التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
٧٣
يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٧٤
-التوبة

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ }: أي: بالسيف و{ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }، أي: باللسان والتعنيفِ وٱلاكْفِهْرَارِ في الوجْه، وبإِقامة الحدود عليهم.

قال الحَسَن: وأكثر ما كَانَتِ الحدودُ يومئذٍ تصيبُ المنافقين، ومذْهَبُ الطبريِّ؛ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ }، فلفظةٌ عامَّة في الأفعال والأقوال، ومعنى الغِلَظِ: خَشَنُ الجانب، فهو ضدُّ قوله تعالى: { { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } } [الشعراء:215]، وقولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ...} الآية، نزلَتْ في الجُلاَسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وقوله: لَئِنْ كَانَ مَا يَقُولُ محمَّد حقًّا، لَنَحْنُ شر مِنَ الحُمُر، فسمعها منه رَبِيبُهُ أو رَجُلٌ آخر، فأخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فجاء الجُلاسُ، فَحَلَفَ باللَّه؛ مَا قالَ هذه الكلمة، فنزلَتِ الآية، فكلمة الكُفْر: هي مقالته هذه؛ لأن مضمنها قَوِيٌّ في التكذيب، قال مجاهد: وقوله: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ }: يعني: أنَّ الجُلاَس قد كان هَمَّ بقَتْل صاحبه الذي أخبر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: نزلَتْ في عبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيٍّ ٱبْنِ سَلُولَ، وقوله في غزوة المُرَيْسِيعِ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، و { { لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } } [المنافقون:8]، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فوقفه، فَحَلفَ أَنَّه لم يقُلْ ذلك، فنزلَتِ الآية مكذِّبة له.

* ت *: وزاد ابن العربيِّ في «أحكامه» قولاً ثالثاً؛ أنَّ الآية نزلَتْ في جماعة المنافقين؛ قاله الحسن، وهو الصحيحُ؛ لعموم القول ووجود المعنَى فيه، وفيهم، انتهى.

وحدَّث أبو بَكْرٍ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، قال: سُئِلَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن الهَمِّ: أيؤاخَذُ به صاحِبُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَانَ عَزْماً؛ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قوله تعالى: {وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ...} الآية، إِلى قوله: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ}، فجعل عليهم فيه التَّوْبَةِ، قال سفيانُ: الهَمُّ يسوِّد القلْبَ انتهى.

قال * ع *: وعلى تأويل قتادة، فالإِشارة بـــ {كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ } إِلى تمثيل ابنِ أُبَيٍّ «سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ».

قال قتادة: والإِشارة بـــ {هَمُّواْ} إِلى قوله: { { لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ } } [المنافقون:8].

وقال الحَسَنُ: هُمَّ المنافِقُونَ من إِظهار الشرك ومكابرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بما لم ينالوا، وقال تعالَى: {بَعْدَ إِسْلَـٰمِهِمْ}، ولم يقل: «بعد إِيمانهم»؛ لأن ذلك لم يتجاوزْ ألسنتهم.

وقوله سبحانه: {وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ...} الآية: كأَنَّ الكلامَ، وما نقموا إِلا ما حقُّه أنْ يُشْكَرَ، وذُكِرَ رسولُ اللَّه في إِغنائهم منْ حَيْثُ كَثُرَتْ أموالهم من الغنائِمِ، ورسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبَبٌ في ذلك، وعلى هذا الحَدِّ "قال عليه السلام للأنصارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: كُنْتُمْ عَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ " ، قال العراقيُّ: {نَقَمُواْ}: أي: أنْكَرُوا.

وقال * ص *: {إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ}: إِنْ وصلْتَها: مفعولُ {نَقَمُواْ}: أي: ما كرهوا إِلا إِغْنَاء اللَّه إِياهم، وقيل: هو مفعولٌ من أجله، والمفعولُ به محذوفٌ، أي: ما كرهوا الإِيمانَ إِلاَّ للإِغناء. انتهى.

ثم فتح لهم سبحانَهُ بابَ التَّوْبةِ؛ رفقاً بهم ولطفاً، فروي أن الجُلاَسَ تَابَ من النفاقِ، وقال: إِن اللَّه قَدْ تَرَكَ لي بَابَ التَّوْبَة، فٱعْتَرَفَ وأخْلَصَ، وحَسُنت توبته.