التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ
٤٢
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ
٤٣
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ
٤٤
وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ
٤٥
وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ
٤٦
فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ
٤٧
يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ
٤٨
وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ
٤٩
سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ
٥٠
لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٥١
هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٥٢
-إبراهيم

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكى عن إبراهيم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ} وذلك تنبيه على أنَّه ـ تبارك وتعالى ـ لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يحسب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ موصوفاً بالغفلةِ؟.
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى:
{ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } [الأنعام:14] { وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ } [القصص:88].
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً لكل أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معاملة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة ـ رضي الله عنه ـ: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ} أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى "إلى" أي: للغاية.
وقرأ العامة "يُؤخِّرهُمْ" بالياء، لتقدم اسم الله ـ تعالى ـ. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] ـ رضي الله عنهم ـ: "نُؤخِّرهُم" بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو "نُؤخِّرُهمْ" بنون العظمة.
و"تَشْخَصُ" صفة لـ"يَوْمِ". ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد، والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذ يقال: شَخَصَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: "مُهْطِعين" منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في "مُقْنِعِي" أن يكون حالاً من الضمير في: "مُهْطِعِينَ" فيكون حالاً، وإضافة: "مُقْنِعِي" غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط]

3235ـ إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا

وقال: [الكامل]

3236ـ وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ فِي رَأْسِ جِذْعٍ.....................

وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: "هَطَعَ الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ".
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]

3237ـ بِدجْلةَ دَارهُم ولقَدْ أرَاهُمْ بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ

والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: "هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء". وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: "أهْطََعَ وهَطَعَ" رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى غيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله ـ يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها ـ: [الوافر]

3238ـ يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ

ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ ـ بالتشديد ـ، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس.
والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]

3239ـ لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُه فيُغْنِي مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ

ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]

3240ـ........................ شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ

ومعنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين ـ تعالى ـ أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، و أنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على "رُءُوس" والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} في محل نصب على الحال من الضمير في: "مُقْنِعِي" ويجوز أن يكون بدلاً من: "مُقْنِعِي"، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: "مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف"، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]

3241ـ وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي حتَّى يُوارِي جَارتِي مَأوَاهَا

والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: جفنهُ على الآخر، والطَّرفُ أيضاً: تحريكُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} "يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا "يَرتَدُّ" وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: "هَواءٌ"، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه".
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر]

3242ـ كَأنَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ

وقال حسَّان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ: [الوافر]

3243ـ........................ فأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ

النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخالية من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} قال أبو البقاء: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ} مفعول ثان لـ: "أنْذر"، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: "العَذابُ" للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى:
{ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } [المنافقون:10]، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه ـ تعالى ـ وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ}؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: {فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: {نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ}، فقوله: "نُجِبْ" جواب الأمرِ.
قوله: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ} قال الزمشخري: "على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً".
و"مَا لكُمْ" جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: "أقْسَمْتُمْ"، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: "مَا لنَا".
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أو الملائكة ـ عليهم السلام ـ أي: فيقال لهم: "أو لم تكونوا"، وهو أظهر من الأول، أعني: جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: {أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ} أراد قوله:
{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } [الأنعام:109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} وأصل "سَكَنَ" التَّعدي بـ"في" كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: "السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، والأصل تعديه بـ"في" كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا".
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: {ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: "وتَبيَّنَ لَكُمْ" فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و"كَيْفَ" نصب بـ"فَعلْنَا" وجملة الاستفهام ليست معمولة لـ "تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون: "كَيْفَ" فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لا يعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: "كَيْفَ فَعلْنَا" هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله:
{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ } [يوسف:35].
والعامة على "تَبيَّنَ" فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي ـ رضي الله عنهما ـ في رواية عنهما: "ونُبيِّنُ" بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: "بيَّن"، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على "تَكُونُوا" فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ} قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ} يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } [الأنفال:30].
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي ـرحمه الله ـ: "وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل".
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النمرود بن كنعان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح عليهم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله ـ عزَّ وجلَّ ـ: {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ}.
قوله: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالهما الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان "مَكَرَ" يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن "مَكَرَ" لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى:
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [الأنفال:30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ} قرأ العامة بكسر لام "لِتَزولَ" الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي "كَانَ" حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، وأنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُم).
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري: "وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك".
وقال ابن عطية: "ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الأمور"، فمفهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكسائي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار بها إلى ما جاء به النبيُّ المختار ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: "إنْ" وجهان:
مذهبُ البصريين أنَّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: "إلاَّ" وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة ـ رضي الله عنهم ـ (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاَّ أنهم جعلوا مكان نون: "كَانَ" دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىء: "لَتَزُولَ" بفتح اللامين، وتخريجها على إشكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال القشيريُّ: {وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ} العامة على إضافة: "مُخْلِفَ" إلى "وعْدهِ" وفيها وجهان:
أظهرهما: أن "مُخْلفَ" يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟.
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: "رُسلهُ" ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟.
وقال أبو البقاء: هو قريبٌ من قولهم: [الرجز]

3244ـ يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ

وأنشد بعضهم ـ نظير الآية الكريمة ـ قول الشاعر: [الطويل]

3245ـ تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ

والحسبان هنا: الأمر [المتيقن]، كقوله: [الطويل]

3246ـ فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمامِ يَذُوقُ

الثاني: أنه متعد لواحد، وهو "وعْدهِ"، وأمَّا "رُسلَهُ" فمنصوب بالمصدر فإنَّهُ ينحلّ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، فـ"ما" مصدريَّة لا بمعنى الذي.
وقرأت جماعة: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} بنصب: "وَعْدهُ" وجر: "رسُلهِ" فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، وهي كقراءة ابن عامرٍ: {قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ).
قال الزمخشري ـ جرأة منه ـ: "وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ).
ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ} [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال:{يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ}] ويجوز في "يَوْمَ" عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً بـ"انتقام" أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب بـ"اذكُر".
الثالث: أن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: "يَوْمَ يَأتِيهِمْ".
الخامس: أن ينتصب بـ:"مُخْلِفَ".
السادس: أن ينتصب بـ"وَعْدِهِ"، و"إنَّ" وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذين الآخرين، قال: "لأن ما قبل "إنَّ" لا يعمل فيما بعدها".
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، ومنه قوله تعالى:
{ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [الفرقان:70]، ويقال: بدَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]

3247ـ فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ

الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: { وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ } [سبأ:16].
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا
{ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً } [طه:107] وقال صلى الله عليه وسلم: "تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُّهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" . وتبدل السموات بانتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها دمٌ، ولم يعمل عليها خطيئةٌ.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله ـ تعالى ـ يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى:
{ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ } [المطففين:7] وقوله ـ عزَّ وجلَّ ـ { كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ } [المطففين:18].
وقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: سألتُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم:48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
"على الصِّراطِ" .
وروى ثوبانُ ـ رضي الله عنه ـ أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: "هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ" .
قوله "والسَّمواتِ" تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: "نُبَدّلُ" بالنون: "الأرض" نصباً "والسَّمواتِ" نسق عليه.
قوله "وبَرَزُوا" فيه وجهان:
أحدهما: أنها جملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل
{ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ } [الأعراف:50] { وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ } [الأعراف:44] { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [الحجر:2] { أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } [النحل:1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من "الأرض"، و"قَدْ" معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: "بَرَزُوا" للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي "وبُرِّزُوا" بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة على التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى
{ وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً } [إبراهيم:21]، وإنما ذكر "الوَاحدِ القهَّارِ" هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد غيره، فكان الأمر في غاية الصعوبة ولما وصف نفسه ـ تعالى ـ بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: "وتَرَى المُجْرمينَ" وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: {مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} "يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و"فِي الأصْفادِ" متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة لـ"مُقرَّنينَ"".
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]

3248أ ـ وابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ لَمْ يَستَطعْ صَولةَ ا لبُزْلِ القَناعِيسِ

وقال آخر: [البسيط]

3248ب ـ والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ

وقال آخر: [البسيط]

3248ج ـ إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ

يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ،، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]

3249ـ فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا

والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين "فَعَل" و"أفْعَلَ".
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]

3250ـ................. فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ

أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، ومنه: أنا مغلول أياديك، وأسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانه قوله:
{ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ } [الصافات:22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله ـ جل ذكره ـ: { وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ } [التكوير:7]. أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من "المُجْرمينَ" وإمَّا من: "مُقرَّنِينَ"، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ،وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]

3251ـ................... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه

وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: { وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } [النحل:81].
والقَطرانُ: ما يستخرج من شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار]، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: "قِطرانٍ" بفتح القاف وكسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و"قَطْران" بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهما ـ وقال أبو النَّجْم: [الرجز]

3252ـ لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا

و"قِطْرَان" بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة "سِرْحَان" ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين ـرحمه الله ـ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وابن عباس، وأبو هريرة ـ رضي الله عنهم ـ: "قَطِرِ" بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء "آنٍ" بوزن "عَانٍ" جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، والـ"آنِ" اسم فاعل من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى:
{ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } [الرحمن:44].
وعن عمر ـ رضي الله عنه ـ ليس بالقطران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: "وتلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم".
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّيحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ} قرىء "وتَغَشَّى" بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: "وُجوهُهُم" ونصب "النَّار" على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: "وتَغْشَى" قال أبو البقاءِ: "حال أيضاً".
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى:
{ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ } [الزمر:24] وقوله: { يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } [القمر:48].
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هو القلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله ـ تعالى ـ هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب]:
{ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ } [الهمزة:6، 7] وقال تعالى في الوجه: {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ}.
قوله: {لِيَجْزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} في هذه اللام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق بـ"بَرَزُوا" وعلى هذا فقوله: "وتَرَى" جملة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: "المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه ـ تعالى ـ يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبت من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله ـ تعالى ـ لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى".
ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه.
قوله تعالى: {هَـٰذَا بَلاَغٌ} إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: "ولا تحْسَبنَّ" إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق بـ"بلاغ"، تقديره: لينصحوا ولينذروا].
الثالث: أن الواو مزيدة: "ولِيُنْذَرُوا" متعلق بـ"بَلاغٌ"، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: "ولِيَذَّكَّرَ" فإنه منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: "لِيَذَّكرَ" ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أنه خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: "يُخْرجَ النَّاسَ" في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: "المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي".
قال شهاب الدين: "فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك".
وقرأ العامة: "لِيُنذَرُوا" مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: "ولتُنْذِرُوا" بتاء مضمومة، وكسر الذال ـ كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي "ولِيَنْذَرُوا" بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو كـ"عَسَى"، وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها.
فصل
معنى "لِيُنْذَرُوا" أي: وليخوفوا به {وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله ـ تعالى ـ: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاع، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى:
{ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [إبراهيم:1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} يدلُّ على أنَّه ـ تعالى ـ إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا" .