التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٢٠٨
فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٠٩
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

قوله: "السِّلْم" قرأ هنا "السَّلْم" بالفتح نافعٌ، والكِسائيُّ، وابنُ كثيرٍ، والبَاقُونَ بالكَسْر، وأمَّا التي في الأَنْفال [آية 61] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ أَبُو بكرٍ وحدَه، عَنْ عاصِمٍ، والتي في القِتال [آية: 35] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ حمزةُ وأَبُو بكرٍ أيضاً، وسيأتي. فقِيل: هَما بمعنىً، وهو الصلحُ مثل رَطْل ورِطْل وجَسْر وجِسْر وهو يُذَكَّر ويُؤَنَّث، قال تعالى: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } ، وحَكَوْا: "بَنُو فُلانٍ سِلْمٌ، وسَلْمٌ"، وأصلُه من الاسْتِسْلاَمِ، وهو الانقيادُ، قال تعالى: { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [البقرة: 131] الإسلامُ: إسلامٌ الهدى، والسِّلْم على الصُّلْحِ، وترك الحرب راجع إلى هذا المعنى؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ كَصَاحِبهِ، ويُطْلَقُ على الإِسلاَم قاله الكِسَائي وجماعةٌ؛ وأنشدوا: [الوافر]

1022 - دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوا مُدْبِرينَا

يُنْشَدُ بالكَسْرِ، وقال آخرُ في المفتُوحِ: [البسيط]

1023 - شَرَائِعُ السَّلْمِ قَدْ بَانَتْ مَعَالِمُهَا فَما يَرَى الكُفْرَ إِلاَّ مَنْ بِه خَبَلُ

فالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتَيْنِ بمعنى الإِسْلاَم، إلاَّ أنَّ الفَتْحَ فيما هو بمعنى الإِسلام قليل، وقرأ الأَعْمشُ بفتح السِّين واللامِ "السَّلَم".
وقيل: بل هما مختلفا المعنى: فبالكَسْرِ الإِسلامُ، وبالفتحِ الصلحُ.
قال أبُو عُبَيدة: وفيه ثلاثُ لُغَاتٍ: السَّلْم والسِّلْم والسُّلْم بالفَتْح والكَسْر والضمِّ.
"كافةً" مَنْصُوبٌ على الحالِ، وفي صَاحِبهَا ثلاثةُ أقوالٍ.
أظهرها: أنه الفاعلُ في "ادْخُلُوا"، والمعنَى: ادخُلُوا السِّلْم جميعاً، وهذه حالٌ تُؤَكِّدُ معنى العمومِ، فإنَّ قولَكَ: "قام القومُ كافةً" بمنزلةِ: قَامُوا كلُّهم.
والثاني: أنه "السِّلْمُ" قالهُ الزَّمخشريُّ، وأَبُوا البقاءِ، قال الزمخشريُّ: ويَجُوزُ أن تكونَ "كافةً" حالاً من "السِّلْمِ"؛ لأنها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ؛ قال الشاعر: [البسيط]

1024 - السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِها جُرَعُ

على أنَّ المؤمنينَ أُمِرُوا أَنْ يدْخُلُوا في الطاعاتِ كُلِّها، ولا يَدْخُلوا في طَاعةٍ دونَ طاعةٍ، قال أَبُو حيَّان تَعْلِيلُه كونُ "كافةً" حالاً مِنَ "السِّلْم" بقولِه: "لأَنَّها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّثُ الحرب" ليس بشيءٍ؛ لأنَّ التاءَ في "كَافَّة" ليست للتأنيثِ، وإن كان أَصْلُها أَنْ تَدُلَّ عليه، بل صار هذا نقلاً مَحْضاً إِلى مَعْنَى جميعٍ وكُلٍّ، كما صار قاطبةً وعامَّة، إذا كانَ حالاً نَقْلاً مَحْضاً.
فإذا قلت: "قامَ الناسُ كَافةً، وقَاطِبةً" لم يَدُلَّ شيءٌ من ذلك على التأْنِيثِ، كما لا يَدُلُّ عليه "كُلّ" و"جميع".
والثالث: أَنْ يكونَ صاحبُ الحالِ هما جَمِيعاً: أَعْنِي فاعلَ "ادْخُلُوا" و "السِّلْم" فتكونُ حالاً مِنْ شَيْئَين.
وهذا ما أجازه ابنُ عطيةَ فإنه قال: وتَسْتَغْرقُ "كافة" حنيئذٍ المؤمِنين، وجميعَ أجزاءِ الشَّرْع، فتكونُ الحالُ مِنْ شَيْئَيْن وذلك جائِزٌ نحو قولِهِ:
{ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } [مريم: 37]. ثم قال بعد كلامٍ: وكافةً معناه جميعاً، فالمرادُ بالكافّةِ الجماعةُ التي تَكُفُّ مخالِفيها.
وقوله: "نحو قوله فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُه" يعني أنَّ "تَحْمِلُهُ" حالٌ مِنْ فاعِل "أَتَتْ" ومِنَ الهاء في "بِهِ" قال أبو حيَّان: "هذا المِثَالُ ليس مُطَابِقاً لِلْحَالِ من شَيئينِ لأنَّ لفظَ "تَحْمِلُهُ" لا يحتمل شيئَيْن، ولا تقع الحالُ مِنْ شيئينِ إِلاَّ إِذَا كان اللفظُ يحتملهما، واعتبارُ ذلك بجَعْلِ ذَوِي الحالِ مُبْتدأَيْنِ، وجعل تلك الحالَ خبراً عنهما، فمتى صَحَّ ذلك صَحَّتِ الحالُ؛ نحو قوله [الطويل]

1025 - وَعُلِّقْتُ سَلْمَى وَهْيَ ذَاتُ مُوَصَّدٍ وَلَمْ يَبْدُ للأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ
صَغِيرَيْنِ تَرْعَى البَهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا إِلَى اليَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ ولَمْ تَكْبَرِ البَهْمُ

فصغيرَين حالٌ من فاعل "عُلِّقْتُ" ومِنْ "سَلْمَى" لأنك لو قُلْت: أنا وسَلْمى صَغِيرانِ لَصَحَّ ومثلُه قولُ امرِئ القَيس: [الطويل]

1026 - خَرَجْتُ بِهَا نَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ

فنْمشِي حالُ من فاعل "خَرَجْتُ"، ومِنْ "هَا" في "بِهَا"؛ لأنَّك لو قلتَ: "أنا وهي نمشي" لصَحَّ، ولذلك أَعْرَب المُعْرِبُونَ "نَمْشِي" حَالاً مِنْهُما، كما تَقَدَّم، و"تَجُرُّ" حالاً مِنْ "هَا" في "بِهَا"، فقط؛ لأنه لا يصلُحُ أن تجعل "تَجُرُّ" خبراً عنهما، لو قلتَ: "أنا وهي تَجرُّ" لم يَصِحَّ؛ فكذلك يتقدَّر بمفردٍ وهو "جارَّة" وأنت لو أَخْبَرْتَ به عن اثْنين، لم يَصِحَّ؛ فكذلك "تَحْمِلُهُ" لا يَصْلُح أَنْ يكون خَبَراً عن اثنين، فلا يَصِحُّ أَنْ يكونَ حالاً منهما، وأمَّا "كَافّة" فإنها بمعنى "جَمِيع"، و"جمِيع" يَصِحُّ فيها ذلك، لا يُقالُ: "كَافَّة" لا يَصحُّ وقوعُها خَبَراً، لو قلتَ: "الزَّيْدُونَ وَالْعَمْرُونَ كَافَّةً" لم يجزْ، فلذلك لا تقعُ حالاً؛ على ما قَرَّرتُ؛ لأنَّ ذلك إِنَّما هو بسبب التزام نصب "كافةً" على الحال، وأنها لا تتصرَّفُ لا مِنْ مانعِ معنوي، بدليلِ أنَّ مرادِفَها وهو "جَمِيع" و "كُلّ" يُخْبَرُ به، فالعارِضُ المانِعُ لـ"كافَّة" من التصرُّفِ لا يَضُرُّ، وقولُه: "الجماعةُ الَّتِي تَكُفُّ مخالِفيها" يعني: أَنَّها في الأصْلِ كذلك، ثم صار اسْتِعْمالُها بمعنى جَمِيع وكُلّ".
واعْلَمْ أنَّ أَصْلَ "كافة" اسمُ فاعلٍ مِنْ كَفَّ يَكُفُّ، أي: مَنَع، ومنه "كَفُّ الإِنسانِ"؛ لأنها تَمْنَعُ ما يقتضيه، و"كِفّة المِيزَانِ" لجمعها الموزون، ويقالُ: كَفَفْتُ فُلاَناً عن السُّوء، أي: منعتُه، ورجل مَكْفُوفٌ، أي: كُفَّ بَصَرُهُ مِنْ أَنْ يبصر، وَالكُفَّةُ - بالضَّمِّ - لكل مستطيلٍ، وبالكَسْرِ، لكلِّ مُسْتدِير.
وقيل: "كافة" مصدرٌ كالعاقبة والعافية. وكافة وقاطبة مِمَّا لَزم نصبُها على الحالِ، فإخراجُهما عن ذلك لَحْنٌ.
فصل
لمَّا بيَّن الله - تعالى - أقسامَ النَّاسِن وأنهم يَنْقَسِمون إلى مُؤْمنٍ، وكافِرٍ، ومُنَافِق قال هاهنا: كُونَوا على مِلَّة واحدة، على الإسلام، واثْبتُوا عليه.
قال ابنُ الخطيب: حمل أكثرُ المفسرِين السِّلْمَ على الإسلامِ، وفيه إِشكالٌ؛ لأنه يَصِيرُ التقدِيرُ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادخُلُوا في الإِسْلام، والإِيمانُ هو الإسلامُ، ومعلومٌ أَنَّ ذلك لا يَجوزُ، فلهذا ذكر المفسرون وُجُوهاً.
أحدها: أَنَّ المرادَ بالآيةِ المنافقُونَ، والتقديرُ: يا أَيُّهَا الذي آمنوا بأَلْسنتِهم ادخلُوا بكُلِّيتِكُمْ في الإسلام، ولا تَتَّبعُوا خطواتِ الشيطانِ، أي آثار تَزيينه، وغروره في الإِقامةِ على النِّفاقِ، واحتجوا على هذه بالآيةِ، فهذا التأويلُ على أَنَّ هذه الآيةَ إِنَّما وردت عَقِيبُ مَا مَضَى من ذكر المنافقين وهو قولُه:
{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } [البقرة: 204] "الآية" فلمَّا وصفهم بما ذكر، دعاهم في هذه الآيةِ إلى الإيمان بالقلب، وترك النفاق.
وثانيها: رُوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلتْ في طائفةٍ من مُسْلِمي أهل الكتاب كـ"عَبْد اللَّهِ ابن سَلامٍ" وأصحابِهِ، وذلك لأنهم كانوا يُعظِّمون السَّبْتَ، ويكرهون لُحْمَان الإِبِل، بعدما أَسْلَموا وقالوا: يَا رسُولَ اللَّهِ: إِنَّ التوراةَ كتابُ اللَّهِ، فدعْنَا فلنقم بها في صَلاتِنا باللَّيْلِ، فأمرهم اللَّهُ بهذه الآيةِ أَنْ يدخُلُوا في السِّلْم كافَّةً [أي: في شَرَائِعِ الإِسَلام كافة] ولا يتمسَّكُوا بشَيْءٍ من أَحْكامِ التوراة، اعتقاداً له وعملاً به، ولا تتبعوا خُطُواتِ الشيطانِ في التمسُّكِ بأْحْكامِ التوراة بَعْدَ أَنْ عرفْتُم أنها صارت مَنْسُوخةً، وقائِلُ هذا القولِ جعل "كَافَّةً" من وصف "السِّلْم"، كأنه قِيلَ: ادخُلُوا في جميع شَعائِر الإسلام اعتقاداً وعملاً.
وثالثها: أَنَّ هذا الخطابَ لأَهْلِ الكتابِ الَّذِينَ لم يؤمنوا بالنبي - عليه السلام - يَعْنِي: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}. أي: بالكتاب المتقدم {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}، أي: آمنوا بجميع أنبيائه وكُتُبهم، وبمحمَّد، وكتابهِ على التمامِ، ولا تتبعوا خُطُواتِ الشيطان في تحسينه الاقتصارَ على التوراةِ بسبب أَنَّهُ دِينٌ اتفق الكُلُّ على أنه حَقٌّ، بسبب أَنَّهُ جاء في التوارةِ: وتمسَّكُوا بالسبت ما دامتِ السمَواتُ والأَرْضُ، فيكون المرادُ من خُطُواتِ الشيطانِ الشبهات التي يتمسَّكُونَ بها في بَقَاءِ تلك الشريعة.
قال ابنُ عبَّاسٍ: نزلت الآيةُ في أهل الكتابِ، والمعنى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بِمُوسَى وعِيسَى "ادْخُلُوا" فِي الإِسْلاَمِ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كَافَّةً".
وَروى "مُسْلِمٌ" عن أبي هريرة، عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"والَّذِي نفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ، لا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هذه الأمَّةِ يَهُوديٌّ ولا نَصْرَانيٌّ، ثُمَّ لَمْ يؤمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به إلاَّ كان مِنْ أَصحابِ النَّارِ"
ورابعها: أَنَّ المرادَ بهذا الخطابِ المسلِمُونَ، والمعنى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} دُومُوا على الإسلام فيما بَقِيَ من العُمُرِ ولا تَخْرُجوا عنه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} أي: ولا تلتفتوا إلى الشُّبُهاتِ التي يُلْقيها إليكم أصحابُ الضلالةِ والغوايةِ.
قال حُذَيفةُ بنُ اليمانِ في هذه الآيةِ: الإِسْلاَمُ ثمانيةُ أَسْهم: الصلاةُ سهمٌ، والزكاة سَهْمٌ، والصدقةُ سَهْمٌ، والحجُّ سَهْمٌ، والعمرةُ سَهْمٌ، والجهادُ سَهْم، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ، والنَّهْيُ عن المُنْكر سَهْمٌ، وقد خاب مَنْ لا سهم له.
فإنْ قيل: المؤمنُ الموصوفُ بالشيء يقُالُ له: دُمْ عَلَيْه، ولا يقالُ لهُ: ادخُلْ فيه، والمذكُور في الآيةِ هو قوله: "ادخلُوا".
فالجوابُ: الكائن في الدار إذا علم أَنَّ له في المستقبل خروجاً عنها، فلا يمتنع أن يُؤْمَرَ بدخولها في المستقبل، وإن كان في الحال كائناً فيها؛ لأن حالَ كونهِ فيها غيرُ الحالةِ التي أُمِر أن يدخل فيها، فإذا كان في الوقْتِ الثاني قد يخرج عنها، صَحَّ أن يؤمر بدخُلولِها.
وقال آخرُونَ: المراد بـ"السِّلْم" في الآية الصُّلح، وتركُ المحاربةِ والمُنَازَعةِ، والتقديرُ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كَافَّةً" أي: كُونُوا مُجْتَمِعينَ في نُصْرة الدين واحتمال البَلوَى فيه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} بأَنْ يحملَكُم على طلب الدُّنْيَا، والمنازعةِ مع الناس، فهو كقوله:
{ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [الأنفال: 46]، وقوله: { وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } [آل عمران:103].
قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} أي: لاَ تُطِيعُوهُ فيما يدعُوكُمْ إليه، وتقدَّم الكلامُ على خطواته.
وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.
قال أبو مسلمٍ: مُبِين مِنْ صفاتِ البليغ الذي يُعرِبُ عن ضميره.
قال ابنُ الخطِيب: ويدلُّ على صحةِ هذا المعنى قوله
{ حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } [الدخان: 1 - 2] ولا يعنى بقوله "مُبين" إلاَّ ذلك. فإن قيلَ: كيف يمكنُ وصفُ الشيطانِ بأَنَّهُ مُبِينٌ مع أَنَّا لا نَرى ذاتَهُ، ولا نسمعُ كَلامَهُ؟
فالجوابُ أنه تعالى لَمَّا بَيَّنَ عداوتَهُ لآدمَ ونسلِه، فلذلك الأمرِ صَحَّ أَنْ يُوصَفَ بأَنَّهُ عدوٌّ مبين، وإِنْ لم يشاهد؛ مثالُه: مَنْ يُظْهر عداوتهُ لرجلٍ في بلد بعيدٍ فقد يصح أن يُقال: إِنَّ فلاناً عدوٌّ مبينٌ لك وإن لم يشاهده في الحال.
قال ابنُ الخطيبِ: وعندي فيه وجهٌ آخرُ، وهو: أن الأصلَ في الإِبانَةِ القطع، والبيانُ إِنَّما سُمِّيَ بياناً لهذا المعنى فَإِنَّه يقطع بعضَ الاحتمالاتِ عن بعض، فوصْفُ الشيطانِ بأنه مبينٌ بيانُه: أنه يقطع الملكف بوسْوسَتِه عن طاعة الله وثوابِه.
فإن قيلَ: كون الشيطان عَدُوّاً لنا، إِمَّا أَنْ يكونَ بسببِ أنه يقصد إيصالَ الآلامِ والمكارِه إلَيْنَا في الحالِ، أو بسببِ أَنَّه بوسوستِه يمنعنا عن الدين والثواب، والأَوَّلُ بَاطِلٌ إِذْ لو كان كذلك لوقعنا في الأَمْراض والآلامِ وليس كذلك.
والثَّانِي - أيضاً - باطِلٌ؛ لأَنَّ مَنْ قَبلِ منه تلك الوسْوَسَةَ فإنه أتي من قبل نفسه؛ لقولهِ:
{ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ } [إبراهيم: 11] وإذا كان الحالُ على ما ذكرناهُ، فكيف يُقالُ إنه عدوٌّ لَنَا؟
فالجوابُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ من الوجهَينِ معاً أَمَّا من حيثُ أَنَّهُ يحاولُ إيصالَ البلاءِ إلينا، فهو كذلك إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ تعالى منعَهُ عن ذلك، ولا يلْزَمُ مِنْ كونه مُريداً لإيصال الضرِرِ إلينا أَنْ يكونَ قادِراً عليه، وأَمَّا من حيثُ إنه يقدم على الوسْوسَةِ، فمعلومٌ أَنَّ تزيينَ المعاصي وإلقاءَ الشبهاتِ، كُلُّ ذلك لوقوعِ الإنسانِ في الباطل وبه يصيرُ محروماً عن الثَّوابِ.
قوله تعالى: "فَإِنْ زَلَلْتُمْ" الجمهور على "زَلَلْتُمْ": بفتح العين، وأبو السَّمَّال قرأها بالكسر، فهما لغتان؛ كضلَلت، وضلِلت. و"ما" في "مِنْ بعدِما" مصدريَّةٌ، و "مِنْ" لابتداء الغاية، وهي متعلِّقةٌ بـ"زَلَلْتُمْ".
معنى "زَلَلْتُمْ" أي: ضللتم، وقيل: ملتم، يقال: زلَّت قدمه تزلُّ زلاًّ وزللاً، إذا دحضت، وأصل الزلل في القدم، واستعماله في الاعتقادات.
فصل
يروى عن ابن عباس: فإن زللتم في تحريم السَّبت، ولحم الإبل، {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يعني محمَّداً وشرائعه، {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} في كلِّ أفعاله، فعند هذا قالوا: لئن شئت يا رسول الله، لنتركنَّ كلَّ كتابٍ غير كتابك، فأنزل الله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } [النساء: 136] ومن قال: إن الآية الأولى في المنافقين قال في هذه الآية كذلك.
فإن قيل: إنَّ الحكم المشروط إنما يحسن في حقِّ من لا يكون عالماً بعواقب الأمور، وأجاب قتادة عن ذلك فقال: قد علم أنَّهم سيزلون، ولكنه تعالى قدَّم ذلك، وأوعد فيه؛ ليكون له الحجَّة عليهم.
فصل
قوله: {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يتناول جميع الدلائل العقليَّة والسمعيَّة.
أمَّا العقليَّة، فالعلم بحدوث العالم، وافتقاره إلى صانع يكون عالماً بكلِّ المعلومات، قادراً على كل الممكنات، غنيّاً عن كل الحاجات.
وأمَّا السمعيَّة: فهي البيان الحاصل بالقرآن والسُّنَّة.
فصل
قال القرطبيُّ: دلت الآية على أنَّ عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافراً بترك الشَّرائع.
فصل
قال القاضي: دلَّت الآية على أنَّ المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلاَّ بعد البيان، وإزاحة العلَّة، ودلت الآية على أنَّ المعتبر حصول البيِّنات، لا حصول اليقين من المكلف.
وقوله: "عَزِيزٌ" يدلُّ على الزَّجر، والتهديد، والوعيد؛ لأن العزيز هو الذي لا يمنع عن مراده، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة، وهو تعالى قادر على كل الممكنات، فكأنَّه تعالى قال: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} فاعموا أنَّ الله قادرٌ عليكم، لا يمنعه عنكم مانع، وهذا نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب؛ كقول السيِّد لعبده: إن عصيتني فأنت عارف بي، وتعلم قدرتي عليك، والآية كما أنها تدلُّ على نهاية الوعد بقوله: "حَكِيمٌ" فإنَّ اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة، وأقرب للرحمة، وهذه الآية تدلُّ على أنَّه لا وجوب لشيءٍ قبل الشَّرع؛ لأنه تعالى أثبت التهديد بشرط مجيء البينات، وقبل الشرع لم تحصل كلُّ البيِّنات.
فصل
قال الجبَّائيُّ: المجبرة تقول: إن الله تعالى يريد الكفر من الكفَّار، والسَّفاهة من السُّفهاء، والله تعالى وصف نفسه بأنه حكيم، ومن فعل السَّفه وأراده لا يكون حكيماً، وأجيب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور، فمعنى كونه تعالى حكيماً أنَّه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقاً لكل الأشياء، ومريداً لها.
فصل
يحكى أنَّ قارئاً قرأ "فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" فسمعه أعرابيٌّ، فأنكره؛ وقال: إنَّ هذا كلام الله تعالى فلا يقول كذا؛ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزَّلل؛ [أنه إغراءٌ عليه].