التفاسير

< >
عرض

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ
٢٢٢
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

"المحيض" فعل من الحيضِ، ويُرادُ به المصدرُ، والزمانُ، والمكانُ، تقولُ: حاضِت المرأَةُ تحيضُ، حَيضاً ومَحِيضاً، ومَحاضاً، فَبَنَوْه على مَفْعلٍ ومَفْعَل بالكَسرِ والفتحِ.
واعلم أنَّ في المَفْعَل مِنْ يَفْعِل بكسر العينِ ثلاثة مذاهب:
أحدها: أَنَّهُ كالصَّحيح، فتُفْتَحُ عينهُ مراداً به المصدرُ، وتُكسَرُ مراداً به الزَّمانُ والمكانُ.
والثَّاني: أَنْ يُتَخَيَّر بين الفتح والكسر في المصدرِ خاصَّةً، كما جاء هنا: المَحيضُ والمحَاضُ، ووجهُ هذا القول: أنَّهُ كثُر هذان الوجهان: أعني، الكسر، والفتح فاقْتَاسا.
والثالث: أَنْ يُقْتَصَرَ على السَّماعِ، فيما سُمِع فيه الكَسرُ، أو الفتحُ، لا يَتَعَدَّى. فالمحيضُ المُرادُ به المَصْدَرُ ليس بمقيسِ على المذهبين الأول والثالث، مقيسٌ على الثاني. ويقال: امرأَةٌ حائِضٌ ولا يقال: "حائِضَةٌ" إلا قليلاً، أنشد الفرَّاء: [الطويل]

1079-........................ كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْر طَاهِرِ

وَالمَعْرُوفُ أَنَّ النَّحويين فَرَّقوا بين حائضٍ، وحائضةٍ: فالمُجرَّدُ من تاء التَّأنيث بمعنى النَّسَب، أي: ذاتُ حيضٍ، وإِنْ لم يكن عليها حَيْضٌ، والملتبسُ بالتَّاءِ لِمَنْ عليها الحَيْضُ في الحال، فيُحتمل أن يكونَ مرادُ الشاعر ذلك، وهكذا كُلُّ صفةٍ مختصةٍ بالمُؤَنّثِ نحو: طَامِث ومُرْضِع وشبههما.
قال القرطبيُّ: ويقال: نساءٌ حيض، وحوائض، والحَيضةُ: المرأَةُ الواحدة. والحِيضةُ بالكَسْر، الاسم والجمع الحيض، والحيضة أيضاً: الخرقةُ التي تَسْتَثْفِرُ بها المَرْأَةُ، قالت عَائِشَةُ: لَيْتَنِي كُنُتُ حِيْضَةٌ مُلْقَاةً" وكذلك المَحِيضَةُ، والجمع: المَحائص.
وأصلُ الحَيض السَّيَلانُ، والانفجِارُ، يُقالُ: حَاضَ السَّيلُ وَفَاضَ، قال الفَرَّاءُ: "حَاضَتِ الشَّجَرَةُ، أي: سال صَمْغُها"، قال الأَزهرِيُّ: "وَمِنْ هَذَا قيل لِلْحَوضِ: حَيْضٌ؛ لأَنَّ المَاءَ يسيلُ إليه" والعربُ تُدْخِلُ الواو على اليَاءِ، وَالياءَ على الواوِ؛ لأَنَّهُما من حَيِّز واحدٍ، وهو الهواءُ.
ويقالُ: حاضت المرأةُ وتحيَّضَتْ، ودَرَسَتْ، وعَرَكت، وطَمِثت فهي حائضٌ، ودارِسٌ، وعارِكٌ، وَطَامِثٌ، وطَامِسٌ، وكَابِرٌ، وَضَاحِكٌ. قال تعالى:
{ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } [يوسف:31] أي: حضن، وقال تعالى: { فَضَحِكَتْ } [هود:71].
قال مجاهد: أي: حاضَتْ ونافس أيضاً، والظَّاهر أن المحيض مصدرٌ كالحيضِ، ومثله: "المَقِيلُ" مِنْ قال يقِيلُ؛ قال الرَّاعِي: [الكامل]

1080- بُنِيَتْ مَرَافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لاَ يَسْتَطِيعُ بِهَا القُرَادُ مَقِيلاَ

وكذلك قال الطَّبريُّ: "إِنَّ المَحِيضَ اسْم كالمَعِيشِ: اسمُ العَيْشِ"؛ وأنشد لرؤبة: [الرجز]

1081- إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ وَمَرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي

وقيل: المَحيضُ في الآية المُرادُ به: اسمُ موضعِ الدَّم، وعلى هذا فهو مقيسٌ اتِّفاقاً، ويؤيِّد الأَوَّل قوله: {قُلْ هُوَ أَذًى}. وقد يُجَابُ عنه بأنَّ ثَمَّ حذف مضافٍ، أي: هو ذُو أَذى، ويؤيِّدُ الثَّاني قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}. ومن حَمَلَه على المَصْدَرِ قَدَّر هنا حَذْفَ مُضَافٍ، أي: فاعْتَزِلُوا وَطْءَ النِّسَاءِ في زَمَانِ الحَيْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَحِيضُ الأَوَّلُ مَصْدَراً والثَّاني مكاناً.
حكى الواحديُّ في "البَسيط" عن ابن السَّكِّيت: إذا كان الفعلُ من ذوات الثلاثة نحو: كَالَ يكيلُ، وحاضَ يحيض وأشباهه، فإِنَّ الاسم منه مكسور والمصدر مفتوح، مِنْ ذلك مالَ ممالاً، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً، أو كسرهما جميعاً في المصدرِ والاسمِ لجازَ، تقول: المَعَاشُ، والمَعِيشُ، والمَغَابُ، والمَغِيبُ، والمَسَارُ والمَسِيرُ فثبت أَنَّ لفظ المحيض حقيقةٌ في موضع الحيض، وأيضاً هو اسمٌ لنفس الحيضِ.
قال ابن الخطيب: وعندي أَنَّهُ ليس كذلك؛ إذ لو كان المُرادُ بالمحيض هنا الحيض، لكان قوله تعالى {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} معناه: فاعتزلوا النِّساء في الحيض، ويكونُ المُرادُ: فاعتزلوا النساء في زمن الحيض، يكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بهنَّ فيما فوق السُّرَّة، ودون الرّكبة، ولما كان هذا المنعُ غير ثابت لزم القول بتطرُّق النَّسخ، والتَّخصيص إلى الآية، وهو خلاف الأصل، أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض؛ كان معنى الآية: فاعتزلوا النِّسَاءَ في موضع الحيض من النِّسَاء، وعلى هذا التَّقدير لا يتطرَّقُ إلى الآية نسخٌ، ولا تخصِيصٌ.
ومن المعلوم أَنَّ اللَّفْظ إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما يوجب محذوراً، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإِنَّ حمل اللَّفظ على المعنى الَّذِي لا يُوجِبُ المحذورَ، أولى إذا سلَّمنا أَنَّ لفظ المحيض مشتركٌ بين الموضع، وبين المصَدرِ.
فإن قيل: الدَّليلُ على أَنَّ المُراد من المحيض الحيضُ قوله: {قُلْ هُوَ أَذًى}، ولو كانَ المُرَادُ الموضع لما صَحَّ هذا الوَصْفُ.
قلنا: بتقدير أَنْ يكون المحيض عبارة عن الحَيض، فالحيض نفسُهُ ليس بِأَذى لأن "الحَيْضَ" عبارةٌ عن الدَّمِ المخصوص، و "الأَذَى" كيفيَّةٌ مخصوصَةٌ وهو عرض، والجسم لا يكُونُ نفس العرض فَلا بُدَّ أَنْ يقُولُوا: المرادُ منه أَنَّ الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجُوزُ لنا أيضاً أن نقول: إِنَّ المراد منه أنَّ ذلك المَوْضع ذو أذًى، وأيضاً لم لا يجوزُ أَنْ يكون المراد بالمحيض الأَوَّل الحيض، وبالمحيض الثَّاني موضع الحيضِ كَمَا تقدَّمَ وعلى هذا فيزولُ الإِشكالُ.
فصل في بيان مغالاة اليهود وغيرهم في أمر الحيض
"عن أنس بن مالك أَنَّ اليهُود، والمَجُوس كانُوا يبالغون في التَّباعد عن المرأَةِ حال حيضها، والنَّصارَى كانوا يجامعوهنّ ولا يبالون بالحيض، وأَنَّ أَهْلَ الجاهِليَّةِ كانُوا يقولُونَ مثل قولِ اليَهُودِ، والمَجُوسِ، وكانوا إذا حَاضَتِ المرأَةُ؛ لم يُؤَاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجَالِسُوها على فراشٍ، ولم يساكنوها في بيتٍ كفعل اليهود والمجوس، فسئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأخذ المُسْلِمُون بظاهر الآية، فأخرجوهنّ من بيوتهن، فقال ناسٌ من الأَعْراب: يا رسُول اللهِ البردُ شديدٌ، والثِّيابُ قَلِيلةٌ، فإِنْ آثرناهن بالثِّيابِ، هلك سائِرُ أهل البيت، وإن اسْتَأْثَرْنَاهَا هلكت الحيض، فقال عليه الصّلاة والسّلام: إِنَّمَا أَمَرْتُكُم أَنْ تَعْتَزِلُوا مُجَامَعَتهنَّ إِذَا حِضْن ولَمْ آمُرُكُم بإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ كَفِعْلِ الأَعاجِمِ فلمَّا سمع اليهُودُ ذلك قالوا: هذا الرَّجُلُ يُرِيدُ أَلاَّ يدع شيئاً من أمرنا، إلاَّ خالفنا فيه. فَجاء أُسيِّد بن حُضيرٍ وعباد بن بشر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالا: يا رسُول اللهِ إِنَّ اليهُود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهنّ في المحيض، فتغير وجه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتَّى ظننا أَنَّه غضب عليهما، فخرجا؛ فَجَاءَتْهُ هديَّةٌ مِنْ لَبَنِ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما" .
فصل في مجيء "يسألونك" بحرف الواو
وجاء: "وَيَسْأَلُونَكَ" ثلاثَ مرَّاتٍ بحرفِ العطفِ بعد قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ} وهي: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ} {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ} وجاء "يَسْأَلُونَكَ" أربع مراتٍ من غيرِ عطفٍ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ} {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ}. فما الفرقُ؟
والجوابُ: أَنَّ السُّؤالات الأَواخر وقعَتْ في وقتٍ واحدٍ، فجُمِع بينها بحرفِ الجمعِ، وهو الواوُ، أَمَّا السّؤالاتُ الأُوَلُ فوقعَتْ في أوقاتٍ متفرقةٍ، فلذلك استؤْنِفَتْ كلُّ جملةٍ، وجيء بها وحدها.
وقوله: "هو أَذًى" فيه وجهان:
أحدهما: قاله أبو البقاء: "أَنْ يكُونَ ضمير الوطءِ الممنوع" وكأنه يقول: إِنَّ السِّياق يدلُّ عليه، وإِنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ.
الثَّاني: أَنْ يعود على المحيض، قال أبو البقاء: "ويكون التَّقدير: هو سببُ أَذًى" وفيه نظرٌ؛ فإنَّهم فَسَّروا الأَذَى هنا بالشَّيء القَذِر، فإذا أَرَدْنا بالمَحِيضِ نَفْسَ الدَّمِ، كان شيئاً مُسْتَقْذَراً، فلا حاجة إلى تقديرِ حَذْفِ مضافٍ.
فصل في المراد من "الأذى"
قال عطاءٌ، وقتادةٌ، والسُّدِّيُّ: هو أَذًى، أي: قذر واعلم أَنَّ الأَذَى في اللُّغة ما يكره مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ويحتمل أن يَكُونَ قوله: "هُوَ أَذًى"، أي: سببُ الأَذَى قالوا: لأَنَّ من جَامَعَ في الحَيْض، قد يحصُلُ له في ذكره وأنثييه تفتيح وقروح.
وقوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}.
الاعتزالُ: التَّنَحِّي عن الشَّيْءِ، وأَرَاد به هاهنا: تَرْكَ الوَطءِ، وقدَّم ذكر العِلَّة، وهي الأذى، ثم رَتَّبَ الحُكْم، وهو وجوب الاعتزال. فإن قيل: المرادُ بـ "الأذى" هو الدَّمُ، وهو حاصِلٌ في وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة وقت الاستحاضة، غير واجب، فانتقضت هذه العِلَّةُ.
والجواب: أَنَّ دم الحيض دَمٌ فاسِدٌ يتولّد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من عمق الرَّحم، ولو احْتَبَسَتْ تلك الفضلةُ لمرضت المرأةُ، فذلك الدَّمُ جارٍ مجرى البَوْلِ، والغائط، فكان أَذًى وقذراً، وأَمَّا دمُ الاستحاضة، فليس كذلك، بل هو دَمٌ صالحٌ يسير من عروق تنفجر من عمق الرَّحِمِ، فلا يكونُ أذى، قال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لما سئل عن الاستحاضة فقال:
"إِنَّ ذَلكَ دَمُ عِرْق، ولَيْسَ بِالحَيْضَةِ" .
قال ابن الخطيب: وهذا جوابٌ طبّيٌّ مُخَلِّصٌ ظاهر القرآن مِنَ الطَّعن.
فصل في بيان صفات دم الحيض
اعلم أَنَّ الحيضِ موصوفٌ بصفاتٍ حقيقيةٍ، ويتفرَّعُ عليه أحكام شرعيّة فالصِّفاتُ نوعان:
الأول: المنبعُ؛ فدم الحيض يخرجُ من الرَّحم، قال تعالى:
{ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ } [البقرة:228] قيل في تفسيره إنَّ المراد منه الحيض والحمل، وأَمَّا دم الاستحاضة، فإِنَّهُ لا يخرجُ من الرَّحم، لكن من عروق تنقطع من فم الرَّحم، "قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في صفة دم الاستحاضة: إِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ" ، وهذا يؤيّدُ ما تقدَّمَ في الجواب.
النوع الثاني: من صفات دم الحيضِ التي وصفه بها رسول اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي سِتّ:
أحدها: إنه أسود.
الثاني: أنه ثخين.
الثالث: محتدم وهو المحترقُ من شدَّةِ حرارته.
الرَّابع: أنه يخرُجُ برفق لا يسيلُ سيلاناً.
الخامس: أنَّ له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء؛ وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة.
والسادس: أنه بحراني وهو الشَّدِيدُ الحمرة، وقيل ما تحصُلُ فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.
فهذه صفاته الحقيقيّة، ثم مِنَ النَّاسِ من قال: إِنَّ دَمَ الحَيْضِ يتميَّزُ عن دمِ الاستحاضة، فكلُّ دم موصوف بهذه الصِّفَات، فهو دَمْ حَيْضِ وما لا فلا، وما اشتبه الأمرُ فيه فالأَصْلُ بقاء التَّكليف، ولا يزول إلا بعارض الحيض، فإذا لم يُعلمْ وجوده؛ بقيت التَّكَاليفُ على ما كانت وقال آخرون: هذه الصِّفَاتُ قد تشتَبِهُ على المُكَلّف، فإيجاب التأمل من تلك الدِّمَاء يقتضي عسراً ومشقة فقدر الشارع وقتاً مضبوطاً، متى حصلت فيه الدِّمَاءُ كان حُكمُها حُكم الحَيْض كيفما كانت صفةُ تلك الدِّماء قَصْداً إلى إسقاط العُسْرِ والمَشَقَّةِ.
فصل
اختلف العُلَماءُ في مُدَّةِ الحيضِ، فقال عليُّ بن أبي طالب - رضي الهُ عنه -: أقلُّه يوم ولَيْلَة، وأكثرُهُ خمسة عشر يوماً، وهو قولُ عطاء بن أَبي رباحٍ، والأوزاعيِّ، والشَّافِعِيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة، والثَّورِيّ: أقلّه ثلاثة أيَّام ولياليهن، فإِنْ نقص عنه، فهو دمٌ فاسد؛ وأكثره عشرةُ أيَّامِ.
قال أبو بكر الرَّازِيُّ في "أحكام القُرْآن": وقد كان أبُو حنيفة يقولُ بقول عطاءِ، ثم تركه.
وقال مَالِكٌ: لا تقديرَ له في القِلَّةِ، والكثرة، فإن وُجِدَ ساعةً، فهو حيض، وإن وجد أيّاماً، فكذلك.
واحتجَّ أبُو بكر الرازيُّ في "أَحْكَامِ القُرْآنِ" على فساد قول مالكٍ بأنه: لو كان التَّقْدير ساقطاً في القليل، والكثِير، لوجب أَنْ يكُونَ الحيض هو الدّم الموجود من المرأة فيلزم ألاَّ يوجد في الدنيا مستحاضة لأن كل ذلك الدم يكون حيضاً على المذهب، وذلك باطِلٌ بالإجماع ولأنه روي أَنّ فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنّبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ" وروي أَنّ حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهما إن ذلك حيض بل أخبرهما أَنّ منه ما هو حيضٌ، ومنه ما هو استحاضةٌ، فبطل هذا القول ويمكن الجواب عنه بأن نقُولَ: إِنَّما يتميَّزُ دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصِّفات التي قدّمناها لدم الحيضِ، فإذا عدمت؛ حكمنا بدم الحيض، وإِنْ تَرَدَّدْنا فيهما، كان طريانُ الحيض مجهولاً، وبقاء التّكليف الَّذِي هو الأَصلُ معلوم، والمشكوك لا يارض المعلوم، فلا جَرَمَ قلنا ببقاء التَّكاليف، فبهذا الطّريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض زماناً معيّناً.
واحتجَّ مالكٌ ـ رضي اللهُ عنه ـ بوجهين:
الأول: أَنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيَّنَ علامة دم الحيض، وصفته كما قدمنا في قوله:
"دَمُ الحَيْضِ هُوَ الأَسْوَدُ المُحْتَدمُ" وإذا كان الدَّمُ موصوفاً بهذه الصِّفَةِ، كان الحيضُ حاصِلاً، فيدخلُ تحت قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}.
الثاني: قوله في دم الحيض "هُو أَذى"، ذكر كونهُ أَذًى في معرض العِلَّة، لوجوب الاعتزال، وإِنَّما كان "أَذًى" للرَّائِحَة المنكرة التي فيه، واللون الفاسد وللحدةِ القوية الَّتي فيه، وإذا كان وجُوبُ الاعتزال معللاً بهذه المعاني، وجب الاحتراز عملاً بالعِلَّةِ المذكورة في كِتابِ الله.
واحتجّ الشَّافعيُّ على أبي حنيفة بوجهين:
الأول: أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته، وفي الزَّائد عن العشرة لأنه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم، فإذا وجد ذلك، فقد حصل الحيض فيدخل تحت قوله: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} تركنا العمل بهذا الدّليل في الأقلّ من يوم وليلة وفي الأكثر من خمسة عشر يوماً باتِّفاق بيني وبينك يا أبا حنيفة؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في هذه المدَّة.
الثاني: أنَّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بيّن نقصان دينها: بأنها تمكث شطر عمرها لا تصلّي، وهذا يدلُّ على أنَّ الحيضة قد تكون خمسة عشر يوماً؛ لأن على هذا التقدير يكون الطهر خمسة عشر يوماً؛ فيكون الحيض نصف عمرها، ولو كان أقلّ من ذلك لم تكن تاركة للصَّلاة نصف عمرها.
أجاب أبو بكر الرَّازيُّ عنه بوجهين:
الأوَّل: أن الشَّطر ليس هو النِّصف، بل هو البعض.
والثاني: أنه لا يوجد في الدُّنيا امرأة تكون حائضاً نصف عمرها، لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ هو من عمرها.
والجواب عن الأول: أنَّ الشَّطر هو النِّصف، يقال: شطرت الشَّيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل: "احْلُبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ" أي نصفه.
وعن الثاني: أن قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ:
"تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لاَ تُصَلِّي" إنّما يتناول زماناً هي تصلّي فيه، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ.
واحتجَّ أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة بوجوه:
الأول: ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"أَقَلّ الحَيْضِ ثَلاثَة أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّام" فإن صحَّ هذا الحديث، فلا معدل عنه لأحد.
الثاني: روي عن أنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص الثَّقفيّ أنهما قالا: "الحيضُ ثلاثةُ أيَّامٍ، وأربعة أيَّامٍ إلى عَشَرَةِ أيَّام، وما زاد فهو اسْتِحَاضَة" وهذا قول صحابي لم يخالفه أحدٌ، فكان إجماعاً، ولأنَّه إذا ورد قول عن صحابي فيما لا سبيل للعقل إليه، فالظَّاهر أنَّه سمع من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
الثالث:
"قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستّاً، أو سَبْعاً، كما تَحِيضُ النِّسَاء في كُلِّ شَهْرٍ" فقوله: "كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ في كُلِّ شَهْرٍ" مقتضاه أن يكون حيض النِّسَاء في كلِّ شهر هذا القدر، خالفنا هذا الظَّاهر في الثَّلاثة إلى العشرة، فيبقى ما عداه على الأصل.
الرابع: قول عليه الصَّلاة والسَّلام:
"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِعُقُولِ ذَوِي الأَلْبَابِ مِنْهُنَّ فقيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ الأَيَّامَ واللَّيَالِي لاَ تُصَلِّي" .
فهذا يدلُّ على أنَّ مدَّة الحيض ما يقع عليه اسم الأيّام، واللَّيالي، وأقلّها ثلاثة أيَّام وأكثرها عشرة؛ لأنَّه لا يقال في الواحد، والاثنين لفظ الأيَّام، ولا يقال في الزَّائد على العشرة أيَّام؛ بل يقال أحد عشر يوماً، أما الثَّلاثة إلى العشرة، فيقال فيها أيَّامٌ.
وأيضاً
"قوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لفاطمة بنت أبي حبيش: دَعِي الصَّلاةَ أيَّامَ أَقْرَائِك" فلفظ الأيَّام مختصّ بالثَّلاثة إلى العشرة.
وفي
"حديث أُمِّ سلمة في المرأة التي سألته أنَّها تهرق الدَّم فقال: لِتَنْظُر عَدَدَ الأَيَّامِ، واللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ لِتَغْتَسِل ولتصلِّ" .
فإن قيل: لعلَّ حيض تلك المرأة كان مقدّراً بذلك المقدار قلنا: إنَّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ ما سألها عن قدر حيضها، بل حكم عليه بذلك الحكم مطلقاً، فدلّ هذا على أنَّ الحيض مطلقاً مقدّر بما ينطلق عليه لفظ الأيَّام.
وأيضاً قال في حديث عديِّ بن ثابتٍ: "المُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا" وذلك عامٌّ في جميع النِّساء.
الخامس: قال الجبَّائي في "تَفْسِيرِهِ" إنّ فرض الصِّيام والصَّلاة لازم لعموم الأدلَّة، فعلى الوجوب ترك العمل بها في الثَّلاثَةَ إلى العشرة بالإجماع، وما دون الثَّلاثة وفوق العشرة حصل فيه اختلاف العلماء، فأورث شبهة، فلم نجعله حيضاً، فوجب بقاء التَّكليف على أصله.
فصل في حرمة جماع الحائض
اتَّفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض، واختلفوا في وجوب الكفَّارة على من جامع فيه، فذهب أكثرهم إلى أنَّه لا كفَّارة عليه فليستغفر الله ويتوب، وذهب قومٌ إلى وجوب الكفَّارة عليه؛ منهم: قتادة والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، لما
"روى ابن عبَّاس أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في رجلٍ جامع امرأته وهي حائضٌ إنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطاً؛ فَلْيَتَصَدّق بِدينَار، وإِنْ كَانَ صُفْرَةً، فَنِصْفُ دِينَارٍ" وروي موقوفاً على ابن عبَّاس. واتَّفقوا على أنَّ جلّ الاستمتاع فيما فوق السُّرَّة، ودون الرُّكبة [واختلفوا بأنّه هل يجوز الاستمتاع بها فيما دون السُّرة، وفوق الرُّكبة؟] قال ابن الخطيب: إن فسَّرنا المحيض بموضع الحيض، كانت الآية دالّة على تحريم الجماع فقط، فلا يكون فيها دلالة على تحريم غيره، بل نقول: إنّ تخصيص الشَّيءِ بالذّكر يدلُّ على أنَّ الحُكْمَ فيما عداه بخلافه، وإن فسَّرنا المحيض بالمحيض، كان تقدير الآية فاعتزلوا النِّساء في زمان المحيض، وترك العمل بها فيما فوق السُّرَّة ودون الرُّكبة؛ فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة.
قوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ}، أي: لا تجامعوهنّ.
قال ابن العربيّ: سمعت الشّاشيَّ يقول: إذا قيل "لا تَقْرَب" ـ بفتح الرَّاء ـ كان معناه: لا تَتَلَبَّسْ بالفعل، وإذا كان بضمّ الرَّاء كان معناه: لا تَدْنُ منه، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى: {فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ} فهذا نهيٌ عن المباشرة في موضع الدَّم، وقوله: "وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ" نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.
"حتّى" هنا بمعنى "إلى" والفعل بعدها منصوب بإضمار أنْ، وهو مبنيٌّ لاتصاله بنون الإناث.
وقرأ حمزة والكسائيُّ، وأبو بكرٍ بتشديد الطَّاء والهاء، والأصل:
يتطهَّرن، فأُدغم.
والباقون: "يَطْهُرْنَ" مضارع طَهُرَ، قالوا: وقراءة التَّشديد معناها يغتسلن، وقراءة التَّخفيف معناها ينقطع دمهنَّ. ورجَّح الطَّبري قراءة التَّشديد وقال: "هي بِمَعْنَى يَغْتَسِلْنَ لإجماع الجميع على تَحْرِيم قُرْبَان الرَّجُل امرأته بعد انقطاع الدَّم حتَّى تطهر، وإنما الخلاف في الطهر ما هو؟ هل هو الغسل أو الوضوء، أو غسل الفرج فقط؟".
قال ابن عطيَّة: "وكلُّ واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدَّم وزوال أذاه".
قال: "وَمَا ذَهَبَ إليه الطَّبريُّ مِنْ أنَّ قِرَاءَةَ التَّشْدِيد مُضَمَّنُها الاغتسال، وقراءة التَّخفيف مُضَمَّنُها انْقِطَاعُ الدَّمِ أمرٌ غيرُ لاَزِم، وكذلك ادِّعَاؤهُ الإجماع" وفي رد ابن عطيَّة عليه نظرٌ؛ إذ لو حملنا القراءتين على معنى واحدٍ لزم التِّكرار. ورجَّح الفارسيُّ قراءة التَّخفيف؛ لأنها من الثلاثي المضادِّ لطمث وهو ثلاثي.
فصل في ورود لفظ الطهور في القرآن
قال أبو العبَّاس المقري: ورد لفظ "الطُّهُورِ" في القرآن بإزاء تسعة معانٍ:
الأول: انقطاع الدَّم، قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، أي: حتى ينقطع الدَّم.
الثاني: الاستنجاء بالماء؛ قال تعالى:
{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } [التوبة:108]، أي: يستنجون بالماء.
الثالث: الاغتسال، قال تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة:222] أي: اغْتَسَلْنَ.
الرابع: التَّنظيف من الأدناس، قال تعالى:
{ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } [البقرة:25].
الخامس: التَّطهُّر من الذُّنوب؛ قال تعالى:
{ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } [الواقعة:79]، ومثله: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ } [التوبة:103].
السادس: التَّطهير من الشّرك، قال تعالى:
{ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ } [الحج:26]، أي: طهره من الشرك.
السابع: الطهور الطيب، قال تعالى:
{ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } [الأحزاب:53] أي أطيب.
الثامن: الطهور الحلّ، قال تعالى:
{ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } [هود:78]، أي: أحل.
التاسع: التطهر من الرّجس، قال تعالى:
{ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً } [الأحزاب:33]، أي: من الآثام والرِّجس.
فصل في بيان النَّهي عن الإتيان هل بعد انقطاع الدم أو الاغتسال.
استدلّ أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} بأنه نهيٌ عن قربانهن إلى غاية، وهي أن يطهرن، أي ينقطع حيضهنّ، وإذا كان انقطاع الحيض غايةً للنَّهي؛ وجب أن يزول النَّهي عند انقطاع الحيض.
وأجيب بأنَّه لو اقتصر على قوله "حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ"، لكان ما ذكرتم لازماً أما إذا انضم إليه قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} صار المجموع هو الغاية، وذلك بمنزلة أن يقول الرَّجل: لا تكلِّم زيداً حتى يدخل الدَّار، فإذا طابت نفسه بعد الدُّخول، فكلّمه، فإنّه يجب أن يتعلّق إباحة كلامه بالأمرين جميعاً.
فإن قيل: يحمل قوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ" على غسل الموضع، فإنَّه يجب غسله بإجماع، فالجواب أنَّ ظاهر قوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ" حكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يكون هذا التَّطهير في كلّ بدنها لا في بعض بدنها، وأيضاً فنحمله على التَّطهير الثَّابت في المستحاضة لثبوته في الحيض، والمراد به الاغتسال، إذا أمكن وجود الماء.
فصل في هل تجبر الكتابيَّة على الاغتسال من الحيض
اختلفوا في الكتابيَّة؛ هل تجبر على الغسل؟
فقيل تجبر لقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعني بالماء، ولم يخص مسلمة من غيرها.
وقيل: لا تجبر؛ لأنها لا تعتقد ذلك، وقال تعالى:
{ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } [البقرة:228] وهو الحيض والحمل، وهذا خطاب للمؤمنات. وقال: { لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ } [البقرة:256].
قوله: "فَإِذَا تَطَهَّرْنَ" يعني اغتسلن، "فَأْتُوهُنَّ" أي: فجامعوهنّ.
قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللهُ} في "مِنْ" قولان:
أحدهما: أنَّها لابتداء الغاية، أي: من الجهة الَّتي تنتهي إلى موضع الحيض.
والثاني: أن تكون بمعنى "في"، أي: في المكان الذي نهيتم عنه في الحيض.
قال ابن عبَّاس، ومجاهد وإبراهيم، وقتادة وعكرمة: فأتوهنّ في المأْتى؛ فإنَّه هو الذي أمر الله به ولا تأتوهنّ في غير المأْتى؛ لقوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللهُ} أي: في حيث أمركم الله؛ كقوله:
{ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰوةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ } [الجمعة:9]، أي: في يوم الجمعة، وقوله: { مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ } [فاطر:40]، أي: في الأرض. ورجَّح هذا بعضهم، وفي الكلام حذفٌ، تقديره: "أَمَرَكُم اللهُ بالإِتيَان منه" يعني: أنَّ المفعول الثَّاني حذف للدلالة عليه.
قال الأصمُّ والزَّجَّاج: فأتوهنَّ بحيث يحلُّ لكم غشيانهنَّ، وذلك بأن لا يكنَّ صائماتٍ، ولا معتكفاتٍ، ولا محرماتٍ.
وقال محمَّد بن الحنفيَّة: فأتوهنّ من قبل الحلال دون الفُجُور. والأقرب: قول ابن عباس، ومن تابعه؛ لأن لفظة "حَيْثُ" حقيقة في الكلِّ، مجاز في غيرها.
فصل
قال أبو العبَّاس المقري: ترد "مِنْ" بمعنى "في" كهذه الآية، وتكون زائدة؛ كقوله تعالى:
{ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } [نوح:4]، وقوله: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ } [الشورى:13] أي: الدِّين، وقوله: { رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ } [يوسف:101]، أي الملك. وبمعنى "البَاءِ"؛ قال تعالى: { يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ } [غافر:15] أي: بأمره، وقوله: { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللهِ } [الرعد:11]، أي: بأمر الله، وقوله: { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ } [النبأ:14]، أي: بالمعصرات، وبمعنى "عَلَى"؛ قال تعالى: { وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ } [الأنبياء:77]، أي: على القوم.
قال القرطبيُّ: عبَّر عن الوطء هنا بالإتيان.
قوله: {إِنَّ ٱللهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} التَّوَّاب: هو المكثر من فعل ما يسمَّى توبةً، وقد يقال: هذا في حقِّ الله ـ تعالى ـ؛ من حيث إنه يكثر من قبول التَّوبة.
فإن قيل: ظاهر الآية يدلُّ على أنَّه يحبُّ تكثير التَّوبة مطلقاً، والعقل يدلُّ على أن التَّوبة لا تليق إلاَّ بالمذنب، فمن لم يكن مذنباً، لا تجب منه التَّوبة.
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المكلَّف لا يأمن البتَّة من التَّقصير.
والثاني: قال أبو مسلمٍ: التَّوبة في اللُّغة عبارة عن الرُّجوع، ورجوع العبد إلى الله في كلِّ الأحوال محمودٌ.
واعترضه القاضي: بأن التَّوبة ـ وإن كانت في أصل اللغة الرُّجوع ـ إلا أنها في عرف الشَّرع عبارةٌ عن النَّدَم على الفعل الماضي، والتَّرك في الحاضر، والعزم على ألاَّ يفعل مثله في المستقبل؛ فوجب حمله على المعنى الشَّرعيِّ دون اللُّغويّ.
ولأبي مسلم أن يجيب: بأنّ مرادي من هذا الجواب، أنّه إن أمكن حمل اللَّفظ على التَّوبة الشَّرعيَّة، فقد صحَّ اللَّفظ، وإن تعذَّر ذلك، حملناه على التَّوبة بحسب اللُّغة الأصليَّة.
قوله: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} فيه وجوه:
أحدها: المراد منه التَّنزُّه عن الذُّنوب والمعاصي، قاله مجاهد.
فإن قيل: كيف قدَّم ذكر المذنب على من لم يُذنب؟
فالجواب: قدَّمه لئلا يقنط التَّائب من الرَّحمة، ولا يعجب المتطهِّر بنفسه؛ كقوله في آيةٍ أخرى:
{ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ } [فاطر:32]، قاله القرطبي.
الثاني: قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبيّ: "يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذُّنُوبِ، والمتَطَهِّرِين بالمَاءِ من الأَحْدَاثِ والنَّجَاسَاتِ".
الثالث: قال مقاتل بن حيَّان: يحب التَّوَّابين من الذُّنُوب، والمتطهِّرين من الشِّرك.
الرابع: قال سعيد بن جبير: التَّوَّابين من الشِّرك، والمتطهِّرين من الذُّنوب.
الخامس: أن المراد ألا يأتيها في زمان الحيض، وألاَّ يأتيها في غير المأتى على ما قال: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللهُ}.
قال بعضهم: وهذا أولى؛ لأنه أليق بنظم الآية، ولأنَّه ـ تعالى ـ قال حكاية عن قوم لوطٍ:
{ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } [الأعراف:82]، فكان قوله: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} ترك الإتيان في الأدبار.
السادس: أنَّه ـ تعالى ـ لمَّا أمرهنّ بالتَّطهير في قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}، فلا حرم مدح التَّطهير، فقال: {وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} والمراد منه التَّطهير بالماء؛ قال ـ تعالى ـ:
{ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ } [التوبة:108]، قيل في التَّفسير: إنهم كانوا يستنجون بالماء، وكرَّر قوله "يُحِبُّ"؛ دلالةً على اختلاف المقتضي للمحبَّة، فتختلف المحبَّة.