التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ
٢٦
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
٢٧
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

اعلم أنَّه - تعالى - لَمَّا بَيَّنَ كون القرآن مُعْجزاً، أورد الكُفَّار هنا شبهةً قدحاً في ذلك، وهي أنَّهُ جاء في القرآن ذِكْرُ النَّحلِ، والعنكبوت، والنَّملِ، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفُصَحَاء، فاشتمالُ القرآن عليها يقدحُ في فصاحته، فَضْلاً عن كونه مُعْجزاً، وأجاب الله - تعالى - عنه بأنَّ صِغَر هذه الأَشْيَاء لا يقدح في فصاحةٍ، إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تَعَلُّق هذه الآية بما قبلها.
روي عن ابن عبّاس - رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّه لما قال:
{ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } [الحج: 73] فطعن في أصنامهم، ثُمَّ شَبَّه عبادتها ببيت العَنْكَبُوت.
قالت اليهود: أي قدر للذُّبَاب والعنكبوت حتَّى يَضْربَ اللهُ المَثَلَ بهما؟! فنزلت هذه الآية.
وقيل: إنَّ المُنَافقين طَعَنوا في ضرب الأمثالِ بالنَّار، والظلمات، والرَّعد، والبَرْق في قوله:
{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } [البقرة: 17] وقوله: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [البقرة: 19] قالوا: اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرِبَ الأمثالَ، فأنزل اللهُ هذه الآية، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس.
وروى عطاء عن ابن عبّاس أيضاً أنَّ هذا الطعن كان من المشركين.
فقال القَفَّالُرحمه الله : الكُلُّ محتملٌ هاهنا. أمَّا اليهود، فلأنه قيل في آخر الآية: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} وهذا صفة اليهود؛ لأنَّ الخطاب بالوفاءِ بالعهدِ إنَّمَا هو لبني إسرائيل، وأمَّّا الكفَّارُ والمنافقون فقد ذكروا في سورة "المدثر":
{ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } [المدثر: 31]، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المُنَافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين، لأنَّ السورة مَكِّيَةٌ، فقد جُمِعَ الفريقان هاهنا.
إذا ثبت هذا، فنقول: احتمال الكُلِّ هاهنا قائمٌ؛ لأنَّ الكافرين والمُنافقين واليهود كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الَّذين كفروا.
ثُمَّ قال القَفَّالُ: "وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه".
فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه
الحياء: تَغَيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري: نقصت حياته، واعتلت مجازاً، كما يُقَالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ: إذَا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا: فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله: "نَسِيَ وخَشِيَ وشظي" أي: أصيبَ نَسَاهُ، وهو "عرق" وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ.
وقيل: مجاز عن الخِشْيَةِ؛ لأنَّها أيْضاً من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا: أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحَقّرات، "قُوبِلَ" قولهم ذلك بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً}؛ [ونظيره قول] أبي تمَّام: [الكامل]

322- مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ

لو لم يذكر بناء الدَّارِ لم يصحّ بناء الجار.
وقيل: معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه؛ خوفاً من مُوَاقعة القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي "صحيح مسلم" عن أم سلمة قالت: "جاءت أم سليم إلى النِّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ" المعنى لا يأمر بالحَيَاءِ فيه، ولا يمتنع من ذكره.
قال ابن الخطيب: "القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله: أن الحياء حالةٌ تَحْصُلُ للإنسان، ولكن لها مبدأ ومنتهى، أمَّا المبدأ فهو التغيُّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن يُنْسبَ إليه القبيح، وأمَّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياءُ في حقِّ الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل تركُ الفعلِ الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضبُ [له مقدّمةٌ] وهو غليان دم القَلْبِ وشهوة الانتقام وله غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - تعالى - بالغَضَبِ، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان دم القَلْبِ، بل المرادُ تلك النّهاية، وهي إنزال العقاب، فهذا هو القانون الكُلِّ في هذا الباب".
فَصْلٌ في تنزيه الخالق سبحانه
قال القاضي: ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال: إنَّهُ - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال: إنَّهُ - تعالى - لا يوصفُ به، فأمَّا أن يقال: "لا يستحي" ويطلقُ عليه فمحالٌ؛ لأنَّهُ يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - تعالى - في كتابه من قوله:
{ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [البقرة: 255]، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [الإخلاص: 3] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى: { مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ } [المؤمنون: 91]، وكذلك قوله تعالى: { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [الأنعام: 14] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائز أن يُطْلقَ في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاَّ مع بيان أنَّ ذلك مُحَالٌ.
ولقائلٍ أن يقولَ: لاَ شَكَّ أنَّ هذه الصِّفَات منتفيةٌ عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها يدلُّ على صحّتها عليه.
فنقول: هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يَدُلُّ على ثبوته لغيره، لو قرنَ اللَّفظ بما يَدُلُّ على انتفاء الصِّحّة كان ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً.
فَصْلٌ في إعراب الآية
قوله: "لا يستَحْيي" جملة في محلِّ الرفع خبراً لـ "أن"، واستفعل هنا للإغناء عن الثُّلاثي المجرّد.
وقال الزمخشري: "إنَّهُ مُوَافق له أي: قد ورد "حَيي"، و "استَحْيى" بمعنى واحد، والمشهور: اسْتَحْيَى يَسْتَحْيي فهو مستحيٍ ومُسْتَحْيًى منه من غير حَذْف".
قال القرطبي: "ويستحيي" أصله يَسْتَحْييُ عينه ولامه حرفا علة أعلّت "اللام" منه بأن استثقلت الضمةُ على "الياء" فسكنت، والجمعُ مستحيون ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل: اسْتَقَى يَسْتَقِي.
وقرأ به ابن محيصن.
ويروى عن ابن كثير، وهي لغة "تميم" و "بكر بن وائل"، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى "الحاء" فسكنت، ثم استثقلت الضَّمة على الثانية، فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمعُ مستحون ومستحين، قاله الجوهري.
ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلفٌ فيه؛ فقيل: عينُ الكلمة، فوزنُه يَسْتَفِل.
وقيل: لامُه، فوزنه يَسْتَفِع، ثُمَّ نُقِلت حركةُ اللاَّم على القول الأوّل، وحركةُ العَيْن على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء؛ ومن الحذف قولُه: [الطويل]

323- ألا تَسْتَحِي مِنَّا المُلُوكُ وَتَتَّقِي مَحَارِمَنا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ

وقال آخر: [الطويل]

324- إذا ما اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ كَرَعْنَ بِسبْتٍ في إِنَاءٍ مِنَ الوَرْدِ

و "استحيي" يتعدَّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جرٍّ تقول: استحييتُه وعليه:
إذا ما استحين الماء..
واستحييت منه؛ وعليه:
أَلاّ تستحي مِنَّا الملوك..
فيحتمل أن يكون قد تعدَّى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل نصب قولاً واحداً، ويحتمل أن يكون تَعَدَّى إليه بحرف الجر المحذوف، وحينئذٍ يجري الخلافُ المتقدّم في قوله: "أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ".
و "يَضْرِب" معناه: يُبَيِّن فيتعدَّى لواحدٍ.
وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو: "ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِناً".
وقال بعضهم: "لا يتعدَّى لاثنين إلاَّ مع المثل خاصة"، فعلى القول الأوّلِ يكونُ "مَثَلاً" مفعولاً و "ما" زائدة.
وقال أبو مسلم الأصفهاني: "معاذ الله أنْ يكون في القرآن زيادة".
وقال ابن الخطيب: والأصح قول أبي مُسْلِمٍ؛ لأن الله - تعالى - وصف القرآن بكونه: هدى وبَيَاناً، وكونه لَغْواً ينافي ذلك، فعلى هذا يكون "ما" صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعاً. ونظيره قولهم: "لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصيرٌ أَنْفَهُ" وقولُ امرىء القيس: [المديد]

325- وَحَدِيثُ الرَّكبِ يَوْمَ هُنَا وَحَدِيثٌ مَّا عَلَى قِصَرِهْ

وقال أبو البَقَاءِ: وقيل: "ما" نَكِرَةٌ موصوفةٌ، ولم يجعل بعوضة صفتها، بل جعلها بدلاً منها، وفيه نظرٌ؛ إذ يحتاج أن يُقدِّر صفةً محذوفة ولا ضرورة إلى ذلك، فكان الأولى أن يجعل بعوضةً صفتها بمعنى أنَّهُ وصفها بالجنس المُنكَّرِ لإبهامِه، فهي في معنى "قليل"، وإليه ذهب الفرّاء والزَّجَّاجُ وثَعْلَبٌ، وتكون "ما" وصفتها حينئذٍ بدلاً من "مَثَلاً" و "بعوضة" بدلاً من "ما"، أو عطف بيان لها، إن قيل: "ما" صفة لـ "مثلاً"، أو نعتٌ لـ "ما" إن قيل: إنَّها بدلٌ من "مثلاً" كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من "مثلاً" أو عطف بيان له إن قيل: إن "ما" زائدة.
وقيل: "بعوضة" هو المفعول، و "مثلاً" نُصِبَ على الحالِ قُدِّمَ على النكرةِ.
وقيل: نُصِبَ على إسقاط الخافض، التقدير: ما بين بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ "بين" أعربت "بعوضة" بإعرابها، وتكون الفاء في قوله: "فما فوقها" بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفرّاء وغيرهم من الكوفيين؛ وأنشدوا: [البسيط]

326- يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْناً إلَى قَدَمٍ وَلاَ حِبَالَ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلُ

أي: ما بين قَرْنٍ.
وحَكَوْا: "له عشرون ما ناقةً فَجَمَلاً"، وعلى القول الثَّاني يكونُ "مثلاً" مفعولاً أوَّلَ، و "ما" تحتمل الوجهين المتقدمين، و "بعوضةً" مفعولٌ ثانٍ.
وقيل: بعوضةً هي المفعولُ الأولُ، و "مَثَلاً" هو الثَّاني، ولَكِنَّهُ قُدِّم.
وتلخَّص مما تقدَّم أنَّ في "ما" ثلاثة أوجه:
زائدة، صفة لما قبلَها، نكِرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في "مثلاً" ثلاثة أيضاً:
مفعول أوّل، أو مفعول ثان، أو حالٌ مقدّمة، وأنَّ في "بعوضة" تسعة أوجه، والصوابُ من ذلك كُلِّه أن يكون "ضَرَبَ" متعدِّياً لواحدٍ بمعنى بَيَّنَ، و "مثلاً" مفعولٌ به، بدليل قوله: "ضُرِبَ مَثَلٌ"، و "ما" صفةٌ للنَّكِرة، و "بعوضةً" بدلٌ لا عطف بيان، لأن عطف البيان ممنوع عند جمهور البصريين في النكرات.
وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ والضَّحَّاكُ ورؤبة بن العجاج برفع "بعوضةٌ" واتفقوا على أنَّها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو "ما" على أنَّها استفهاميةٌ أي: أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورَجَّحَهُ.
وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان:
أحدهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملة صلة لـ "ما" لكونها بمعنى الذي، ولكنَّهُ حذف العائد، وإن لم تَطُل الصِّلةُ، وهذا لا يجوز عند البصريين إلاَّ في "أيّ" خاصّة لطولها بالإضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ، أو ضرورة كقراءة: {تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنُ} [الأنعام: 154] وقوله: [البسيط]

327- مَنْ يُعَنْ يِالحَقِّ لاَ يَنْطِقْ بِمَا سَفَهٌ وَلاَ يَحِدْ عَنْ سَبِيلِ الحَمْدِ وَالكَرَمِ

أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ "ما" على هذا بدلاً من "مثلاً" كأنَّهُ قيل: مثلاً الذي هو بعوضةٌ.
قال النَّحَّاسُ: "والحذفُ في "ما" أقبحُ منه في "الذي" لأن "الذي" إنّما له وجه واحد، والاسم معه أطول".
والثاني: أن تُجْعَلَ "ما" زائدة، أو صفةً، وتكون "هو بعوضةٌ" جملة كالمفسِّرة لما انطوى عليه الكلامُ.
ويقال: إنَّ معنى: "ضربتُ له مثلاً" مَثَّلْتُ له مَثَلاً، وهذه الأبنية على ضربٍ واحدٍ، وعلى مثال [واحد] ونوعٍ واحد.
والضربُ: النوعُ، والبعوضةُُ: واحِدةُ البعوض، وهو معروف، وهو في الأَصْلِ وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذ من البَعْض، وهو القَطْع، وكذلك البَضْع والعَضْب؛ قال: [الوافر]

328- لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبِي دِثَارٍ إِذَا مَا خَافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا

وقال الجوهري: البعوض: البَقُّ، الواحدة بعوضة، سُميت بذلك لصغرها.
فَصْلٌ في استحسان ضرب الأمثال
اعلم أنّ ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول، وقد اشتهر العربُ في التمثيل بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذَّرَّةِ: "أجمع من ذَرَّةٍ"، و "أضبط من ذرَّة"، "وأخفى من ذَرَّةٍ"، وفي التمثيل بالذُّباب: "أجرأ من الذُّبَاب"، "وأخطأ من الذُّبَاب"، "وأطيش من الذباب"، و"أشبه من الذبابِ بالذباب"، "وألخّ من الذُّبَاب".
وفي التمثيل بالقراد: "أسمع من قراد"، وأضعف من قرادة، وأعلق من قرادة، وأغم من قرادة، وأدبّ من قرادة.
وقالوا في الجراد: أَطْيَرُ من جَرَادة، وأحْطَم من جَرَادة، وأَفْسد من جرادة، وأصفى من لعاب الجرادة.
وفي الفراشة: "أضعف من فراشة"، "وأجمل من فراشة"، و "أطيش من فراشة".
وفي البعوضةِ: "كلفني مخّ البعوضة"، مثلٌ في تكليف ما لا يُطَاق. فقولهم: ضرب الأمثال لهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى.
قلنا: هذا جَهْلٌ، لأنَّهُ - تعالى - هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمه في كُلِّ ما خلق وبرأ عام؛ لأنَّه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخفّ عليه من العظيم، ولا العظيم أصعب عليه من الصَّغير، وإذا كان الكُلُّ بمنزلةٍ واحدةٍ لم يكن الكبير أَوْلَى من أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير، بل المعتبر فيه ما يليقُ بالقضيَّةِ، وإذا كان الأليق بها الذُّباب والعنكبوت، ضرب المثل بهما، لا بالفيل والجمل، فإذا أراد أن يُقَبِّحَ عبادتهم للأصنام، ويُقَبِّحَ عدولهم عن عبادة الرحمن، صَلحَ أن يضرب المثل بالذُّبَاب، لِيُبَيِّنَ أن قدر مَضَرَّتها لا تندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل ببيت العَنْكَبُوت؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ عبادتها أَوْهَى وأضعف من ذلك كُلَّما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح، وضرب المَثَلِ بالبعوضة؛ لأَنَّهُ من عجائب خلق الله تعالى؛ فإنه صغير جِدًّا، وخرطومه في غاية الصغر، ثُمَّ إنَّهُ من ذلك مجوّف، ثمَّ ذلك الخرطوم مع فرط صغره، وكونه مجوّفاً يغوص في جلد الفِيل والجَامُوس على ثَخَانَتِهِ، كما يضرب الرجل أصابعه في الخبيص، وذلك لما رَكَّبَ الله في رأس خرطومه من السم.
قوله: {فَمَا فَوْقَهَا} قد تقدَّم أنَّ "الفاء" بمعنى "إلى"، وهو قولٌ مرجوحٌ جَدًّا، و "ما" في "فَمَا فَوْقَهَا" إن نصبنا "بعوضة" كانت معطوفةً عليها موصولةً بمعنى "الذي"، وصلتُهَا الظَّرفُ، أو موصوفةً وصفتها الظرفُ أيضاً، وإن رفعنا "بعوضةٌ"، وجَعَلْنَا "ما" الأولى موصولة أو استفهامية، فالثانية معطوفة عليها، لكن في جَعْلِنَا "ما" موصولةً يكون ذلك من عَطْفِ المفردات، وفي جعلنا إيَّاها استفهامية يكون من عَطْفِ الجمل، وإن جعلنا "ما" زائدة، أو صفة لنكرةٍ، و "بعوضةٌ" خبراً لـ "هو" مضمراً كانت "ما" معطوفة على بعوضة.
فَصْلٌ في معنى قوله: "فما فوقها"
قال الكسَائِيّ وأبو عُبَيْدَةَ، وغيرهما: معنى "فما فوقها" والله اعلمُ: ما دونها في الصِّغَرِ، والمحقّقون مالوا إلى هذا القول؛ لأنَّ المقصود من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكُلَّمَا كان المشبَّهُ به أشدَّ حقارةً كان المقصود أكمل حصولاً في هذا الباب.
وقال قتادة، وابن جريج: "المعنى في الكبر كالذُّباب، والعنكبوت، والكلبِ، والحمار؛ لأنَّ القوم أنكروا تمثيل اللهِ بتلك الأشياء".
قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}.
"أمَّا" حرفٌ ضُمِّن معنى اسم شرط وفعله، كذا قَدَّره سيبويه قال: "أمَّا" بمنزلةِ مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ.
وقال الزَّمَخْشَرِيّ: وفائدته في الكلام أن يعطيه فَضْلَ توكيد، تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنَّهُ لا محالة ذاهبٌ، قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ.
وقال بعضهم: "أمَّا" حرف تفصيل لما أجمله المتكلم، أو ادَّعَاه المخاطبُ، ولا يليها إلاَّ المبتدأ، وتلزم الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ ومقدَّرٍ كقوله:
{ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } [آل عمران: 106] أي: فيقال لهم: أكَفَرْتُمْ، وقد تحذفُ حيث لا قَوْلَ؛ كقوله: [الطويل]

329- فَأَمَّا القِتَالُ لاَ قِتَالَ لَدَيْكُمُ وَلَكِنَّ سَيْراً في عِرَاضِ المَوَاكِبِ

أي: فلا قتالَ.
ولا يجوز أن تليها "الفاء" مباشرة، ولا أن تتأخّر عنها بِجُزْأَي جملةٍ، لو قلت: "أَمَّا زَيدٌ منطلقٌ ففي الدَّارِ" لم يجز، ويجوز أنْ يَتَقَدَّمَ معمولُ ما بعد "الفاءِ" عليها متليٌّ أمَّا كقوله:
{ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ } [الضحى: 9]
ولا يجوز الفصلُ بَيْن أَمَّا والفاءِ بمعمول خبر "إنَّ" خلافاً للمبرد، ولا بمعمول خبر "ليت" و "لَعَلَّ" خلافاً للفرّاء، وإن وقع بعدها مصدرٌ نحو: "أمَّا عِلْماً فعالمٌ" فإن كان نكرةً جاز نصبه عند التميميين برُجْحَان، وضَعُفَ رَفْعُهُ، وإن كان معرفةً التزموا فيه الرَّفْع، وأجاز الحجازيون فيه الرفع والنصب نحو: "أَمَّا العِلْمُ فَعَالِمٌ"، ونصب المنكَّر عند سيبويه على الحال، والمعرَّف مفعول له.
وأمَّا الأخفشُ فنصبهما عنده على المفعول المطلق، والنصب بفعلِ الشرط المقدَّر، أو بما بعد الفاء، ما لم يمنع مانعٌ، فيتعَيَّن فِعلُ الشرط نحو: أمَّا عِلْماً فلا عِلْمَ له أو: فإنَّ زيداً عالمٌ؛ لأن "لا" و "إنَّ" لا يعْمَلُ ما بعدهما فيما قبلهما.
وأمَّا الرفعُ فالظاهِرُ أنه بفعل الشرط المقدَّرِ، أي: مهما يُذْكَرْ عِلْمٌ، أو: العلم فزيدٌ عالمٌ، ويجوز أن يكون مبتدأ، وعالمٌ خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ خبرهُ، والتقديرُ: أمَّا علمٌ - أو العلمُ - فزيدٌ عالمٌ به، وجاز الابتداء بالنكرة، لأنَّهُ موضعُ تفصيل، وفيها كلام طويل.
و "الَّذِينَ ءَامَنُوا" في مَحَلِّ رفع بالابتداء، و "فيعلمون" خبره.
قوله: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}.
الفاءُ جواب "أَمَّا" لما تضمنته من معنى الشَّرط، و "أَنَّهُ الْحَقُّ" سَادٌّ مَسَدَّ المفعولين عند الجمهور، [وساد] مسدّ المفعول الأوّل فقط، والثاني محذوف، عند الأخفش، أي: فيعلمون حَقِيْقَتَهُ ثَابِتَةً.
وقال الجمهور: لا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأنَّ وجود النسبة فيها بعد "أَنَّ" كافٍ في تَعَلُّق العلمِ، أو الظَّنِّ به، والضمير في "أَنَّهُ" عائدٌ على المَثَل.
وقيل: على ضرب المثل المفهوم من الفِعْل.
وقيل: على ترك الاستحياء.
و "الحقُّ": هو الثابت، ومنه حَقَّ الأمْرُ أي: ثبت، ويقابله الباطل.
و "الحق" واحدُ الحقوق، و"الحَقَّة" بفتح الحاء أخص منه، يقال: هذه حَقَّتِي، أي:حَقِّي.
و "من رَبِّهِم" في محل نصب على الحالِ من الحقِّ أي: كائناً وصادِراً من رَبِّهِمْ، و "مِنْ" لابتداء الغاية المَجَازية.
وقال أَبُو البَقَاءِ: والعامل فيه معنى الحقِّ وصاحِبُ الحالِ الضمير المستترُ فيه أي من الحقِّ؛ لأنَّهُ مشتقٌّ، فيتحمَّلُ ضميراً.
قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لغة "بني تميم"، و "بني عامر" في "أَمَّا"أَيْمَا" يبدلون من أحد الميمَيْن ياءً؛ كراهيةً للتضعيف؛ وأنشد عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ: [الطويل]

330- رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ

قوله:{فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ}.
اعلم أَنَّ "ما" له في كلام العرب ستة استعمالات:
أحدها: أن تكون "ما" اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و"ذا" اسمُ إشارةٍ خبرهُ.
والثاني: أن تكون "ما" استفهاميةً و "ذا" بمعنى الَّذِي، والجملةُ بعدها صلةٌ، وعائدها محذوفٌ، والأجودُ حينئذٍ أن يرفع ما أجيبَ به أو أُبْدِلَ منه؛ كقوله: [الطويل]

331- لاَ تَسْأَلاَنِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ

فـ "ذا" هنا بمعنى الذي؛ لأنه أُبْدِلَ منه مرفوعٌ، وهو "أَنحْبٌ"، وكذا {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوُ} [البقرة: 219] في قراءة أبي عمرو.
والثالث: أن يُغَلَّبَ حكم "ما" على "ذا" فَيُتْرَكَا، ويصيرا بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فيكون في محلِّ نصبٍ بالفِعْلِ بَعْدَهُ، والأجودُ حينئذٍ أن يُنْصبَ جوابُه والمبدلُ منه كقوله: {مَاذَا يُنْفِقُونَ قلِ: الْعَفْوَ} في قراءة غير أبي عمرو، و
{ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً } [النحل: 30] عند الجميع. ومنه قوله: [البسيط]

332- يَا خُزْرَ تَغْلِبَ مَاذَا بَالُ نِسْوَتِكُمْ لاَ يَسْتَفِقْنَ إِلَى الدَّيِْدَيْنِ تَحْنَانَا

فـ "ماذا" مبتدأ، و"بالُ نسوتكم" خبرهُ.
الرابع: أن يُجْعَلَ "ماذا" بمنزلةِ الموصول تغليباً لـ "ذا" على "ما" عكس الصورة التي قبله، وهو قليلٌ جدًّا؛ ومنه قوله: [الوافر]

333- دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ سَأَتَّقِيهِ وَلَكِنْ بِالْمُغَيَّبِ حَدِّثِينِي

فـ "ماذا" بمعنى الذي؛ لأنَّ ما قبله لا تعلّق له بهِ.
الخامس: زعم الفَارِسِيُّ أَنَّ "ماذا" كله تكون نكرة موصوفة، وأنشدَ: "دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ" أي: دَعِي شيئاً معلوماً، وقد تقدَّم تأويله.
السَّادس: وهو أضعفها أَنْ تكون "ما" استفهاماً، و "ذا" زائدة، وجميع ما تقدَّم يُصْلُحُ أن يكون مثالاً له، ولكنَّ زيادة الأسماء ممنوعة أو قليلة جِداً.
إذا عُرِفَ ذلك فقوله {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ} يجوز فيه وجهان دون الأربعة الباقية:
أحدهما: أن تكون "ما" استفهامية في محلِّ دفعٍ بالابتداء، و "ذا" بمعنى "الذي"، و "أراد اللهُ" صِلَة، والعائِدُ محذوف لاستكمال شروطه، تقديره: "أراده اللهُ" والموصول خَبَرُ "ما" الاستفهامية.
والثاني: أن تكون "مَاذَا" بمنزلةِ اسم واحدٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ بالفعلِ بعده، تقديره: أيَّ شيء أراد اللهُ. قال ابن كَيْسَان: وهو الجيد ومحل هذه الجملة النصب بالقول، و "مثلاً" نصب على التمييز، قيل: وجاء على معنى التوكيد؛ لأنه من حيث أشُير إليه بهذا عُلِمَ أَنَّهُ مَثَلٌ، فجاء التمييز بعده مؤكّداً للاسم الذي أُشيرَ إليه.
وقيل: نصب على الحالِ، واختلف في صاحبها، فقيل: اسم الإشارة، والعاملُ فيها معنى الإشارة.
وقيل: اسم اللهِ - تعالى - أي: مُتَمَثِّلاً بذلك.
وقيل: على القطعِ وهو رأي الكوفيين، ومَعْنَاه عندهم: أنَّهُ كان أصله أن يتبع ما قبله، والأصلُ: بهذا المثلِ، فلمَّا قُطِعَ عن التَّبعيَّةِ انتصب؛ وعلى ذلك قول امرىء القيس: [الطويل]

334- سَوَامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثٍ فُرُوعُهُ وَعَالَيْنَ قِنْوَاناً مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا

أصله: من البُسْرِ الأَحْمَرِ.
فَصْلٌ في معنى الإرادة واشتقاقها
و "الإرادةُ" لغةٌ طلبُ الشيءً مع المَيْلِ إليه، وقد تتجرّد للطلب، وهي التي تنسبُ إلى اللهِ - تعالى - وعَيْنُها واوٌ من رادَ يرودُ، طَلَب، فأصلُ "أراد"أَرْوَدَ" مثل: أقام، والمصدرُ الإرادةُ مثلُ الإقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتْ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث.
فَصْلٌ في ماهية الإرادة
و "الإرادةُ" ماهية يجدها العاقل من نفسه، ويُدْركُ بالتفرقةِ البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذّته، وإذا كان كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف.
وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رُجْحَانَ أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع، بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القَيْدِ الأخير عن القدرةِ.
قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} الياء فيه للسَّببيَّة، وكذلك في "يهدي به"، وهاتان الجملتان لا محلَّ لهما؛ لأنَّهما كالبيان للجملتين المُصَدَّرَتِيْنِ بـ "أَمَّا"، وهما من كلام الله تعالى. وقيل: في محلِّ نَصْبٍ؛ لأنهما صفتان لـ "مَثَلاً" أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ النَّاس به إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتَدِين، وهما على هذا من كلام الكفَّار.
وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من اسم اللهِ، أي: مُضِلاًّ به كثيراً، وهادياً به [كثيراً].
وجَوَّزَ ابن عطية أن يكون جملة قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} من كلام الكُفَّارِ، وجملةُ قوله: "وَيَهْدِي بِهِ كَثيراً" من كلام الباري تعالى. وهذا ليس بظاهرٍ لأنَّهُ إلباسٌ في التركيب.
والضميرُ في "به" عائدٌ على "ضَرْب" المضاف تقديراً إلى المَثَل، أي يضرب المثل، وقيل: الضميرُ الأوّل للتكذيب، والثاني للتصديق، ودَلَّ على ذلك قوة الكلام.
[وقُرِىء: {يُضَلُّ به كثيرٌ، ويُهْدَى به كثيرٌ، وما يُضَلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقُونَ} بالبناء للمفعول].
وقُرِىءَ أيضاً: {يَضِلُّ كَثِيرٌ ويَهْدِي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقون} بالبناء للفاعل.
قال بعضهم: "وهي قراءة القَدَرِيَّة، وقد نَقَلَ ابن عطية عن أبي عمرو الدَّاني أنَّهَا قراءة المعتزلة". ثم قال: "وابن أبي عبلةَ من ثِقَات الشاميين" يعني قارئها، وفي الجملةِ فهي مخالفة لسواد المصحفِ.
فإنْ قيل: كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقوله:
{ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } [ص: 24]، و { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } [سبأ: 13] فالجوابُ أَنّهم، وإن كانوا قليلينَ في الصُّورة، فهم كثيرون في الحقيقةِ؛ كقوله: [البسيط]

335- إِنَّ الكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلاَدِ وَإِنْ قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلَّ وَإِنْ كَثُرُوا

فصار ذلك باعتبارين.
فَصْلٌ في استعمالات الهمزة
قال ابن الخطيب: "الهمزةُ تجيءُ تارةً لتنقل الفِعْلَ من غير التعدِّي إلى التعدّي كقولك: "خَرَجَ" فَإِنَّهُ غير متعدٍّ، فإذّا قلت "أَخْرج" فقد جعلته متعدّياً، وقد تجيء لتنقل الفعل من التعدِّي إلى غير التعدِّي كقوله "كَبَبْتُهُ فأكب" وقد تجيء لمجرّد الوجدان".
حُكِيَ عن عمرو بن معديكرب أَنَّهُ قال لبني سليم: "قَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجْبَنّاكُم، وَهَاجَيْنَاكم فما أفْحَمْنَاكم، وسألناكم فما أبخلناكم"، أي: ما وجدناكم جبناء ولا مفحمين، ولا بخلاء. ويقال: أتيت أرضَ فُلاَن فأعمرتها، أي: وجدتها عامرةً.
ولقائل أن يقولَ: لم لا يجوز أن يقال: الهمزة لا تفيد إلاَّ نقل الفعل من غير التعدّي إلى التعدِّي، وأمَّا قوله: كَبَبْتُهُ فَأَكَبَّ، فلعلَّ المراد كببته فأكبَّ نفسه على نفسه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين، وهذا ليس بعرف؟!
وأما قوله: "قاتلناكم فما أجبناكم" فالمراد ما أثّر قتالنا في صيرورتكم جبناء، وكذا القول في البواقي وهذا الذي قلناه أولى دفعاً للاشتراك.
إذا ثبت هذا فنقول قولنا: "أَضَلَّهُ الله" لا يمكن حمله إلاّ على وجهين:
أحدهما: أنه صَيَّرَهُ ضَالاًّ عن الدِّين.
والثاني: وجده ضالاًّ.
فَصْلٌ في معنى الإضلال
واعلم أن معنى الإضلالِ عن الدين في اللُّغة: هو الدعاء إلى ترك الدِّيْنِ، وتقبيحه في عَيْنِهِ، وهذا هو الإضلال الذي أضافه اللهُ - تعالى - إلى "إبليس" فقال:
{ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } [القصص: 15] وقال: { وَلأُضِلَّنَّهُمْ } [النساء: 119].
وقوله:
{ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } [فصلت: 29]، وأيضاً أضاف هذا الإضلال إلى فرعون، فقال: { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ } [طه: 79].
واعلم أنَّ الأُمَّةَ مجمعة على أن الإضلال بهذا المَعنى لا يجوز على اللهِ تعالى؛ فإنَّه ما دعا إلى الكفر، وما رَغَّبَ فيه، بل نهى عنه، وزَجَرَ وتَوَعَّدَ بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي في الإضلال في اللُّغَةِ هذا، وهذا المعنى منفي بالإجماع، ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللَّفظ على ظاهره، وعند هذا افتقر أهل الْجَبْرِ والقدر إلى التأويل.
أمَّا أهل الجَبْرِ فقد حملوه على أَنَّهُ - تعالى - خالق الضلال والكفر فيهم وصدّهم عن الإيمان، وحال بينهم وبينهُ، ورُبَّمَا قالوا: هذا هو حقيقةُ اللفظ في أصل اللغةِ؛ لأنَّ الإضلال عبارة عن جَعْلِ الشَّيء ضالاًّ كما أنَّ الإخراج والإدخال عبارةٌ عن جَعْلِ الشيء خارجاً وداخلاً. وأما المعتزلة فقالوا: التأويل من وجوه:
أحدها: قالوا: إِنَّ الرَّجُلَ إذا ضَلَّ باختياره عن حضور شيء من غير أن يكون لذلك الشَّيء أثر في ضلالة فيقال لذلك الشيء: إِنَّهُ أَضَلَّهُ قال تعالى في حق الأصنام:
{ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً } [إبراهيم: 36] أي: ضَلُّوا بِهِنَّ وقال: { وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً } [نوح: 23- 24] أي: ضَلَّ كثيرٌ من النَّاسِ بهم.
وقال:
{ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً } [المائدة: 64]. وقوله: { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً } [نوح: 6] أي: لم يزدهم الدُّعاءُ إِلاَّ فِراراً.
وقال:
{ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي } [المؤمنون: 110] وهم لم ينسوهم في الحقيقة، وكانوا يُذَكِّرونهم الله.
وقال:
{ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } [التوبة: 124- 125].
فأخبر تعالى أَنَّ نزول السورة المشتملة على الشَّرَائعِ يُعَرِّفُ أحوالهم.
فمنهم من يصلح عليها؛ فيزداد بها إيماناً؛ ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كُفْراً، فأضيفت الزيادةُ في الإيمان، والزيادة في الكُفْرِ إلى السُّورة؛ إذ كانوا إنَّمَا صلحوا عند نزولها وفسدوا، فهكذا أُضِيفَ الضَّلالُ والهُدَى إلى الله تعالى؛ إذ كان حدوثهما عند ضربه - تعالى - الأمثال لهم.
وثانيها: أنَّ الإضلال هو التسمية بالضلالة، فيقال: أَضَلَّهُ إذا سماه ضالاً، وأكفر فلان فلاناً إذا سمَّاه كافراً، وذهب إليه قطرب، وكثير من المعتزلةِ.
ومن أهل اللغةِ من أنكره، وقال: إِنَّمَا يقال: ضللته تضليلاً، إذا سمَّيْتُهُ ضالاًّ، وكذلك فَسّقته وفَجَّرته، أي: سَمَّيْتُه: فاسقاً وفاجراً.
وأجيب عنه بأنَّه حتى صَيَّرَهُ في نَفْسِهِ ضالاَّ لَزِمه أي يُصَيِّره محكوماً عليه بالضَّلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير وإطلاق اسم الملزوم على اللازمِ مجاز مشهورٌ.
وثالثها: أن يكون الإضلال هو التَّخلية، وترك المنع بالقهر، والجبر، فيقال: أَضَلَّهُ أي: خَلاَّه وضلاله.
قالوا: ومجازه من قولهم: "أَفْسَدَ فُلانٌ ابْنَهُ، وأهلكه" إذا لم يتعهدّه بالتأديب؛ ومنه قوله: [الوافر].

336- أَضَاعُونَي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا......................................

ويقال لمن ترك سيفه في الأرضِ النَّدِيَّةِ حَتَّى فَسَدَ وصدىء: أفسدت سيفك وأصدأته.
ورابعها: الضلال، والإضلال هو العذاب والتعذيب لقوله
{ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } [القمر: 47] { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ } [القمر: 48]، فوصفهم بأنَّهُمْ يوم القيامةِ في ضلال، وذلك هو عذابه.
وخامسها: أن تحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، كقوله:
{ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } [محمد: 1] قيل: أهلكها، وأبطلها، ومجازه من قولهم: "ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ" إذا صار مستهلكاً فيه.
ويقال: أضَلَّ القَوْمُ مَيِّتَهُمْ، أي: واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يُرَى.
وقالوا:
{ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ } [السجدة: 10] فيتحمل أن يضل الله إنساناً أي: يهلكه ويعدمه.
وسادسها: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنَّةِ.
قالت المعتزلة: وهذا في الحقيقة ليْسَ تأويلاً، بل حَمْلٌ للَّفظ على ظاهره فإن الآية تَدُلُّ على أَنَّهُ يضلّهم، وليس فيها دلالة على أنه عن ماذا يُضلهم؟ فنحن نحملها على أنَّهُ - تعالى - يُضِلُّهم عن طريق الْجَنَّةِ، ثُمَّ حملوا كُلَّ ما في القرآنِ من هذا الجنس على هذا المحمل، وهو اختيار الجُبَّائي. قال تعالى:
{ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } [الحج: 4] أي: يُضِلُّه عن الجنَّةِ وثوابها هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية.
وسابعها: أن تحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان على ما تقدَّم، فيقال: أَضَلَّ فلانٌ بَعِيرَهُ أي: ضَلَّ عنه، فمعنى إضلال الله - تعالى - لهم أَنَّهُ وجدهم ضَالِّين.
وثامنها: أن يكون قوله: {يُضِلُّ به كَثِيراً، ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من تمام قول الكُفَّار كأَنَّهم قالوا: ماذا أراد اللهُ بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه؟
ثُمَّ قالوا: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، ذكروه على سبيل التَّهَكُّم، فهذا من قول الكُفَّارِ، ثُمَّ قال تعالى جواباً لهم: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} أي ما أضَلَّ إِلاَّ الفاسقين.
هذا مجموع كلام المعتزلة.
قالت الجبرية: وهذا معارضٌ بمسألة الدّاعي، وهي أن القادِرَ على العلم والْجَهْلِ والإهداء والضلالِ لم فعل أحدهما دون الآخر؟
ومعارضٌ أيضاً بمسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى:
{ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } [البقرة: 7].
والجَوَابُ عن الآيات يأتي في مواضعه.
قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} "الفاسقين" مفعول لـ "يضل" وهو استثناء مُفَرّغ، وقد تقدَّم معناه، ويجوز عند القرّاء أن يكون منصوباً على الاستثناء والمستثنى منه محذوف تقديره: "وما يُضِلُّ به أحداً إِلاَّ الفاسقين"؛ كقوله: [الطويل]

337- نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ وَلَمْ يَنْجُ إِلاَّ جَفْنَ سَيْفٍ ومئزَرَا

أي: لم ينجُ بشيء، ومنع أبو البقاء نصبه على الاستثناء، كأنَّهُ اعتبر مذهب جمهور البَصْريين.
و "الفِسْقُ" لغةً: الخروجُ، يقالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرهَا، أي: خَرَجَتْ، والفأرة من جُحْرِها.
و "الفاسقُ": خارج عن طاعةِ الله، يقال: فَسَقَ يَفْسُقُ ويَفْسِقُ بالضم والكسر في المضارح فِسْقاً وفُسُوقاً، عن الأخفش فهو فَاسِقٌ.
وزعم ابن الأعرابي، أنَّه لم يسمع في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم "فاسق"، وهذا عجيبٌ، وهو كلامٌ عربيٌّ حكاه عنه ابن فارس والجَوْهَرِيُّ، وقد ذكر ابنُ الأَنْبَارِيِّ في كتاب "الزّاهِر" لمّا تَكَلَّمَ على معنى "الفِسْقِ" قَوْلَ رُؤْبَة: [الرجز]

338- يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْراً غَائِراً فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا

و "الفسيق": الدائم الفسق، ويقال في النداء: يا فَاسِق ويا خبيث، يريد يا أيُّها الفاسق ويا أيها الخبيث. والفسقُ في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعةِ اللهِ عز وجل، فقد يقع على من خرج بعصيان. واختلف أهل القبلة في أنَّهُ مؤمنٌ أو كافر.
فعند بعضهم أنَّهُ مؤمن، وعند الخوارج: أَنَّه كافرٌ، وعند المعتزلة: أنَّه لا مؤمن ولا كافر.
واحْتَجَّ الخَوَارجُ بقوله تعالى:
{ بِئْسَ ٱلاِسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ } [الحجرات: 11].
وقال:
{ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة: 67]. وقال: { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ } [الحجرات: 7] وهذه مسألة طويلة مذكورة في علم الكلام.
قوله: "الَّذِينَ يَنْقُضُونَ" فيه أربعة وجوه:
أحدها: أَنُ يكون نعتاً لـ "الفاسقين".
والثاني: أَنَّهُ منصوبٌ على الذَّمِّ.
والثالث: أَنَّهُ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره الجملة من قوله {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}.
والرابع: أَنَّهُ خبر لمبتدأ محذوف أي: هم الفاسقون. والعهدُ في كلامهم على معانٍ:
منها الوصيَّةُ والضَّمان، والاكتفاء، والأمر.
و "مِنْ بَعْدِ" متعلِّق بـ "ينقضون"، و "من" لابتداء الغاية، وقيل: زائدة، وليس بشيء. والضميرُ في ميثاقه يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله تعالى، فهو على الأوّل مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وعلى الثَّاني مضافٌ للفاعل.
و "الميثاقُ" العَهْدُ المؤكَّدُ باليمين مِفْعَال الوثاقةِ والمعاهدةِ، والجمع: المواثيق على الأصل؛ لأن أصل مِيِثَاق: مِوْثَاق، صارت "الواو" ياء؛ لانكسار ما قبلها وهو مصدرٌ كـ "الميلاد" و "المِيعَاد" بمعنى الولادة، والوعد؛ وقال ابن عطية: هو اسْمٌ في وضع المصدر؛ كقوله: [الوافر]

339- أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوتِ عَنِّي وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا

أي: إِعْطَائِكَ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمادة تَدُلُّ على الشَّدِّ والرَبْطِ، وجمعه مَوَاثِيق، ومَيَاثِق، أيضاً، ومَيَاثيق؛ وأنشد ابن الأعرابيِّ: [الطويل]

340- حِمًى لاَ يَحُلُّ الدَّهْرُ إلاَّ بإِذْنِنَا وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيَاثِقِ

والمَوْثِق: المِيثَاق والمُواثَقَة والمُعَاهَدَة؛ ومنه قوله تعالى: { وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ } [المائدة: 7].
فَصْلٌ في النقض
النقضُ إفسادُ ما أبرمته من بناءٍ أو حبل أو عهد، والرجوع به إلى الحالة الأولى.
والنقاضة: ما نُقِضَ من حبل الشعر، والمُنَاقضةُ في القولِ: أَنْ يتكَلَّمَ بما يناقض معناه، والنَّقيضةُ في الشّعر ما ينقضُ به.
والنِّقض: المَنْقُوض، واختلف النَّاسُ في هذا العَهْدِ، فقيل: هو أذلي أخذه اللهُ على بني آدم - عليه السَّلام - حين استخرجهم من ظهره.
قال المتكلمون: "هذا ساقطٌ"؛ لأنَّه - تعالى - لا يحتج على العبادِ بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بالسَّهْوِ والنسيان وقيل: هو وصيَّةُ اللهِ - تعالى - إلى خلقه، وأمره إياهم بها أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل: بل نَصبَ الأدلّة على وحدانيته بالسموات، والأرضِ، وسائر الصنعة، وهو بمنزلة العَهْدِ، ونقضهم ترك النَّظَر في ذلك.
وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوَّة محمد عليه السَّلام، ولا يكتموا أمره، فالآية على هذا في أَهْل الكتاب.
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: عهده جَلَّ وعَزَّ ما أخذه على النَّبيين ومَنْ تبعهم، ألاَّ يَكْفُرُوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ودليلُ ذلك:
{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ } [آل عمران: 81] إلى قوله: { وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي } [آل عمران: 81] أي: عهدي.
قوله: {وَيَقْطَعُونَ} عطف على {يَنْقُضُونَ} فهي صلة أيضاً، و "ما" موصولة، و {أَمَرَ اللهُ به} صلتها وعائدها.
وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير عليها إلاَّ عند أبي الحَسَن وابن السراج وهي مفعولة بـ "يَقْطَعُونَ" والقطع معروف، والمصدر - في الرّحم - القطيعة، يقال: قطع رحمه قطيعة فهو رجل قُطَعٌ وَقُطَعَةٌ، مثل "هُمَزَة"، وقَطَعْتُ الحبل قَطْعاً، وقطعت النهر قُطُوعاً، وقَطَعَت الطير قُطُوعاً، وقُطَاعاً، وقِطَاعاً إذا خرجت من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.
وأصاب الناسَ قُطْعَةٌ: إذا قلت مياههم، ورجل به قُطْعٌ أي انبهار.
قوله: {مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} "ما" في موضع نصب بـ "يقطعون" و "أَنْ يُوصلَ" فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الجر على البدل من الضمير في "بِهِ" أي ما أمر الله بِوَصْلِهِ؛ كقول امرىء القيس: [الطويل]

341- أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ فَتَقْصُرُ عَنْهَا خُطْوَةٌ أَوْ تَبُوصُ

أي: أمِنْ نَأْيِهَا.
والنصب وفيه وجهان:
أحدهما: أنه بدل من "مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ" بدل اشتمال.
والثاني: أنه مفعول من أجله، فقدره المَهْدوِيّ: كراهية أن يوصل، وقدره غيره: ألا يوصل.
والرفع على أنه خبر مبتدأ [مضمر] أي: هو أن يوصل، وهذا بعيداً جداً، وإن كان أبو البقاء ذكره.
واختلف في الشيء الذي أمر بوصله فقيل: صلة الأَرْحام، وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى:
{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ } [محمد: 22] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة.
وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا. وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله - تعالى - به أن يوصل، هذا قول الجمهور.
وقيل: إن الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حَبْلَهُمْ بِحَبْلِ المؤمنين، فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار.
وقيل: إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك.
و "يُفْسِدُونَ" عطف على الصّلة أيضاً، و "في الأَرْضِ" متعلق به.
والأظهر أن يراد به الفساد في الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم.
وقيل: يعبدون غير الله، ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه - تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأَفَاعيل خسر فقال: "أُولِئَكَ هُمُ الخَاسِرُونَ" كقوله:
{ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [البقرة: 5]، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر "الذِينَ يَنْقُضُونَ" إذا جعل مبتدأ.
وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا مَحلّ لها حينئذ، و "هم" زائدة، ويجوز أن يكون "هم" مبتدأ ثان، و "الخَاسِرُونَ" خبره، والثاني وخبره خبر الأول.
والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز.
والخسران: النقصان، كان في ميزان أو غيره؛ قال جرير: [الرجز]

342- إِنَّ سَلِيطاً فِي الخَسَارِ إِنَّهْ أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ

يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم.
قال الجوهري: وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته.
والخَسَار والخَسَارَة والْخَيْسَرَى: الضَّلال والهلاك. فقيل للهالك: خاسر؛ لأنه خسر نفسه، وأهله يوم القيامة، ومنع منزله من الجَنّة.
فصل
قال القرطبي: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الوفاء بالعهد والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله - تعالى - من نقض عهده.
وقد قال:
{ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } [المائدة: 1] وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ } [الأنفال: 58] فنهاه عن الغَدْرِ، وذلك لا يكون إلاَّ بنقض العهد، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.