التفاسير

< >
عرض

لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٤٢
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ
٤٣
لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ
٤٤
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
٤٥
-التوبة

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ}، هذه الآية في المنافقين المتخلِّفين في غزوة تَبُوكَ، وكَشْفِ ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، فعامَّة فيهم وفي غيرهم، والمعنى: لو كان هذه الغزوَ لِعَرَضٍ، أي: لمال وغنيمةٍ تنالُ قريباً؛ بسَفرٍ قاصدٍ يسيرٍ، لبادروا لا لوجه اللَّه، {وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ} وهي المسافةُ الطويلة.

وقوله: {وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ}، يريد: المنافقينَ، وهذا إِخبار بغَيْب.

وقوله عز وجل: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، هذه الآيةُ هي في صِنْفٍ مُبَالِغٍ في النفاق، ٱستأذنوا دون ٱعتذارٍ، منهم: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ التأبوت وَمنِ اتبعهم؛ قال مجاهدٌ: وذلك أَنَّ بعضهم قال: نَسْتَأْذنه، فإِن أَذِنَ في القعودِ قعدنا، وَإِلاَّ قعدنا، وقَدَّم له العَفْوَ قبل العتاب: إِكراماً له صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة: بل قوله سبحانه {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ}: ٱستفتاحُ كلامٍ كما تقولُ: أصْلَحَكَ اللَّهُ، وأَعَزَّكَ اللَّهُ، ولم يكنْ منه عليه السلام ذَنْبٌ يعفَى عنه؛ لأن صورة ٱلاستنفار وقَبُول الأَعْذَار مصروفةٌ إِلى ٱجتهاده.

وقوله: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ}، يريد: في ٱستئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك.

وقوله: {وَتَعْلَمَ ٱلْكَـٰذِبِينَ}، أي: بمخالفتكَ، لَوْ لم تأذن؛ لأنهم عَزَمُوا على العِصْيَان، أذنتَ لهم أو لم تأذن، وقال الطبريُّ: معناه: حتى تعلم الصَّادقين؛ في أَنَّ لهم عُذْراً، والكاذبين، في أن لا عُذْرَ لهم، والأول أصْوبُ، واللَّه أعلم، وأمَّا قوله سبحانه: في سورة: { { فَإِذَا ٱسْـتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ... } } [النور:62] الآية، ففي غزوة الخندَقِ نزلَتْ: {وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ }، أيْ: شكَّت و{يَتَرَدَّدُونَ}، أي: يتحيَّرون؛ إِذ كانوا تخطر لهم صِحَّة أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم أحياناً، وأنه غير صحيحٍ أحياناً، فهم مذبذبُونَ.