التفاسير

< >
عرض

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٠٦
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

اعلم أن المشركين طعنوا في الإسلام قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً، وغداً يرجع عنه، كما قال تعالى { وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ } [النحل:101] فنزلت هذه الآية.
فى "ما" قولان:
أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أنها مفعول مقدم لـ "ننسخ"، وهي شرطية أيضاً جازمة لـ "ننسخ" ولكنها واقعة موصع المصدر، و "من آية" هو المفعول به، والتقدير: أي شيء ننسخ كقوله:
{ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ } [الإسراء:110]، أو: أيَّ نَسْخ نَنْسَخ من آية، قاله أبو البقاء وغيره، وقالوا: مجيء "ما" مصدراً جائز؛ وأنشدوا: [الكامل]

726ـ نَعَبَ الغُرَابُ فَقُلْتُ بَيْنٌ عَاجِلٌ ما شِئْتَ إذْ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فَانْعَبِ

ورد هذا القول بشيئين:
أحدهما: أنه يلزم خلوّ جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط، وهو غير جائز، لما تقدم عند قوله:
{ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ } [البقرة:97].
والثاني: أن "مِنْ" لا تزاد في الموجب، والشرط موجب، [وهذا فيه خلاف لبعض] البصريين أجاز زيادتها في الشرط؛ لأنه يشبه النفي، ولكنه خلاف ضعيف.
وقرأ ابن عامر: "نُنْسِخْ" بضم النون، وكسر السين من "أنسخ".
قال أبو حاتم: "هو غلط" وهذه جُرْأة منه على عادته.
وقال أبو علي: "ليست لغة"؛ لأنه لا يقال: نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي للتعدية؛ لأن المعنى يجيء: ما نكتب من آية، وما ننزل من آية، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً، وليس الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى: ما نَجِدْه منسوخاً كما يقال: أحمدته وأبخلته، أي: وجدته كذلك، ثم قال: "وليس نجده منسوخاً إلاّ بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى، وإن اختلفتا في اللفظ".
فالهمزة عنده ليست للتعدية. وجعل الزمخشري، وابن عطية الهمزة للتعدية، إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعول الأول المحذوف، وفي معنى الإنساخ، فجعل الزمخشري المفعول المحذوف جبريل عليه السّلام، والإنساخ هو الأمر بنسخها، أي: الإعلام به.
وجعل ابن عطية المفعول ضمير النبي عليه السلام، والإنساخ إباحة النَّسْخ لنبيه، كأنه لما نسخها أباح له تركها، فسمى تلك الإباحة إنساخاً.
وخرج ابن عطية القراءة على كون الهمزة للتعدية من وجه آخر، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له.
قال: ويكون المعنى: ما نكتب وننزل من اللَّوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه، ونتركه فلا ننزله، أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في "منها" و "بمثلها" عائدين على الضمير في "نَنسَأْهَا".
قال أبو حيان: وذهل عن القاعدة، هي أنه لا بد من ضمير يعود من الجزاء على اسم الشرط، و "ما" في قوله: "ما ننسخ" شرطية، وقوله: "أو ننسأها" عائد على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها من حيث اللفظ والمعنى، بل إنما يعود عليها من حيث اللفظ فقط نحو: عندي درهم ونصفه، فهو في الحقيقة على إضمار "ما" الشرطية، التقدير: أو ما ننسأ من آية ضرورة أن المنسوخ غير المنسوء، ولكن يبقى قوله: ما ننسخ من آية مفلتاً من الجواب؛ إذ لا رابط يعود منه إليه، فبطل هذا المعنى الذي قاله.
والنسخ في اللغة هو الإزالة من غير بدل يعقبه، يقال: نسخت الرِّيح الأثر، والشمسُ الظِّلَّ، وقال القَفَّال: "إنه للنقل والتحويل"، ومنه: نسخت الكتاب: إذا نقلته، وتناسخ الأرواح، وتناسخت القرون.
وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً من الأول.
دليل الأول أنه إذا نسخ الأثر والظّل، فهو إعدامه؛ لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه.
وقال تعالى:
{ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ } [الحج:52] أي: فيزيله ويبطله، والأصل في الكلام الحقيقة. وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب ألاَّ يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك.
فإن قيل: الريح والشمس ليسا مزيلين للأثر والظل في الحقيقة، وإنما المزيل في الحقيقة هو الله ـ تعالى ـ وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله، ثم نعارض ما ذكرتموه، [ويقال]: النسخ هو النقل والتحويل، [ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر، كأنه ينقله إليه، أو ينقل حكايته] كما قلنا في نسخ الكتاب والأرواح والقُرون والمواريث، فإنه تحويل من واحد إلى آخر.
وإذا كان كذلك فيكون حقيقة في النقل مَجَاز في الإبطال دفعاً للاشتراك.
[وأجيب] عن الأول من وجهين:
أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله ـ تعالى ـ هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح والمؤثرتين في تلك الإزالة، ويكونان ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير.
والثاني: أن أهل اللغة إنما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، فَهَبْ أنه كذلك، لكن تمسكنا بإطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لإسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس.
وعن الثاني: أن النقل أخصّ من الإبطال، لأنه حيث وجد النقل، فقد عدمت صفة، وحصل عقيبها صفة أخرى، فإن مطلق العدم أهم من عدمه يحصل عقيبه شيء آخر، وإذا دار اللَّفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى. وقال آخر: [والنسخ: الإزالة، وهو في اللغة على ضربين:
ضرب فيه إزالة شيء وإقامة غيره مقامه نحو: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته وقامت مقامه.
والثاني: أن يزيله كما تزيل الريح الأثر].
قوله: "مِنْ آيَةٍ"من" للتبعيض، فهي متعلقة بمحذوف؛ لأنها صفة لاسم الشرط، ويضعف جعلها حالاً، والمعنى: أي شيء ننسخ من الآيات، فـ "آية:" مفرد وقع موقع الجمع، وكذلك تخريج كل ما جاء من هذا التركيب:
{ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } [فاطر:2] { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } [النحل:53]، وهذا المجرور هو المخصص والمبين لاسم الشرط؛ وذلك أن فيه إبْهَاماً من جهة عمومه، ألا ترى أنك لو قلت: "من يكرم أكرم" تناول النساء والرجال. فإذا قلت: "من الرجال" بيّنت وخصّصت ما تناوله اسم الشرط.
وأجاز أبو البقاء ـرحمه الله تعالى ـ فيها وجهين آخرين:
أحدهما: أنها في موضع نصب على التمييز، والمُمَيَّز "ما" والتقدير: أيَّ شيء ننسخ، قال: ولا يحسن أن تقدر: أي آية ننسخ، لأنك لا تجمع بين "آية"، وبين المميز بآية، لا تقول: أي آية ننسخ من آية، يعني أنك لو قدرت ذلك لاستغنيت عن التمييز.
والثاني: أنها زائدة و "آية" حال، والمعنى: أي شيء ننسخ قليلاً أو كثيراً، وقد جاءت "آية" حالاً في قوله:
{ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً } [الأعراف:73] أي: "علامة" وهذا فاسد؛ لأن الحال لا تجر بـ "من"، وقد تقدم أنه مفعول بها، و "من" زائدة على القول بجعل "ما" واقعة موقع المصدر، فهذه أربعة أوجه.
قوله تعالى: "أوْ نُنْسِهَا"أو" [هنا للتقسيم]، و "نُنْسِهَا" مجزوم عطفاً على فعل الشرط قبله.
وفيها ثلاث عشرة قراءة: "نَنْسَأَهَا" بفتح حرف المضارعةن وسكون النون، وفتح السين مع الهمزة، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير.
الثانية: كذلك إلا أنه بغير همز، ذكرها أبو عبيد البكري عن سعد بن أبي وَقّاص رضي الله عنه.
قال ابن عطية: "وأراه وهم".
الثالثة: "تَنْسَها" بفتح التاء التي للخطاب، بعدها نون ساكنة وسين مفتوحة من غير همز، وهي قراءة الحسن، وتروى عن ابن أبي وقاص، فقيل لسعد بن أبي وقاص: "إن سعيد بن المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال: إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على ابن المسيب" وتلا:
{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } [الأعلى:6] { وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [الكهف:24] يعني سعد بذلك أن نسبة النسيان إليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ موجودة في كتاب الله، فهذا مثله.
الرابعة: كذلك إلا أنه بالهمز.
الخامسة: كذلك إلا أنه بضم التاء، وهي قراءة أبي حيوة.
السادسة: كذلك إلا أنه بغير همز، وهي قراءة سعيد ابن المسيب.
السابعة: "نُنْسِهَا" بضم حرف المضارعة وسكون النون وكسر السين من غير همز، وهي قراءة باقي السبعة.
الثامنة: كذلك إلا أنه بالهمزة.
التاسعة: نُنَسِّها بضم حرف المضارعة وفتح النون وكسر السين [مشددة، وهي قراءة الضَّحاك، وأبي رجاء.
العاشرة: "نُنْسِك"، بضمّ حرف المضارعة، وسكون النون، وكسر السين، وكاف بعدها للخطاب.
الحادية عشرة:] كذلك إلا أنه بفتح النون الثانية، وتشديد السين مكسورة، وتروى عن الضحاك، وأبي رجاء أيضاً.
الثانية عشرة: كذلك إلاَّ أنه بزيادة ضمير الآية بعد الكاف "نُنَسِّكَها" وهي قراءة حذيفة، وكذلك هي في مصحف سالم مولاه.
الثالثة عشرة: "ما نُنْسِك من آية أو نَنْسَخْها فَجِىءْ بمثلها" وهي قراءة الأعمش، وهكذا ثبت في مصحف عبد الله.
فأما قراءة الهَمْز على اختلاف وجوهها، فمعناها التأخير من قولهم: نَنَسأَ الله، وأنسأ الله في أَجَلك أي: أَخَّرَهُ، وبِعْتُه نَسِيئَةً أي متأخراً.
وتقول العرب: نَسَأْت الإبل عن الحوض أنْسَؤُهَا نَسْئاً، وأنسأ الإبل: إذا أخرها عن ورودها يومين فأكثر، فمعنى الآية على هذا فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: نؤخر نسخها، ونزولها، وهو قول عطاء.
الثاني: نمحها لفظاً وحكماً، وهو قول ابن زيد.
الثالث: نُمضها فلا نَنْسَخْها، وهو قول أبي عبيد، [قال الشاعر: [الطويل]

727ـ أَمُونٍ كَألوَاحِ الإِرَانِ نَسَأْتُهَا عَلَى لاَحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ]

وهو ضعيف لقوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا}؛ لأن ما أُمْضِي وأُقِرَّ لا يقال فيه: فَأْت بخير منه.
وأما قراءة غير الهمز على اختلاف وجوهها أيضاً ففيها احتمالان:
أظهرهما: أنها من النِّسْيَان، وحينئذ يحتمل أن يكون المراد به في بعض القراءات ضدّ الذكر، وفي بعضها الترك.
فإن قيل: وقوع هذا النسيان [يتمنع] عقلاً ونقلاً.
أما العقل فلأن القرآن لا بدّ من انتقاله إلى أهل التواتر، والنيسان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع.
وأما النقل فلقوله تعالى:
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر:9].
والجواب عن الأول من وجهين:
الأول: أن النسيان يصح بأن يأمر الله ـ تعالى ـ بطرحه من القرآن، وإخراجه من جلمة ما يتلى، ويؤتى به في الصَّلاة ويحتج به، فإذا زال حكم التعبُّد به قال: العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فيصير لهذا الوجه منسياً من الصدور، وأيضاً روي: أنهم كانوا يقرءون السورة، فيصبحون وقد نسوها. وعن الثاني أنه معارض بقوله تعالى:
{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ } [الأعلى:6 ـ 7] وبقوله: { وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [الكهف:24].
والثاني: أن أصله الهمز من النَّسِيء، وهو التأخير، إلا أنه أبدل من الهمزة ألف فحينئذ تتحد القراءتان.
ثم من قرأ من القراء: "ننساها" من الثلاثي فواضح.
وأما من قرأ منهم من "أَفْعَل"، وهم نافع وابن عامر والكوفيون، فمعناه عندهم: "نُنْسِكها"، أي: نجعلك ناسياً لها، أو يكون المعنى نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء، أي: أمرته بتركه، ونَسِيتُهُ: تَرَكْتُهُ؛ وأنشدوا: [الرجز]

728ـ إنَّ عَلَيَّ عُقْبَةً أَقْضِيهَا لَسْتُ بِنَاسِيهَا وَلاَ مُنْسِيهَا

أي: لا تاركها ولا آمراً بتركها.
وقال الزجاج: "هذه القراءة لا يتوجّه فيها معنى الترك، لا يقال: أنسى بمعنى ترك".
قال الفارسي وغيره: "ذلك متّجه؛ لأنه بمعنى نجعلك تتركها"، وضعف الزجاج أيضاً تحمل الآية على معنى النسيان ضد الذكر وقال: إن هذا لم يكن له ـ عليه السلام ـ ولا نسي قرآناً.
[بدليل] قوله تعالى:
{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [الإسراء:86]، أي: لم نفعل شيئاً من ذلك.
وأجاب الفارسي بأن معناه لم نذهب بالجميع.
قوله تعالى: "نَأْتِ" هو جواب الشرط، وجاء فعل الشرط والجزاء مضارعين، وهذا التركيب أفصح التراكيب، أعني: مجيئهما مضارعين.
قوله: "بِخَيْرٍ مِنْهَا" متعلّق بـ "نَأْتِ"، وفي "خير" هنا قولان:
الظاهر منهما: أنها على بابها من كونها للتفضيل، وذلك أن الآتي به إن كان أخفّ من المنسوخ، أو المنسوء، فخيريته بالنسبة إلى سقوط أعباء التكليف، وإن كان أثقل فخيرته بالنسبة إلى زيادة الثواب. وقوله تعالى: "أو مثلها" أي: في التكليف والثواب، وهذا واضح.
والثاني: أن "خيراً" هنا مصدراً، وليس من التفضيل في شيء، وإنما هو خير من الخُيُور، كخير في قوله:
{ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ } [البقرة:105] و "من" لابتداء الغاية، والجار والمجرور صفة لقوله "خير" أي: خير صادر من جهتها، والمعنى عند هؤلاء: ما ننسخ من آية أو نؤخّرها نَأْت بخير من الخيور من جهة المَنْسوخ أو المنسوء.
وهذا بعيد جدّاً لقوله بعد ذلك: "أوْ مِثْلِهَا" فإنه لا يصح عطفه على "بخير" على هذا المعنى، اللَّهم إلا أن يقصد بالخير عدم التكليف، فيكون المعنى: نأت بخير من الخُيُور، وهو عدم التكليف، أو نأت بمثل المنسوخ أو المنسوء. وأما عطف "مثلها" على الضمير في "منها"، فلا يجوز إلاَّ عند الحكوفيين لعدم إعادة الخافض. وقوله: "مَا نَنْسَخْ" فيه التفات من غَيْبة إلى تكلم، ألا ترى أن قبلة "وَاللهُ يَخْتَصُّ"واللهُ ذُو الفَضْلِ".
فصل في بيان معنى النسخ
قال ابن الخطيب: الناسخ عبارة عن طريق شرعي يدلّ على إزالة الحكم الذي كان ثابتاً بطريق شرعي.
والنسخ جائز عقلاً واقع سمعاً، ومن اليهود من أنكره عقلاً، ومنهم من جَوّزه عقلاً، ومنع منه سمعاً.
ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ.
واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه؛ لأن الدلائل دلّت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصحّ إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنَّسْخِ.
على اليهود إلزامان.
الأول: جاء في التوراة أن الله ـ تعالى ـ قال لنوح ـ عليه الصلاة والسلام، عند خروجه من الفلك: "إني جعلت كل دابة مأكلاً لك، ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب وما خلا الدّم فلا تأكلوه".
ثم إنه ـ تعالى ـ حرم على موسى، وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان.
الثاني: كان آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ يزوج الأخت من الأخ، وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه الصلاة والسلام وعلى غيره.
قال منكرو النَّسخ: لا نسلم أن نبوة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا تصح إلاَّ مع القول بالنسخ، لأن من الجائز أن يقال: إن موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ [أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم بعد ذلك أمر النَّاس باتّباع محمد عليه الصلاة السلام، فعند ظهور شرع محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ زال التكليف بشرعهما، وحصل التكليف بشرع محمد ـ عليه الصلاة السلام ـ لكنه] لا يكون ذلك نَسْخاً، بل جارياً مجرى قوله تعالى:
{ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } [البقرة:187] ومن أنكر وقوع النسخ من المسلمين بنوا مذهبهم على هذا الحرف، وقالوا: قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ قد بشرا في التَّوْرَاة والإنجيل بمبعث محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأن عند ظهوره يجب الرُّجُوع إلى شرعه، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ.
فصل في حجج منكري النسخ
احتج منكرو النَّسْخ بأن قالوا: إن الله ـ تعالى ـ لما بيّن شرع عيسى عليه الصلاة والسلام، فاللفظ الدال على تلك الشريعة، إما أن يقال: إنها دالة على دوامها، أو لا يدل على دوامها، أو [لم يكن] فيها دلالة على الدوام، ولا على [عدم الدوام]، فإن بيّن فيها ثبوتها على الدوام، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذباً؛ لأنه غير جائز على الشرع، وأيضاً فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخاً في شرع موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ مع أنهما لم يدوما، زال الوثوق عنه في كل الصور.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: ذكر اللفظ الدَّال على الدوام، ثم قرن به ما يدلّ على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نصّ على ذلك، إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة؟
قلت: هذا ضعيف لوجوه:
أحدها: أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين.
وثانيها: على هذا التقدير قد بين الله ـ تعالى ـ أن شرعهما سيصير منسوخاً، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضاً؛ لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضاً، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ؛ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفّر فيها الدواعي على نقله، وما كان كذلك وجب اشتهاره، وبلوغه إلى حَدّ التواتر، وإلا فلعلّ القرآن عورض، ولم تنقل معارضته، ولعلّ محمداً صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع، ولم ينقل، [وإذا كان ذلك غير جائز وجب] أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر، فنقول: لو أن الله ـ تعالى ـ نصّ في زمان موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهوراً لأهل التواتر، وكان معلوماً لهم بالضرورة، ولو كان كذلك لاستحال مُنَازعة الجمع العظيم فيه، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: [إن الله ـ تعالى ـ نص على شرع موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم].
فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة لأهل التواتر.
وأيضاً فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخاً، بل يكون ذلك انتهاء للغاية.
وأما القسم الثالث: وهو أنه [ـ تعالى ـ نص على شرع موسى ـ عليه الصلاة السلام ـ ولم يبيّن فيه كونه دائماً، أو كونه غير دائم] فنقول: إنه ثبت في أصول الفقة أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار، وإنما يفيد المرة الواحدة، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة، فقد خرج عن عُهْدة الأمر، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نَسْخاً للأمر الأول، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ مُحَال.
فصل في تحرير محلّ الاستدلال بالآية
قال ابن الخطيب: والاستدلال بهذه الآية على وقوع النَّسخ ضعيف؛ لأن "ما" هاهنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك: "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وَجَبَ الإكرام،، فكذا هذه الآية لا تدلّ على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه، فالأقوى أن تعوّل في الإثبات على قوله تعالى
{ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ } [النحل:101] وقوله: { يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ } [الرعد:39].
فصل في فوائد معرفة النسخ
قال القرطبيرحمه الله تعالى: معرفة هذا الباب أكيدةٌ عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجَهَلة؛ لما يترتب عليه من الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البختري قال: دخل علي ـ رضي الله عنه ـ المسجد، فإذا رجل يخوف الناس؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس؛ فقال: ليس برجل يذكر الناس! لكنه يقول: أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟! فقال: لا؛ قال: فأخرج من مسجدنا ولا تُذكِّر فيه.
وفي رواية أخرى: أَعَلِمْتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا؛ قال: قد هلكت وأهلكت!.
ومثله عن ابن عباس رضى الله عنهما.
فصل في أن للناسخ حقيقة هو الله
اعلم أن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، وسمي الخطاب الشرعي ناسخاً تجوزاً.
واحتجوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه:
أحدها: هذه الآية.
وأجاب عنها أبو مسلم بوجوه:
الأول: أن المراد بالآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، كالسَّبْت، والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله ـ تعالى ـ وتعبّدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: لا تأمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية.
الوجه الثاني: المراد من النسخ نَقْلهُ من اللوح المحفوظ، [وتحويله عنه] إلى سائر الكتب وهو كما يقال: نسخت الكتاب.
الوجه الثالث: أنا بينا أن هذه الآية لا تدلّ على وقوع النسخ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير.
[ومن الناس من أجاب عن الاعتراض] الأول بأن الآية إذا أطلقت، فالمراد بها آيات القرآن؛ لأنه هو المعهود عندنا.
وعن الثاني بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختصّ ببعض القرآن، وهذا النسخ مختص ببعضه.
ولقائل أن يقول على الأول: لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن، بل هو عام في جميع الدلائل.
وعلى الثاني لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن، بل التقدير ـ والله أعلم ـ: ما ننسخ من اللوح المحفوظ، فإنا نأتي بعده بما هو خير منه.
الحجة الثانية: [للقائلين بوقوع النسخ في القرآن] أن الله ـ تعالى ـ أمر المرأة المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولاً كاملاً، وذلك في قوله:
{ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ } [البقرة:240] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، كما قال { وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } [البقرة:234].
قال أبو مسلم: الاعتداد بالحَوْل ما زال بالكلية؛ لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا ناسخاً.
والجواب أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل، سواء حصل وضع الحمل بِسَنَةٍ أو أقل أو أكثر، فجعل السّنة العدة يكون زائلاً بالكلية.
الحجة الثالثة: أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى
{ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } [المجادلة:12]، ثم نسخ ذلك.
قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سببه؛ لأن سبب التعبّد بها أن يتماز المنافقون من حيث إنهم لا يتصدقون عن المؤمنين، فلما حصل هذا العرض سقط التعبد.
والجواب: لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقاً وهو باطل؛ لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي ـ رضي الله عنه ـ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى:
{ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } [المجادلة:13].
الحجة الرابعة: أنه ـ تعالى ـ أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى:
{ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [الأنفال:65]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: { ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [الأنفال:66].
الحجة الخامسة: قوله تعالى:
{ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا } [البقرة:142] ثم أزالهم عنها بقوله: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } [البقرة:144] قال أبو مسلم: "حكم تلك القبلة ما زال بالكلية جواز التوجيه إليها عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر".
الجواب: أن على ما ذكرته لا فرق بين "بيت المقدس"، وسائر الجهات، فالخصوصية التي امتاز بها "بيت المقدس" عن سائر الجهات قد زالت بالكلية، فكان نسخاً.
الحجة السادسة: قوله تعالى:
{ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ } [النحل:101] والتبديل يشتمل على رفع إثبات، والمرفوع: إما التلاوة، وإما الحكم فكيف كان فهو رفع ونسخ.
واحتجّ أبو مسلم بأن الله ـ تعالى ـ وصف كتابه بأنه
{ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [فصلت:42] فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل.
والجواب: أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله، ولا يأتيه من بعده أيضاً ما يبطله.
فصل في أنواع النسخ
تارة ينسخ الحكم، وتارة التلاوة، وتارة هما معاً، فأما نسخ الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات.
وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فكما يروى عن عمر رضي الله عنه ـ قال: كنا نقرأ
"الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيا فَارُجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ" .
وروي: "لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ واديَان مِنْ مالٍ لاَبْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثاً، وَلاَ يَمْلاًُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ" .
وأما نسخ الحكم والتلاوة معاً، فكما روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنُسِخْن بخمس معلومات" ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة ثابت الحكم.
ويروى أيضاً أن سورة "الأحزاب" كانت بمنزلة السبع الطوال، أو أزيد، ثم انتقص منها.
[وروى ابن شهاب، قال: حدثني أبو أمامة في مجلس سعيد بن المسيب
"أن رجلاً قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن، فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: قمت الليل يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء، فقام الآخر، فقال: وأنا كذلك يا رسول الله، فقال الآخر: فإنا والله كذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا مِمَّا نَسَخَ اللهُ البَارِحَةَ"
وسعيد بن المسيّب يسمع ما يحدث به أبو أمامة، فلا ينكره.
فصل في بيان أنه ليس شرطاً البدل في النسخ
قال قوم: لا يجوز نسخ الحكم إلاَّ إلى بدل واحتجوا بهذه الآية.
وأجيبوا بأن نفي الحكم، وإسقاط التعبُّد به خير من ثبوته في ذلك الوقت، وقد نُسِخَ تقديم الصدقة بين يدي الرسول لا إلى بدل].
فصل في جواز النسخ بالأثقل
قال قوم: لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه، واحتجوا بأن قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ينافي كونه أثقل؛ لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.
وأجيب: بأن المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة، ثم إن الذي يدلّ على وقوعه أن الله ـ سبحانه ـ نسخ في حقّ الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصَّلاة ركعتين عند قوم، فنخست بأربع فى الحضر.
وأما نسخه إلى الأخف، فكنسخ العدّة من حَوْل إلى أربعة أشهر وعشرة، وكنسخ صلاة اللَّيل إلى التخيير فيها.
وأما نسخ الشيء إلى المثل فتحويل القِبْلَة.
فصل: الكتاب لا ينسخ بالسُّنَّة المتواترة
قال الشافعي رضي الله عنه: الكتاب لا ينسخ بالسُّنة المتواترة، واستدل بهذ الآية قال: لأنه قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه خير منه، كما إذا قال الإنسان: ما أخذ منك من ثواب آتيك بخير منه، وجنس القرآن قرآن، وأيضاً المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وهو القرآن الذي هو كلام الله تَعَالى.
وأيضاً فإن [السُّنة لا تكون خيراً من القرآن].
وروى الدَّارقطني عن جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال:
"القُرْآنُ يَنْسَخُ حَدِيْثِي وحَدِيْثِي لا يَنْسَخُ القُرْآنَ" .
وأجيب عن قوله تعالى: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ } [النجم:3-4] وقوله: { وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } [الحشر:7] وإذا ثبت أن الكل من عند الله، فالناسخ في الحقيقة هو الله تعالى [أقصى ما فيه أنَّ الوحي ينقسم إلى قسمين متلوّ، وغير متلو] وقد نسخت الوصية للأقربين، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ" .
ونسخ حبس الزَّاني في البيوت بخبر الرجم.
والجواب: استدل به الشافعي ـ رضي الله عنه ـ من الآية، وأما الوصية فإنها نسخت بأية المواريث قاله عمر وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأشار النبي صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذا بقوله:
"إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ" .
وأما حبس الزاني، فإنما هو أمر بإمساكهن إلى غاية، وهي إلى { أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } [النساء:15] فبيّن صلى الله عليه وسلم ما هو وليس بنسخ.
وروي أيضاً أن قوله:
"الشَّيخ والشيخة إذا زينا، فارجموهما ألبتة" كان قرآناً، فلعل النسخ إنما وقع به.
فصل هل يدخل النسخ في الأخبار؟
اختلفوا في الأخبار هل يدخلها النسخ؟
فالجمهور على أن النسخ لا يدخل الخبر، لاستحالة الكذب على الله تعالى.
وقيل: إن الخبر إذا تضمّن حكماً شرعيّاً جاز نسخه، كقوله تعالى:
{ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً } [النحل:67].
فصل هل يجوز حمل الجنب للقرآن الكريم؟
القرآن المنسوخ التلاوة يجوز للجنب حمله، ولو صلى به لم تصح صلاته.
فصل في استدلال المعتزلة بهذه الآية على خلق القرآن
استدلت المعتزلة بهذه الآية على [خلق القرآن] من وجوه:
أحدها: أن كلام الله ـ تعالى ـ لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين وذلك مُحَال؛ لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المَنْسُوخ، والمتأخر يستحيل قدمه، والمنسوخ يجب زواله وارتفاعه، وما ثبت زواله استحال قدمه.
وثانيها: أن الآية دلّت على أن بعض الآيات خير من بعض، وما كان كذلك لا يكون قديماً.
وثالثها: قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يدل على أنه القادر على نسخ بعضها، وإتيانه بشيء آخر بدلاً من الأول، وما كان داخلاً تحت القدرة، وكان فعلاً كان محدثاً.
وأجيب عنه: بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الأَلْفَاظ، ولا نزاع في حدوثها، فلما قلتم: إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث بها.
قالت المعتزلة: لا شكّ أن تعلقه الأول قد زال، وحدث له تعلق آخر، فالتعلق الأول محدث؛ لأنه زال، والقديم لا يزول، والتعلق الثاني حادث، لأنه حصل بعد أن لم يكن، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات، وما لا ينفك [عن الحدث] محدث.
والجواب: أن قدرة الله ـ تعالى ـ كانت في الأَزَلِ متعلّقة بإيجاد العالم، فعند دخول العالم في الوجود، هل يبقى ذلك التعلّق أو لم يبق؟
فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق، فألزمكم حدوث قدرة الله ـ تعالى ـ على ما ذكرتم، وكذلك علم الله ـ تعالى ـ كان متعلقاً بأن العالم سيوجد، فعند دخول هذا العالم في الوجود إن بقي التعلّق الأول كان جَهْلاً، وإن لم يَبْقَ يلزمكم كون التعلق الأول حادثاً؛ لأنه لو كان قديماً لما زال، وكون التعلّق الذي حصل بعد ذلك حدثاً فإِذاً عالمية الله ـ تعالى ـ لا تنفكّ عن التعلّقات الحادثة، وما لا ينفك عن المحدث [ محدث] فعالمية الله محدثة، فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية هو جوابنا عن الكلام.
قوله: "أَلَم تَعْلَمْ" هذا استفهام معناه التقرير، فلذلك لم يحتج إلى معادل يعطف عليه بـ "أم"، و "أم" في قوله:
{ أَمْ تُرِيْدُونَ } [البقرة:108] منقطعة هذا هو الصحيح في الآية. قال ابن عطية: ظاهره الاستفهام المَحْضُ، فالمعادل هنا على قول جماعة: "أم تريدون"، وقال قوم: "أم" منقطعة، فالمعادل محذوف تقديره: أم علمتم، هذا إذا أريد بالخطاب أمته عليه السلام.
أما إذا أريد هو به، فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي انتهى.
وهذا فيه نظر؛ لما مرَّ أن المراد به التقرير، فهو كقوله:
{ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [الزمر:36] { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [الشرح:1].
والاستفهام بمعنى التقرير كثير جدّاً لا سيما إذا دخل على نفي كما مثلته لك.
وفي قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ} التفاتان.
أحدهما: خروج من خطاب جماعة، وهو "خير من ربكم".
والثاني: خروج من ضمير المتكلّم المعظم نفسه إلى الغيبة بالاسم الظاهر، فلم يقل: ألم تعلموا أننا، وذلك لما لا يخفى من التعظيم والتَّفخْيم. و {أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} "أن" وما في حَيِّزها، إما سادة مسدّ مفعولين كما هو مذهب الجمهور، أو واحد، والثاني محذوف كما هو مذهب الأخفش.