التفاسير

< >
عرض

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ
٢٢
أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ
٢٣
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ
٢٤
-محمد

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} مخاطبةٌ لهؤلاءِ الذينَ في قلوبهم مرضٌ، والمعنى: فهل عَسَىٰ أَنْ تفعلُوا إنْ تولَّيتم غيرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرض، وتُقَطِّعُوا أرحامكم، ومعنى {إِن تَوَلَّيْتُمْ} أي: إنْ أعرضتم عن الحَقِّ، وقيل المعنى: إنْ توليتم أمور الناس من الولاية؛ وعلى هذا قيل: إنَّها نزلَتْ في بني هاشِمٍ، وبني أُمَيَّةَ ذكره الثعلبيُّ.

* ت *: وهو عندي بعيدٌ لقوله: {أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} فتعيَّن التأويل الأَوَّل، واللَّه أعلم.

وفي البخاريِّ عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ" يعني: قاطعَ رحِمٍ، وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ ـــ فَليَصِلْ رَحِمَهُ" . اهـــ، وفي «صحيح مسلم» عن عائشةَ قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ" وفي رواية: "لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ" وفي طريق: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَيُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" وخرَّجه البخاريُّ من طريق أبي هريرةَ؛ على ما تقدَّم، وخرَّج البخاريُّ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مُقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكَ؟ قَالَتْ: بَلَىٰ يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ، قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: فَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ }" وفي رواية: قال الله: "مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ" انتهى.

ورَوَىٰ أبو داودَ في «سُنَنِهِ» عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ قال: سمعتُ رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا الرَّحْمٰنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ" . انتهى.

وقوله تعالى: {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} إشارة إلى المرضى القلوب المذكورين.

وقوله: {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ}: استعارةٌ لعدم فهمهم.

وقوله عزَّ منْ قائِلٍ: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ...} الآية: توقيفٌ وتوبيخٌ، وتَدَبُّرُ القرآن زعيم بالتبيين والهُدَىٰ لمتأمِّله.

* ت *: قال الهرويُّ: قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ} معناه: أفلا يتفكَّرُون فيعتبرون؛ يُقَالُ: تَدَبَّرْتُ الأمر: إذا نظرتَ في أدباره وعواقبه، انتهى.

وقوله تعالى: {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} معناه: بل على قلوب أَقفالها، وهو الرَّيْنُ الذي منعهم من الإيمان، ورُوِيَ أَنَّ وَفْدَ اليَمَنِ وَفَدَ على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهمْ شَابٌّ، فقرأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ، فقال الفتى: عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حَتَّىٰ يَفْتَحَها اللَّهُ تَعَالَىٰ ويُفَرِّجَهَا، قَالَ عُمَرُ: فَعَظُمَ في عَيْنِي، فما زَالَتْ في نَفْس عُمَرَ - رضي اللَّه عنه - حَتَّىٰ وَلِيَ الخلاَفَة فَٱسْتَعَانَ بِذَلِكَ الفَتَىٰ.