التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ
١
مَلِكِ ٱلنَّاسِ
٢
إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ
٣
مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ
٤
ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ
٥
مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ
٦
-الناس

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}. قرئ: "قُلَ عُوذُ" بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: {فَخُذَ أَرْبَعَةً} [البقرة: 260].
وأجمع القراء على تلك الإمالة في "النَّاس" إذا كان في موضع الخفضِ.
ومعنى "رَبّ الناس" مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه "رَبّ الناس"، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين:
أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا.
والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء.
قوله: {مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ}. يجوز أن يكونا وصفين لـ "ربّ الناس" وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان.
قال الزمخشري: فإن قلت: "ملك الناس، إله الناس"؟ ما هما من "رب الناس"؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين بـ {مَلِكِ ٱلنَّاسِ} ثم زيد بياناً بـ {إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ}؛ لأنه قد يقال لغيره: "رب النَّاس"، كقوله:
{ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ } [التوبة: 31]، وقد يقال: "ملك النَّاس"، وأما "إله النَّاس" فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في "الرحمن الرحيم" أول الفاتحة.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: "بربِّ النَّاس" مضافاً إليهم خاصة؟.
قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم.
قال الزمخشري: "فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار".
وكرر لفظ "النَّاس"؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته.
قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به.
قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا "مالك" بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار.
وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار.
قوله: {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ}.
قال الزمخشري: "اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر "كزِلْزَال"، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس". انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في "الزلزلة"؛ فليراجع.
والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي.
ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس.
قال ذو الرمة: [البسيط]

5372- فَبَـــاتَ يُشئِـــزُهُ ثَــأَدٌ ويُسهِــرهُ تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْـوَاسُ والهِضَبُ

وقال الأعشى: [البسيط]

5373- تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ

قوله: "الخنَّاس" أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس.
يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة:
{ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ } [التكوير: 1].
{ٱلَّذِى يُوَسْوِس}: يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع.
قال القرطبي: "ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى:
{ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ } [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها".
فصل في الكلام على الشيطان
قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ}، وقال صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: "ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت".
قوله: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ}. فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من "شرّ" بإعادة العامل، أي: من شر الجنة.
الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس.
الثالث: أنه حال من الضمير في "يُوسْوِسُ" حال كونه من هذين الجنسين.
الرابع: أنه بدل من "النَّاس" وجعل "مِنْ" تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: "واستدلوا بنفر ورجال في سورة "الجنِّ"، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله:
{ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } [القمر: 6]، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عز وجل".
الخامس: أنه بيان لـ {ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ} على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال:
{ شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } [الأنعام: 112]، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس.
السادس: أن يتعلق بـ "وسوس"، و "مِنْ" لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن.
السابع: أن "الناس" عطف على "الوسواس"، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على "الجنَّة"؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي.
الثامن: أن "مِنْ الجنَّةِ"؛ حال من "النَّاس" أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: "وقيل: هو معطوف على الجنة"، يريد: "والنَّاس" الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه.
فصل في شياطين الإنس والجن
قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس.
وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟.
قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى:
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } [الأنعام: 112].
وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى:
{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ } [الجن: 6]، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ } [الأحقاف: 29].
فعلى هذا يكون "والنَّاس" عطفاً على "الجنَّةِ"، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وقيل: معنى: {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ}، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ" . والله أعلم.