التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٤
لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٢٥
قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٢٦
ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٢٧
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ
٢٩
وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ
٣٠
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ
٣١
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٣٢
-النحل

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} الآيات.
لمَّا قرر دلائل التوحيد، وأبطل مذاهب عبدة الأصنام، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها.
فالشبهة الأولى: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتجَّ على صحة بعثته بكون القرآن معجزة؛ طعنوا فيه، وقالوا: إنه أساطير الأولين، واختلفوا في هذا القول.
فقيل: هو كلام بعضهم لبعض.
وقيل: قول المسلمين لهم.
وقيل: قول المقتسمين الذين اقتسموا [مكَّة] ومداخل مكة؛ ينفِّرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاجِّ عمَّا أنزل الله على رسوله.
قوله: "مَاذَا" تقدم الكلام عليها أول البقرة.
وقال الزمخشريُّ: "أو مرفوعٌ بالابتداءِ، بمعنى أي شيء أنزله ربُّكم".
قال أبو حيَّان: "وهذا غيرُ جائزٍ عند البصريِّين". يعني: من كونه حذف عائده المنصوب، نحو "زَيْدٌ ضَربْتُ" وقد تقدم خلاف النَّاس في هذا، والصحيح جوازه، والقائم مقام الفاعل، قيل: الجملة من قوله {مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ} لأنها المقولة، والبصريون يأبون ذلك، ويجعلون القائم مقامه ضمير المصدر؛ لأنَّ الجملة لا تكون فاعلة، ولا قائمة مقام الفاعل، و الفاعل المحذوف: إمَّا المؤمنون، وإما بعضهم، وإمَّا المقتسمون.
وقرىء "أسَاطيرَ" بالنصب على تقدير: أنزل أساطير، على سبيل التهكُّم، أو ذكرتم أساطير.
والعامة برفعه على أنَّه خبر مبتدأ مضمر فاحتمل أن يكون التقدير: المنزَّل أساطير على سبيل التَّهكُّم، أو المذكور أساطير، وللزمخشريُّ هنا عبارة [فظيعة].
قوله "لِيَحملُوا" لمَّا حكى شبهتهم قال: "لِيَحْمِلُوا" وفي هذه اللام ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنها لامُ الأمر الجازمة على معنى الحتم عليهم، والصغار الموجب لهم، وعلى هذا فقد تمَّ الكلام عند قوله: "الأوَّلِينَ" ثم استؤنف أمرهم بذلك.
الثاني: أنها لام العاقبة، أي: كان عاقبة [قولهم] ذلك؛ لأنَّهم لم يقولوا أساطير ليحملوا؛ فهو كقوله تعالى:
{ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص: 8].
قال: [الوافر]

3309- لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا للخَرابِ .................

الثالث: أنها للتعليل، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه تعليل مجازي.
قال الزمخشريُّرحمه الله : واللام للتعليل من غير أن تكون غرضاً؛ نحو قولك "خَرجْتُ مِنَ البَلدِ مَخافَةَ الشَّرِّ".
والثاني: أنه تعليلٌ حقيقة.
قال ابن عطيَّة بعد حكاية وجه لامِ العاقبةِ: "ويحتمل أن يكون صريح لام كي؛ على معنى قدِّر هذا؛ لكذا" انتهى.
لكنه لم يعلِّقها بقوله "قَالُوا" إنما قدَّر لها عاملاً، وهو "قدَّر" هذا.
وعلى قول الزمخشري يتعلق بـ "قَالُوا" لأنها ليست لحقيقة العلَّة، و "كَامِلةً" حالٌ، والمعنى لا يخفَّف من عقابهم شيءٌ، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، وهذا يدل على أنَّه - تعالى - قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً للكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفَّار بهذا التكميل فائدة.
قال - صلوات الله وسلامه عليه-:
"أيُّمَا دَاعٍ دَعَى إلى الهُدَى، فاتُّبعَ، كَانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ مَن اتَّبعَهُ لا يَنقصُ مِنْ أجُورِهِمْ شيءٌ، وأيُّمَا داعٍ دَعَى إلى الضَّلالِ فاتُّبعَ؛ كَان عَليْهِ وِزْرُ من اتَّبعَه لا ينقص مِنْ آثامهمْ شيءٌ" .
قوله: {وَمِنْ أوْزَارِ} فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ "مِنْ" مزيدة، وهو قول الأخفش، أي: وأوزار الذين، على معنى: ومثل أوزار؛ كقوله - عليه الصلاة والسلام-:
"كَانَ عَليْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ منْ عَمِلَ بِهَا" .
الثاني: أنها غير مزيدة، وهي للتبعيض، أي: وبعض أوزار الذين، وقدَّر أبو البقاءِ: مفعولاً حذف، وهذه صفته، أي: وأوزار من أوزار، ولا بد من حذف "مثل" أيضاً.
ومنع الواحديُّ أن تكون "مِنْ" للتبعيض، قال: "لأنَّهُ يستلزم تخفيف الأوزار عن الأتباع، وهو غير جائز، لقوله - صلوات الله وسلامه عليه-:
"مِنْ غَيْرِ أن يَنقُصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شيء لكنها للجنس، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع" .
قال أبو حيان: "والتي لبيان الجنس لا تقدَّر هكذا؛ وإنَّما تقدر الأوزار التي هي أوزارُ الذين يضلونهم فهو من حيث المعنى موافق لقول الأخفش، وإن اختلفا في التقدير".
قوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حال وفي صاحبها وجهان:
أحدهما: أنه مفعول "يُضِلُّونَ" أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلالٌ؛ قاله الزمخشريُّ.
والثاني: أنه الفاعل، ورجَّح هذا بأنَّه المحدث عنه، وتقدم الكلام في إعراب نحو: "سَاء مَا يَزرُونَ" وأنَّها قد تجري مجرى بِئْسَ، والمقصود منه المبالغة في الزَّجْرِ.
فإن قيل: إنه - تعالى - حكى هذه الشُّبهة عنهم، ولم يجب عنها، بل اقتصر على محض الوعيد، فما السبب فيه؟.
فالجواب: أنه - تعالى - بين كون القرآن معجزاً بطريقين:
الأول: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - تحدَّاهم تارة بكل القرآن، وتارة بعشر سورٍ، وتارة بسورةٍ واحدةٍ، وتارة بحديثٍ واحدٍ، وعجزوا عن المعارضة؛ وذلك يدل على كون القرآن معجزاً.
الثاني: أنه - تعالى - حكى هذه الشُّبهة بعينها في قوله:
{ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [الفرقان: 5]، وأبطلها بقوله: { قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ } [الفرقان: 6] أي: أنَّ القرآن مشتملٌ على الإخبارِ عن الغيوب، وذلك لا يتأتَّى إلا ممَّن يكون عالماً بأسرار السماوات، والأرض، ولما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين، وتكرر شرحهما مراراً؛ لا جرم اقتصر ههنا على مجرد الوعيد.
قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ذكر هذه الآية مبالغة في وصف أولئك الكفار.
قال بعض المفسرين: المراد بالذين من قبلهم نمرودُ بن كنعان بنى صَرْحاً عظيماً بِبَابلَ طوله خمسة آلافِ ذراع، وعرضه ثلاثة آلافِ ذراع - وقيل: فرسخاً - ورام منه الصُّعودَ إلى السماء؛ ليقاتل أهلها، فَهَبَّتْ ريحٌ وألقت رأسها في البحر، وخرَّ عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصَّرحُ تبلبلت ألسن النَّاس من الفزع يومئذ؛ فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً؛ فلذلك سمِّيت بابل، وكانوا يتكلمون قبل ذلك بالسريانية؛ فذلك قوله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي: قصد تخريب بنيانهم من أصولها.
والصحيح: أنَّ هذا عامٌّ في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضَّرر والمكر بالمحقِّين.
واعلم أنَّ الإتيان ها هنا عبارةٌ عن إتيان العذاب، أي: أنهم لمَّا كفروا؛ أتاهم الله بزلزال تقلقلتْ منها بنيانهم من القواعد، و الأساس؛ والمراد بهذا محض التَّمثيلِ والمعنى: أنَّهم رتبوا منصوباتٍ؛ ليمكروا بها أنبياء الله؛ فجعل هلاكهم مثل قوم بنوا بنياناً، وعمدوه بالأساطين، فانهدم ذلك البناءُ، وسقط السقف عليهم؛ كقولهم: "مَنْ حَفَرَ بِئْراً لأخِيهِ أوْقعَهُ اللهُ فِيهِ".
وقيل: المراد منه ما دل عليه الظاهر.
قوله تعالى: {مِّنَ الْقَوَاعِدِ} "مِن" لابتداءِ الغايةِ، أي: من ناحية القواعد، أي: أتى أمر الله وعذابه.
قوله "مِنْ فَوقِهِمْ" يجوز أن يتعلَّق بـ "خَرَّ"، وتكون "مِن" لابتداءِ الغاية، ويجوز يتعلَّق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من "السَّقف" وهي حال مؤكدة؛ إذ "السَّقفُ" لا يكون تحتهم.
وقيل: ليس قوله: "مِنْ فَوقِهِمْ" تأكيدٌ؛ لأنَّ العرب تقول: "خَرَّ عَليْنَا سَقفٌ، ووقَعَ عَليْنَا حَائِطٌ" إذا كان عليه، وإن لم يقع عليه، فجاء بقوله "مِنْ فَوْقِهِم" ليخرج به هذا الذي في كلام العرب، أي: عليهم وقع، وكانوا تحته فهلكوا.
وهذا غير طائل، والقول بالتوكيد أظهر.
وقرأ العامة: "بُنْيَانَهُمْ"، وقوم: بُنْيَتَهُمْ، وفرقة منهم أبو جعفر: بَيْتَهُم. والضحاك: بُيوتَهُم.
والعامة: "السَّقْفُ" أيضاً مفرداً، وفرقة: بفتح السِّين، وضمِّ القاف بزنة "عَضُد" وهي لغة في "السَّقفِ" ولعلَّها مخففة من المضموم، وكثر استعمال الفرع؛ لخفَّته، كقولهم في لغة تميم "رَجُلٌ" ولا يقولون: رجُلٌ.
وقرأ الأعرج: "السُّقُف" بضمتين، وزيد بن علي: بضم السين، وسكون القاف، وقد تقدم مثل ذلك في قراءة
{ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [النحل: 16] ثم قال: {وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} إن حملنا الكلام على محض التمثيل؛ فالمعنى: أنَّهُمْ اعتمدوا على منصوباتهم، ثم تولَّد البلاء منها بأعيانها، وإن حملناه على الظاهر، فالمعنى: أن السَّقف نزل عليهم بغتة.
ثم بين - تعالى - أن عذابهم لا يكون مقصوراً على هذه القدر، بل الله - تعالى - يخزيهم [يومَ] القيامة، و الخِزْيُ: هو العذاب مع الهوانِ؛ فإنه يقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ}.
قال أبو العبَّاس المقريزيُّ -رحمه الله -: ورد لفظ "الخِزْي" في القرآن على أربعة [معانٍ]:
الأول: بمعنى العذاب؛ كهذه الآية؛ وكقوله تعالى:
{ وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } [الشعراء: 87] أي: لا تُعذِّبني.
الثاني: بمعنى القَتْلِ؛ قال تعالى:
{ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } [البقرة: 85]، أي: القتلُ.
قيل: نزلت في بني قريظة، ومثله:
{ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ } [الحج: 9] أي: فضيحة. قيل: نزلت في النضر بن الحارث.
الثالث: بمعنى الهوان، قال تعالى:
{ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ } [يونس: 98] أي الهوان.
الرابع: بمعنى الفضيحة قال تعالى:
{ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } [آل عمران: 192] أي فضحته، ومثله: { وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } [الشعراء: 87] ومثله: { وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } [هود: 78] ومثله: { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ } [المائدة: 33].
قوله: {أَيْنَ شُرَكَآءِيَ} مبتدأ وخبر، والعامة على "شُركَائِيَ" مدوداً، مهموزاً، مفتوح الياءِ، وفرقة كذلك تسكنها فتسقط وصلاً؛ لالتقاءِ الساكنين، وقرأ البزي - بخلاف عنه - بقصره مفتوح الياء، وقد أنكر جماعة هذه القراءة، وزعموا أنها غير مأخوذ بها؛ لأنَّ قصر الممدود لا يجوز إلاَّ ضرورة.
وتعجب أبو شامة من أبي عمرٍو الدانيِّ، حيث ذكرها في كتابه؛ مع ضعفها، وترك قراءاتٍ شهيرة واضحة.
قال شهاب الدِّين: "وقد روى ابن كثيرٍ - أيضاً - قصر التي في القصص، وروي عنه - أيضاً - قصرُ "وَرائِي" في مريم، وروي عنه أيضاً قَصْرُ:
{ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ } [العلق: 7] في سورة العلق، فقد روى عنه قصر بعض الممدودات، فلا يبعد رواية ذلك هنا عنه".
وبالجملة: قصر الممدود ضعيفٌ؛ ذكره غير واحدٍ؛ لكن لا يصلُ به على حدِّ الضرورة.
قوله: "تُشَاقُّون" قرأ نافع: بكسر النن خفيفة، والأصل: تُشاقُّونِّي فحذفها مجتزئاً عنها بالكسرة.
والباقون: بفتحها، خفيفة، ومفعوله محذوف، أي: تشاقُّون المؤمنين، أو تشاقُّون الله؛ بدليل القراءة الأولى.
وضعَّف أبو حاتم هذه القراءة؛ أعني: قراءة نافع، وقرأت فرقة: بتشديدها مكسورة، والأصل: تُشَاقُّوننِي؛ فأدغم، وقد تقدم تفصيل ذلك في:
{ أَتُحَاجُّوۤنِّي } [الأنعام: 80] و { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [الحجر: 54] وسيأتي في قوله تعالى: { أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوۤنِّيۤ } [الزمر: 64].
فصل
قال الزجاج: قوله {أَيْنَ شُرَكَآءِيَ}، أي: في زعمكم، واعتقادكم، ونظيره:
{ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } [الأنعام: 22] وحسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سببٍ؛ كما يقال لمن يحمل خشبة: "خُذْ طَرفَكَ، وآخُذُ طَرفِي" فأضاف الطَّرفَ إليهِ.
ومعنى "تُشَاقُّونَ" أي: تعادون، وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، والمشاقَّة: عبارة عن كون أحد الخصمين في شقٍّ، والخصم الآخر في الشق الآخر.
ثم قال تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} قال ابن عباسٍ: يريد الملائكة، وقال آخرون: هم المؤمنون الذين يقولون حين يرون خزي الكفار في القيامة: {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ} العذاب {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} وفائدة هذا الكلام: أنَّ الكفار كانوا يتكبَّرون على المؤمنين في الدنيا، فإذا ذكر المؤمنون هذا الكلام يوم القيامة؛ كان هذا الكلام في إيذاء الكفار أكمل وحصول الشماتة أقوى.
فصل في احتجاج المرجئة بالآية
احتج المرجئة بهذه الآية على أنَّ العذاب مختصٌّ بالكافرين، [قالوا:] فإن قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ} في يوم القيامة مختص بالكافرين، ويؤكد هذا قول موسى - عليه السلام-:
{ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } [طه: 48].
قوله: "اليَوْمَ" منصوب بـ "الخِزْيَ" وعمل المصدر فيه "ألْ" وقيل: هو منصوب بالاستقرار في {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} إلاَّ أنَّ فيه فصلاً بالمعطوف بين العامل ومعموله؛ واغتفر ذلك؛ لأنهم يتوسَّعون في الظروف.
قوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ} يجوز أن يكون الموصول مجرور المحلِّ؛ نعتاً لما قبله، أو بدلاً منه، أو بياناً له، وأن يكون منصوباً على الذم أو مرفوعاً عليه، أو مرفوعاً بالابتداء، والخبر قوله {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} والفاء مزيدة في الخبر؛ قاله ابن عطية.
وهذا لا يجيء إلاَّ على رأي الأخفش؛ في إجازته زيادة الفاء في الخبر مطلقاً؛ نحو: "زيْدٌ فقامَ"، أي: قام، ولا يتوهم أنَّ هذه الفاء هي التي تدخل مع الموصول المضمَّن معنى الشَّرط؛ لأنَّه لو صرَّح بهذا الفعل مع أداة الشرط، لم يجز دخول الفاء عليه؛ فما ضمِّن معناه أولى بالمنع؛ كذا قاله أبو حيان، وهو ظاهر.
وعلى الأقوالِ المتقدمة، خلا القول الأخير يكون "الَّذينَ" وصلته داخلاً في القول، وعلى القول الأخير، لا يكون داخلاً فيه، وقرأ "يَتوفَّاهُمُ" بالياءِ في الموضعين حمزة، والباقون: بالتاء من فوق؛ وهما واضحتان مما تقدم في قوله:
{ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ } [آل عمران: 39] وناداه، وقرأت فرقة: بإدغام إحدى التاءين في الأخرى، وفي مصحف عبد الله: "تَوفَّاهمُ" بتاء واحدة، وهي محتملة للقراءةِ بالتشديد على الإدغام، وبالتخفيف على حذف إحدى التَّاءين.
و {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} حالٌ من مفعولٍ "تَتوفَّاهُمُ"، و "تَتوفَّاهُمُ" يجوز أن يكون مستقبلاً على بابه؛ إن كان القول واقعاً في الدنيا، وإن كان ماضياً على حكاية الحال إن كان واقعاً يوم القيامةِ.
قوله "فألْقوا" يجوز فيه أوجهٌ:
أحدها: أنه خبر الموصول، وقد تقدم فساده.
الثاني: أن يكون عطفاً على "قَالَ الَّذِينَ".
الثالث: أن يكون مستأنفاً، والكلام قد تمَّ عند قوله: "أنْفُسهمْ" ثمَّ عاد بقوله: "فألْقَوا" إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة؛ فعلى هذا يكون قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} إلى قوله "أنْفُسهِمْ" جملة اعتراضٍ.
الرابع: أن يكون معطوفاً على "تَتوفَّاهُم" قاله أبو البقاءِ.
وهذا إنَّما يتمشى على أنَّ "تَتوفَّاهُم" بمعنى المضيِّ؛ ولذلك لم يذكر أبو البقاء في "تَتوفَّاهُم" سواه. قوله {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} فيه أوجهٌ:
أحدها: أن يكون تفسيراً للسلم الذي ألقوه؛ لأنَّه بمعنى القول؛ بدليل الآية الأخرى:
{ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ } [النحل: 86] قاله أبو البقاء، ولو قال: يُحْكى بما هو بمعنى القول؛ لكان أوفق لمذهبِ الكوفيِّين.
الثاني: أن يكون منصوباً بقولٍ مضمرٍ، ذلك القول منصوبٌ على الحالِ، أي: فألقوا السَّلم قائلين ذلك.
و "مِنْ سُوءٍ" مفعول "نَعْملُ" زيدت فيه "مِنْ"، و "بَلَى" جوابٌ لـ "مَا كُنَّا نعمل" فهو إيجابٌ له.
فصل
قال ابن عباس رضي الله عنه: استسلموا، وأقرُّوا لله بالعبودية عند الموت، وقالوا {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}، والمراد من هذا السوء الشِّرك، فقالت الملائكة تكذيباً لهم {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من التكذيب، والشرك، وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} ثم عاد إلى حكايةِ كلام المشركين إلى يوم القيامة، والمعنى: أنَّهم يوم القيامة ألقوا السَّلم؛ وقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} على سبيل الكذب، ثمَّ ههنا اختلفوا: فالذين جوَّزوا الكذب على أهلِ القيامة قالوا: إنَّ قولهم: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ} لغاية الخوف، والَّذينَ لم يجوِّزوا الكذب عليهم قالوا: المعنى: ما كنَّا نعمل مِنْ سُوءٍ عند أنفسنا وفي اعتقادنا، وقد تقدَّم الكلام في قوله الأنعام:
{ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23] هل يجوز الكذب على أهل القيامة، أم لا؟.
وقوله: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يحتمل أن يكون من كلام الله أو بعض الملائكة.
ثم يقال لهم: {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} وهذا يدلُّ على تفاوت منازلهم في العقاب، وصرَّح بذكر الخلود؛ ليكون الغمُّ [والحزن] أعظم.
قوله: "فَلَبِئْسَ" هذه لام التأكيد؛ وإنما دخلت على الماضي لجموده وقربه من الأسماء، والمخصوص بالذم محذوفٌ، أي: جهنَّم.
قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} الآية.
لما بين أحوال الكافرين، أتبعه ببيان أحوال المؤمنين.
قال القاضي [المتقي هو:] تارك جميع المحرَّمات وفاعل جميع الواجبات.
وقال غيره: المتَّقي: هو الذي يتَّقي الشرك.
قوله: "خَيْراً" العامة على نصبه، أي: أنزل خيراً.
قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: لِمَ رفع "أسَاطِيرُ الأولين" ونصب هذا؟.
قلت: فصلاً بين جواب المقر، وجواب الجاحد، يعني: أنَّ هؤلاء لما سئلوا لم يَتَلعْثَمُوا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيِّناً مكشوفاً مفعولاً للإنزال فـ "قَالُوا خَيْراً" أي: أنزل خيراً وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأوَّلين، وليس هو من الإنزال في شيءٍ".
وقرأ زيد بن عليٍّ: "خَيْرٌ" بالرفع، أي: المُنزَّلُ خيرٌ، وهي مُؤيِّدة لجعل "مَاذَا" موصولة، وهو الأحسن؛ لمطابقة الجواب لسؤاله، وإن كان العكس جائزاً، وقد تقدم تحقيقه في البقرة.
قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} هذه الجملة يجوز فيها أوجه:
أحدها: أن تكون منقطعة عما قبلها استئناف إخبار بذلك.
الثاني: أنَّها بدلٌ من "خَيْراً". قال الزمخشري: "هو بدلٌ من "خَيْراً"؛ حكاية لقول "الَّذينَ اتَّقوا"، أي: قالوا هذا القول فقدَّم تسميته خبراً ثمَّ حكاه".
الثالث: أنَّ هذه الجملة تفسير لقوله: "خَيْراً"، وذلك أنَّ الخير هو الوحيُ الذي أنزل الله فيه: من أحسن في الدنيا بالطاعةِ؛ فله حسنةٌ في الدنيا، وحسنةٌ في الآخرة.
وقوله: {فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا} الظاهر تعلقه بـ "أحْسَنُوا"، أي: أوقعوا الحسنة في دار الدنيا، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنَّه حكاية حالٍ من "حَسنةً"، إذ لو تأخر؛ لكان صفة لها، ويضعف تعلقه بها نفسها؛ لتقدمه عليها.
فصل
قال المفسرون: إنَّ أحياء من العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء [سائل] المشركين الذين قعدوا على الطريق عن محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه - فيقولون: ساحر، وكاهن، وشاعر وكذاب، كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي المؤمنين فيسألهم عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه؛ فيقولون "خَيْراً"، أي أنزل خيراً، ثم ابتدأ فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي كرامة من الله.
قال ابن عباسٍ - رضي الله عنه-: هي تضعيفُ الأجر إلى العشرة. وقال الضحاك: هي النصرة والفتح. وقال مجاهدٌ: هي الرزقُ الحسن، ويحتمل أن يكون الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خيرٌ.
وقولهم "خَيْراً" جامع لكونه حقاً وصواباً، ولكونهم معترفين بصحته، ولزومه وهذا بالضدِّ من قول الذين لا يؤمنون: إن ذلك أساطير الأولين. وتقدم الكلام على "خَيْرٌ" في سورة الأنعام في قوله تعالى:
{ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ } [الأنعام: 32].
ثم قال تعالى: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ}، أي ولنعم دار المتقين دارُ الآخرة فحذفت؛ لسبق ذكرها.
هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن وصلتها بما بعدها قلت: {وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ} برفع "جَنَّاتُ" على أنها اسم لـ "نِعْمَ" كما تقول: نِعْمَ الدَّارُ دَارٌ يَنْزلُهَا زَيْدٌ.
قوله {جَنَّاتُ عَدْنٍ} يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح؛ فيجيء فيها ثلاثة أوجهٍ:
رفعها بالابتداءِ، والجملة المتقدمة خبرها.
أو رفعها بالابتداءِ، والخبر محذوف؛ وهو أضعفها، وقد تقدم تحقيق ذلك.
ويجوز أن يكون "جَنَّاتُ عَدنٍ" خبر مبتدإ مضمرٍ لا على ما تقدم، بل يكون المخصوص [بالمدح] محذوفاً؛ تقديره: ولنعم دارُ المتقين دارهم هي جنات.
وقدره الزمخشري: {ولنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ دَارُ الآخرةِ} ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر جملة، من قوله "يَدْخُلونهَا" ويجوز أن يكون الخبر مضمراً، تقديره: لهم جنَّات عدنٍ، ودلَّ على ذلك قوله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ}.
والعامة على رفع "جَنَّات" على ما تقدم، وقرأ زيد بن ثابت، والسلميُّ "جَنَّاتِ" نصباً على الاشتغالِ بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: بدخُلونَ جنَّاتِ عدْنٍ يَدخُلونهَا، وهذا يقوي أن يكون "جَنَّاتُ" مبتدأ، و "يَدْخُلونهَا" الخبر في قراءةِ العامَّة، وقرأ زيد بن عليٍّ: "ولنِعْمَتْ" بتاءِ التأنيث، مرفوعة بالابتداء و "دَارِ" خفض بالإضافة، فيكون "نِعْمَت" مبتدأ و "جَنَّات عَدْنٍ" الخبر. و "يدخلونها" في جميع ذلك نصب على الحال، إلا إذا جعلناه خبراً لـ "جنات"، وقرأ نافع في رواية: "يُدخَلُونهَا" بالياء من تحت؛ مبنياً للمفعول.
وقرأ أبو عبد الرحمن: "تَدْخُلونهَا" بتاء الخطاب مبنياً للفاعل.
قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} يجوز أن يكون منصوباً على الحال من "جَنَّاتُ" قاله ابن عطيَّة، وأن يكون في موضع الصفة لـ "جنَّات" قاله الحوفيُّ، والوجهان مبنيَّان على القول في "عَدْنٍ" هل هي معرفة؛ لكونه علماً، أو نكرة؟ فقائل الحال: لحظ الأول، وقائل النَّعتِ: لحظ الثاني.
قوله: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} الكلام في هذه الجملة، كالكلام في الجملة قبلها، والخبر إمَّا "لَهُمْ" وإمَّا "فِيهَا".
قوله: "كَذلِكَ" الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر؛ أو نعتاً لمصدرٍ مقدَّر، أو في محل رفع خبر المبتدأ مضمر، أي: الأمر كذلك و {يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} مستأنف.
فصل
قال الحسن: دار المتقين هي الدُّنيَا؛ لأنَّ أهل التَّقوى يتزوَّدون فيها للآخرة.
وقال أكثرُ المفسرين: هي الجنَّة، ثم فسرها فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} فقوله "جَنَّاتُ عدْنٍ" يدلُّ على القصور، والبساتين، وقوله: "عَدْنٍ" يدل على الدَّوامِ، وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها، والأنهار جارية من تحتهم، {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} من كلِّ الخيراتِ، {كَذَٰلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: هذا جزاء التَّقوى.
ثم وصف المتقين فقال: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ} وهذا مقابلٌ لقوله
{ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } [النحل: 28].
وقوله: "طَيِّبِينَ" كلمة مختصرة جامعة لمعان كثيرة؛ فيدخل فيها إتيانهم بالمأموراتِ، واجتنابهم عن المنهيات، واتصافهم بالأخلاق الفاضلة، وبراءتهم عن الأخلاق المذمومة.
وأكثر المفسرين يقول: إن هذا التَّوفي قبض الأرواح.
وقال الحسن: إنه وفاةُ الحشر؛ لقوله بعد {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} واحتج الأولون بأن الملائكة لما بشروهم بالجنة، صارت الجنة كأنها دارهم، فيكون المراد بقوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} أي: خاصة لكم، "يَقُولونَ" يعني الملائكة: "سَلامٌ عَلَيْكُم" وقيل: يُبلِّغونَهم سلام الله.
قوله: {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ} يحتمل ما ذكرناه فيما تقدم، وإذا جعلنا "يَقُولون" خبراً فلا بدَّ من عائدٍ محذوفٍ، أي: يقولون لهم، وإذا لم نجعله خبراً، كان حالاً من الملائكة؛ فيكون "طَيِّبينَ" حالاً من المفعول، و "يَقُولُونَ" حالاً من الفاعل، وهي يجوز أن تكون حالاً مقارنة، أي: كان القول واقعاً في الدنيا، ومقدرة إن كان واقعاً في الآخرة.
ومعنى "طَيِّبينَ"، أي ظاهرين من الشرك، وقيل: صالحين، وقيل: زاكية أعمالهم وأقوالهم، وقيل: طيِّبي الأنفس؛ ثقة بما يلقونه من ثواب الله - تعالى - وقيل: طيبة نفوسهم، بالرجوع إلى الله، وقيل: طيِّبين، أي: يكون وفاتهم طيبة سهلة.
و "ما" في "بِمَا" مصدرية، أو بمعنى الذي؛ فالعائد محذوف.