التفاسير

< >
عرض

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً
١١٧
لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً
١١٨
وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً
١١٩
-النساء

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً...} الآية: الضميرُ في {يَدْعُونَ}: عائدٌ علَىٰ مَنْ ذكر في قوله: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ } [النساء:115]، و «إنْ»: نافيةٌ بمعنى «ما»، ويدعون: عبارةٌ مغنيةٌ موجزةٌ في معنَىٰ: يعبدون ويتخذُونَ آلهة، قُلْتُ وفي «البخاريِّ» {إِلاَّ إِنَـٰثاً}: يعني المَوَاتَ حَجَراً ومدَراً، وما أشبهه. انتهى، وفي مُصْحَف عائشَةَ: «إلاَّ أوثَاناً»؛ ونحوه عن ابنِ عَبَّاس، والمرادُ بالشَّيْطَانِ هنا إبليسُ؛ قاله الجمهور، وهو الصوابُ؛ لأنَّ سائر المقالة به تليقُ، و {مَرِيداً}: معناه: متمرِّداً عاتياً صليباً في غوايته، وأصْلُ اللعْنِ: الإبعادُ، والمفروضُ: معناه: في هذا الموضعِ المُنْحَاز، وهو مأخوذٌ من الفرضِ، وهو الحَزُّ في العود وغيره.

قال * ع *: ويحتملُ أنْ يريد واجباً إن اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النَّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ.

وقوله: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ...} الآية: معنى أُضِلَّنَّهُمْ: أصرفُهُمْ عن طريقِ الهُدَىٰ، {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} لأسوِّلَنَّ لهم، وأَمَانِيُّهُ لا تنحصرُ في نَوْعٍ واحدٍ، والبَتْكَ: القَطْع.

وقوله: {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} اختلف المتأوِّلون في معنى تَغْيير خَلْق اللَّه، ومِلاَكُ تفسير هذه الآية أنَّ كلَّ تغييرٍ ضَارٍّ، فهو داخلٌ في الآية، وكلّ تغييرٍ نافعٍ فهو مباحٌ، وفي «مختصر الطبريِّ»: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ}، قال ابنُ عبَّاس: خَلْقَ اللَّهِ: دِينَ اللَّهِ، وعن إبراهيم، ومجاهدٍ، والحسن، وقتادَةَ، والضَّحَّاك، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ مثله، وفسَّر ابن زيد: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } [الروم:30]، أيْ: لِدِينِ اللَّهِ، واختارَ الطبريُّ هذا القوْلَ؛ واستدلِّ له بقوله تعالَىٰ: { ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ } [الروم:30] وأَجاز أنْ يدخل في الآية كلُّ ما نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ معاصيه، والتَّرْكِ لطاعته. انتهى، وهو حَسَنٌ.

قال * ع *: واللامَاتُ كلُّها للقَسَمِ.

قال * ص *: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ}، مفعوله محذوفٌ، أي: عن الهُدَىٰ؛ وكذا: {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ}، أي: الباطلَ؛ وكذا {وَلآمُرَنَّهُمْ}، أي: بالبَتْكِ، فَلَيُبَتِّكُنَّ؛ وكذا: {وَلآمُرَنَّهُمْ}، أي: بالتغيير، فَلَيُغَيِّرُنَّ كُلَّ ما أوجده اللَّه للطَّاعَةِ فيستعينُونَ به في المَعْصِيَةِ. انتهَىٰ.

ولما ذكر اللَّه سبحانه عُتُوَّ الشيطانِ، وما توعَّد بهِ منْ بَثِّ مَكْرِهِ، حَذَّر تبارك وتعالَىٰ عبادَهُ؛ بأن شرط لمن يتَّخذه وليًّا جزاءَ الخُسْرَان.