التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ
٩٠
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٩١
لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
٩٢
كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٩٣
-آل عمران

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا...} الآية: قال أبو العَالِيَة رُفَيْعٌ: الآيةُ في اليهودِ كَفَرْوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ٱزدادوا كُفْراً؛ بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلافِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك.

قال * ع *: وعلَىٰ هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم. وقال مجاهد: معنى قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً}، أي: أتموا علَىٰ كُفْرهم، وبلغوا المَوْت به.

قال * ع *: فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه، ثم أخبر تعالَىٰ أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ؛ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره: المعنَىٰ: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنَىٰ: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كُفْرهم بمحمَّد صلى الله عليه وسلم.

قال * ع *: وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلَىٰ قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: { كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً } [آل عمران:86]، فأخبر عنهم أنَّه لا تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها؛ فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين؛ أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}، قال الزَّجَّاج: المعنَىٰ: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو ٱفتَدَىٰ أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم علَىٰ أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب.

قال * ع *: وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنَىٰ نفْيَ القَبُول علَىٰ كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده.

وقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ...} الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ؛ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم.

قال * ص *: قوله: {مِمَّا تُحِبُّونَ}: «مِنْ»: للتبعيضِ؛ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ: «بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ» اهـــ.

قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فٱشتهَىٰ سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه علَىٰ رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قَالَ: سمعْتُ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَيُّمَا ٱمْرِىءٍ ٱشْتَهَىٰ شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ عَلَىٰ نَفْسِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ" اهـــ من «الإِحياء».

قال * ع *: وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمَّىٰ بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به.

قال الفَخْر: والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ علَىٰ طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ. اهـــ.

وقوله سبحانه: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.

وقوله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِي إِسْرٰءيلَ...} الآية إخبارٌ بمَغِيَّب عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم؛ أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه علَىٰ أنفسهم؛ أنه بأمر اللَّه تعالَىٰ في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالَىٰ بهذه الآية، وقوله سبحانه: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي ٱفتَرَوْهَا.

وقال الفَخْر: قوله تعالَىٰ: {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ}، المعنَىٰ: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سِوَىٰ ما حرَّمه إسرائيلُ علَىٰ نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له مُنْكِرُونَ. اهـــ.

قال * ع *: ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه علَىٰ نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النَّسَا، وفي حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه! هَلْ تَعْلَمُونَ؛ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ، نَعَمْ" .

قال * ع *: وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ ـــ عليه السلام ــــ حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها؛ تقرُّباً بذلك؛ إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه)؛ بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ؛ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ»؛ ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، فرأَىٰ مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شَاءَ اللَّهِ.

وقوله عز وجل: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ...} الآية: قال الزَّجَّاج. وفي هذا تعجيزٌ لهم، وإقامةٌ للحجة علَيْهم.