التفاسير

< >
عرض

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
٢٠
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ ٱلْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢١
تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ
٢٢
-الشورى

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ} معناه: إرادة مُسْتَعِدٍّ عاملٍ، لا إرادةُ مُتَمَنٍّ مُسَوِّفٍ، والحَرْثُ في هذه الآية: عبارةٌ عن السَّعْيِ والتكسُّبِ والإعْدَاد.

وقوله تعالى: {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} وَعْدٌ مُتَنَجَّزٌ؛ قال الفَخْرُ: وفي تفسير قوله: {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} قولان.

الأوَّلُ: نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيلِ سبيل الخَيْرَاتِ والطاعاتِ عليه، وقال مقاتل: تزد له في حَرْثِهِ بتضعيفِ الثواب؛ قال تعالى: { لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ } [فاطر:30] انتهى، وقوله: {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} معناه: ما شئنا منها ولمن شئنا، فَرُبَّ مُمْتَحَنٍ مُضَيَّقٌ عليه حريصٌ علَىٰ حَرْثِ الدنيا، مريدٌ له، لا يَحُسُّ بغيره، نعوذُ باللَّهِ مِنْ ذلكٰ وهذا الذي لا يعقل غيرَ الدنيا هو الذي نفى أنْ يكون له نصيبٌ في الآخرة.

وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} «أم» هذه منقطعةٌ لا معادلةٌ، وهي بتقدير «بل»، وألف الاستفهام، والشركاء في هذه الآية يحتمل أنْ يكونَ المراد بهم الشياطين والمُغْوِينَ من أسلافهم، ويكون الضمير في {لَهُمْ} للكفار المعاصرين لمحمد ـــ عليه السلام ـــ فالاشتراك ههنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك باللَّه ـــ ويحتمل أنْ يكون المراد بالشركاء: الأصنام والأوثان؛ على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاءَ للَّه في أُلُوهِيَّتِهِ، ويكون الضمير في {شَرَعُواْ} لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم، والضمير في {لَهُمْ} للأصنام الشركاء، و{شَرَعُواْ} معناه: أثبتوا، ونهجوا، ورسموا و{ٱلدِّينِ} هنا: العوائدُ والأحكامُ والسِّيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذلك أيضاً المُعْتَقَدَاتُ السُّوء؛ لأَنَّهُم في جمِيع ذلك وضعوا أوضاعاً فاسدة، وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء اللَّه تعالى بأَنَّهُ يُؤخِّرُ عقابهم للدار الآخرة، والقضاء بينهم هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم.

وقوله تعالى: {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} هي رؤية بَصَرٍ، و{مُشْفِقِينَ} حال، وليس لهم في هذا الإشفاق مدح؛ لأنَّهم إنَّما أشفقوا حين نزل بهم، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مُشْفِقُون من أمر الساعة، كما تقدم، وهو واقع بهم.

أبو حيان: ضمير {هُوَ} عائد على العذاب، أو على ما كسبوا بحذف مضاف، أي: وبال ما كسبوا، انتهى، والروضات: المواضع المونقة النَّضِرة.