التفاسير

< >
عرض

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٤٨
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤٩
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٠
كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
١٥١
-البقرة

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ }: الوجهةُ: من المواجهة؛ كالقبلة، والمعنَىٰ: ولكلِّ صاحبِ ملَّة وجهةٌ هو مولِّيها نفْسَه، قاله ابن عَبَّاس وغيره.

وقرأ ابن عامر: «هُوَ مَولاَّهَا»، أيْ: اللَّه مُوَلِّيها إياهم، ثم أمر تعالى عباده بٱستباقِ الخَيْرات، والبدارِ، إلى سبيل النجاة، وروى ابن المُبَارك في «رقائقه» بسنده؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الخَيْرِ فَلْيَنْتَهُزْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، مَتَىٰ يُغْلَقُ عَنْهُ" .انتهى.

ثم وعظهم سبحانه بذكْر الحشر موعظةً تتضمَّن وعيداً وتحذيراً.

* ص *: «أينما» ظرفٌ مضمَّن معنى الشرط في موضعِ خَبَرِ «كان». انتهى.

وقوله: {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا } يعني به البعْثَ من القبور.

وقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } معناه: حيثُ كنْتَ، وأَنى توجَّهْتَ من مشارقِ الأرض، ومغاربِها، وكرَّرت هذه الآية؛ تأكيداً من اللَّه سبحانه؛ لأن موقع التحويلِ كان صَعْباً في نفوسهم جدًّا، فأكَّد الأمر؛ ليرى الناسُ التهمُّم به، فيخفَّ عليهم وتسكُنَ نفوسُهم إليه.

وقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ...} الآية: المعنَىٰ: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك؛ لئلاَّ يكون للناسِ عليكم حجةٌ، والمراد بـــ «النَّاس» العمومُ في اليهودِ والعربِ وغيرهم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ }، أي: من المذكورين ممَّن تكلَّم في النازلة في قولهم: { مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ } } [البقرة:142].

وقوله تعالى: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي...} الآية: [فيه] تحقيرٌ لشأنهم، وأمر بٱطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفَخْر: وهذه الآية تدلُّ على أن الواجب علَى المَرْء في كلِّ أفعاله وتروكه؛ أن ينصب بين عينيه خشيةَ ربه تعالَىٰ، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخَلْقِ شيء البتَّةَ وألاَّ يكون مشتغل القَلْب بهم، ولا ملتفت الخاطر إلَيْهِم. انتهى.

قال: * ص *: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ } استثناءٌ متَّصِلٌ، قاله ابن عباس وغيره، أي: لئلاَّ تكون حجةٌ من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا، وتوجَّه للكعبة إِلاَّ حبًّا لبلده، وقيل: منقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم؛ فإِنهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبَه، وزعم أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بْنُ المثنَّىٰ: إن «إِلاَّ» في الآية بمعنى «الواو»، قال ومنه: [الوافر]:

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهلَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ

أي: والَّذين ظلموا، وَالفَرْقَدَان، ورُدَّ بأنَّ «إِلاَّ» بمعنى الواو ولا يقوم علَيْه دليلٌ. انتهى.

وقوله تعالى: {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } أمر بٱستقبالِ القبْلَة، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد.

وقوله سبحانه: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } عطْفٌ على قوله: «لَئِلاَّ» وقيل: هو في موضع رفع بالاِبتداء، والخبرُ مضمرٌ، تقديره: ولأتمَّ نعمتي عليكم، عرَّفتكم قبلتي، ونحوهُ، {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ترجٍّ في حقِّ البشر، والكافُ في قوله: «كَمَا» ردٌّ على قوله: «وَلأُتِمَّ»، أي: إِتماماً كما، وهذا أحسنُ الأقوال، أي: لأتم نعمتي عليكم في بيان سُنَّة إِبراهيم عليه السلام؛ {كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ} إِجابة لدعوته في قوله: { رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ } } [البقرة:129].

وقيل: الكاف من «كمَا» رَدٌّ على «تَهْتَدُونَ»، أي: اهتداء كما.

قال الفَخْر: وهنا تأويلٌ ثالثٌ، وهو أن الكاف متعلِّقة بما بعدها، أي: كما أرسلنا فيكم رسولاً، وأوليتكم هذه النعم، {فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي..} الآيةَ: انتهى.

* ت *: وهذا التأويل نقله الدَّاوُودِيُّ عن الفراء. انتهى، وهذه الآيةُ خطابٌ لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم و {ءايَـٰتِنَا } يعني: القُرآن، وَ {يُزَكِّيكُمْ}، أي: يطهركم من الكفر، وينمِّيكم بالطاعة، و {ٱلْكِتَـٰبَ }: القُرآن، و {ٱلْحِكْمَةَ }: ما يتلقَّىٰ عنه صلى الله عليه وسلم من سنَّةٍ، وفقْهٍ، ودينٍ، وما لم تكونوا تعلمون قصص من سلف، وقصص ما يأتي من الغيوب.