التفاسير

< >
عرض

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً
٥٩
إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً
٦٠
جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً
٦١
لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً
٦٢
تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً
٦٣
-مريم

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} الآية.
لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذكر بعدهم من بالضد منهم، فقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هؤلاء الأنبياء "خَلْفٌ" من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - والخَلَف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، وفي الحديث:
"في الله خلفٌ من كل هالك" وفي الشعر:

3610- ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

قال السديُّ: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة. "أضاعُوا الصَّلاة" تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. "واتَّبعُوا الشَّهواتِ" قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. {فَسَوْفَ يلقَوْنَ غيًّا} قال وهب وابن عباس وعطاء وكعب: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره.
وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: "غَيًّا": خسراناً. وقيل: هلاكاً وقيل: عذاباً، ونقل الأخفش أنه قرىء "يُلَقَّوْنَ" بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقَّاه مضاعفاً. وقوله: "يَلْقَوْنَ" ليس معناه "يرون" فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: {إلاَّ من تَابَ} فيه وجهان:
أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار.
وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة "الصلوات" جمعاً.
وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن "يُدْخَلُونَ" مبنيًّا للمفعول.
فصل
"احتجوا" بقوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه.
أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما.
وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك في هذه الصورة.
ولما بيَّن وعيد من لم يتب بيَّن أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة ولا يلحقهم ظلم.
وهنا سؤالان:
السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بُدَّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح.
والجواب: أن هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب.
السؤال الثاني: قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} يدل على أن الثواب مستحق بالعمل لا بالتفضّل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد.
وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه.
قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} العامة على كسر التاء نصباً على أنها بدل من "الجنة". وعلى هذه القراءة يكون قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} فيه وجهان:
أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه.
والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان.
وفيه نظر من حيث إن المضارع المنفي بـ "لا" كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال.
وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: "جَنَّات" بالرفع وفيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن.
والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها "الَّتي وَعدَ".
وقرأ الحسن بن حيّ، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية "جنَّة عدنٍ" نصباً مفرداً. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، "جَنَّةُ" رفعاً "مفرداً". وتخريجها واضح مما تقدم.
قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك القاعة والعلالي، و "عَدْن" معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى مجرى العدن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأنَّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها بـ "التي".
قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدناً علم لمعنى العدن. فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها بـ "التي"، فلا يتعين كون "التي" صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً.
قال شهاب الدين: إن "التي" صفة، والتمسك بهذا الظاهر كافٍ وأيضاً: فإن الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما في معناه.
قوله: "بالغَيْبِ" فيه وجهان:
أحدهما: أن الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان:
أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها.
والثاني: أن يكون هو "عِبَادَهُ"، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه.
والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان "به".
قوله: "إنَّهُ كَانَ". يجوز في هذا الضمير وجهان:
أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على "الرحمن" أي: إن الرحمن كان وعده مأتياً.
والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم.
وعلى الأول يجوز أن يكون في "كان" ضمير هو اسمها يعود على الله - تعالى - و "وَعْدُهُ" بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و "مَأتيًّا" خبرها.
ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة لـ "وعده" و "مأتياً" الخبر أيضاً.
وهو نظير: إن زيداً كان أبوه منطلقاً.
و "مأتيًّا" فيه وجهان:
أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير.
وقيل: الوعد مصدر على بابه، و "مأتيا" مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في "مأتيا" مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها، أو هو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً.
وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته.
والمقصود من قوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} بيان أن وعده تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في القلوب.
قوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً}. اللغو من الكلام: ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله:
{ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً } [الغاشية: 11]. وقال مقاتل: هي اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله: { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً } [الفرقان: 72]، وقوله: { وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ } [القصص: 55] الآية.
أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله:

3611- وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ

الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع.
الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره.
وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعدّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله:
{ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } [الدخان: 56].
قوله: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فيه سؤالان:
السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة.
والجواب من وجهين:
الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك.
الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين.
السؤال الثاني: قال تعالى:
{ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } وقال عليه السلام: "لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً" .
والبكرة والعشيّ لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء.
والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها.
وقيل: إنهم يغرفون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب.
وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا.
قوله: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ} صحت الإشارة بـ "تِلْكَ" إلى "الجَنَّة" لأنها غائبة.
وقرأ الأعمش: "نورثها" بإبراز عائد الموصول.
وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: "نُوَرِّثُ" بفتح الواو وتشديد الراء من ورَّث مضعفاً، وقوله: "نُورث" استعارة، أي: نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثاً، قاله الحسن.
المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات.
قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقياً، والفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك.
وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضاً: فصاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق)، لأن المتقي جزء مفهوم قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متقٍ، وجب أن) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.