: تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين؛ بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم؛ لحصولهم في العذاب، {وَمَا يَشْعُرُونَ} بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من الشِّعَار؛ كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ.

واختلف، ما الذي نَفَى اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟ فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم؛ لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سِرَّهم ومخادعتهم في قولهم: {ءَامَنَّا}.

قوله تعالَىٰ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}، أي: في عقائدهم فسادٌ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمُّهم بظهوره صلى الله عليه وسلم، {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا}، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل: هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين.

* ت *: لما تكلَّم. * ع *: علَىٰ تفسير قوله تعالَىٰ: { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْءِ } [الفتح:6]. قال: كل ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فإِنما هو بمعنى إيجاب الشيء؛ لأنَّ اللَّه تعالى لا يدعو علَىٰ مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: { وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ } [الهمزة:1]، { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ } [المطففين:1]، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالَىٰ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي: مؤلم، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: بالكفر وموالاةِ الكفرةِ؛ ولقول المنافقين: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ثلاثُ تأويلاتٍ:

أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق.

والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ؛ من حيث هم قرابةٌ توصل.

والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.

و «أَلاَ»: استفتاحُ كلامٍ، و «لكن»: حرف ٱستدراكٍ، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن اللَّه يفْضَحُهم.