التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ
٣٤
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

العامل في "إذ" محذوف دلّ عليه قوله: "فَسَجَدُوا" تقديره: أطاعوا وانقادوا، فسجدوا؛ لأن السجود ناشىء عن الانقياد.
وقيل: العامل "اذكر" مقدراً.
وقيل: زائدة وقد تقدّم ضعف هذين القولين.
وقال "ابن عطية": "وإذ قلنا" معطوف على "إذ" المتقدمة، ولا يصحّ هذا لاختلاف الوقتين.
وقيل: "إذ" بدل من "إذ" الأولى، ولا يصحّ لما تقدّم، ولتوسّط حرف العَطْف، وجملة "قلنا" في محل خَفْضٍ بالظرف، ومنه التفات من الغيبة إلى التكلُّم للعظمة، و "اللام" للتَّبْليغ كنظائرها.
والمشهور جَرّ تاء "الملائكة" بالحَرْف، وقرأ "أبو جعفر" بالضم إتباعاً لضمة "الجيم" ولم يعتد بالسَّاكن، وغلّطه الزَّجاج وخطأه الفارسي، وشبهه بعضهم بقوله تعالى:
{ وَقَالَتُ ٱخْرُج } [يوسف: 31] بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح، لأن تلك حركة التقاء السَّاكنين، وهذه حركة إعراب، فلا يتلاعب بها، والمقصود هناك يحصل بأي حركة كانت.
وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية إلاّ في لغة ضعيفة كقراءة
{ ٱلْحَمْدِ لِلَّهِ } [الفاتحة: 2] يعني بكسر الدال.
قال الشيخ "شهاب الدين": وهذا أكثر شذوذاً، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك من الضَّعف المتقدم؛ لأن - هناك - فاصلاً، وإن كان ساكناً.
وقال "أبو البقاء": وهي قراءة ضعيفة جدًّا، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الرَّاوي لم يضبط عن [القارىء] وذلك أن [القارىء] أشار إلَى الضَّم تنبيهاً على أنّ الهمزة المحذوفة مضمومةٌ في الابتداء، فلم يدرك الراوي هذه الإشارة، وقيل: إنه نَوَى الوَقْفَ على "التَّاء" ساكنة، ثم حركها بالضم إتباعاً لحركة الجيم، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوَقْفِ.
ومثله ما روي عن امرأة رأت رجلاً مع نساء، فقالت: "أفي السَّوَتَنْتُنَّهْ" - نوت الوقف على "سوءة"، فسكنت التاء، ثم ألقت عليها حركة همزة "أنتن" فعلى هذا تكون هذه حركة السَّاكنين، وحينئذ تكون كقوله: "قَالَتُ: أخْرُجْ" وبابه، وإنما أكثر الناس توجيه هذه القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القَعْقَاع شيخ نافع شيخ أهل "المدينة" وترجمتهما مشهورة.
و "اسجدوا" في محل نصب بالقول، و "اللام" في "لآدم" الظَّاهر أنها متعلّقة بـ "اسجدوا"، ومعناها التعليل، أي: لأجله.
وقيل: بمعنى "إلى" أي: إلى [جهته له] جعله قبلة لهم، والسجود لله.
وقيل: بمعنى مع، لأنه كان إمامهم كذا نقل.
وقيل: اللاَّم للبيان فتتعلّق بمحذوف، ولا حاجة إلى ذلك.
و "فسجدوا" الفاء للتعقيب، والتقدير: فسجدوا له، فحذف الجار للعلم به، والسُّجود لغة: التذلُّل والخضوع، وغايته وضع الجَبْهَةِ على الأرض، وقال "ابن السكيت": "هو الميل"، قال: "زيد الخيل": [الطويل]

378- بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ

يريد: أن الحوافر تطأ الأرض، فجعل بأثر الأُكْمِ للحوافر سجوداً؛ وقال آخر: [المتقارب]

379-......................... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِهَا

وفرق بعضهم بين "سجد"، و "أسجد" فـ "سجد": وضع جبهته، وأسجد: أَمَال رأسه وَطأْطَأَ؛ قال الشاعر: [المتقارب]

380- فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسْجَدَتْ سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِها

وقال آخر: [الطويل]

381 وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا................................

يعني أن البعير طَأْطَأَ رأسَه لأجلها.
ودَرَاهِمُ الأسجاد: دَرَاهِمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال: [الكامل]

382-......................... وَافَى بِهَا كَدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ

فصل في تعداد النعم العامة على بني آدم
اعلم أن هذا هو النعمة الرّابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه خصص آدم بالخلافة أولاً، ثم خصصه بالعلم ثانياً، ثم بلوغه في العلم إِلَى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، ثم ذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة.
فإن قيل: الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله - تعالى - خلقه آدم بدليل قوله:
{ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [ص: 71- 72]، فظاهر هذه الآية يدلّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - لما صار حيًّا صار مسجود الملائكة؛ لأن "الفاء" في قوله: {فَقَعُوا} للتعقيب، وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء، ومناظرته مع الملائكة في ذلك الوَقْتِ حصل بعد أن صار مسجود الملائكة.
فالجَوَابُ: أجمع المسلمون على أن ذلك السُّجود ليس سُجُودَ عِبَادَةٍ، ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال:
الأول: أن ذلك السجود كان لله - تعالى - وآدم - عليه الصلاة والسلام - كان كالقِبْلَةِ، وطعنوا في هذا القول من وجهين:
الأول: أنه لا يقال: صلّيت للقبلة، بل يقال: صليت إِلَى القبلة، فلو كان - عليه الصّلاة والسلام - قبلة لقيل: اسْجُدوا إلى آدم.
الثاني: أن "إبليس" قال:
{ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } [الإسراء: 62] أي: أن كونه مسجوداً يدلّ على أنه أعظم حالاً من السّاجد، ولو كان قِبْلَةً لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً - عليه الصلاة والسلام - كان يصلّي إلى الكعبة، ولم تَكُنِ الكعبة أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام.
والجواب عن الأول: أنه كما يجوز أن يقال: صَلَّيْتُ إِلَى القبلة، جاز أن يقال: صَلَّيْتُ للقبلة؛ قال تعالى:
{ أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } [الإسراء: 78] والصّلاة لله لا للِدُّلُوك؛ وقال حسان: [البسيسط]

383- مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الأَمْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَن أَبِي حَسَنِ
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ وَأَعْرَفَ النَّاسِ بالْقٌرْآنِ وَالسُّنَنِ

والجواب عن الثاني: لا نسلم أن التكرُّم حصل بمجرد ذلك السُّجود، بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر.
والقول الثاني: أن السجدة كان لآدم تعظيماً له وتحيَّةً له كالسَّلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السَّالفة تفعل ذلك.
قال قتادة: قوله:
{ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً } [يوسف: 100] كانت تحيّة الناس يومئذ.
الثَّالث: أنَّ السجود في أَصْلِ اللُّغة، هو الانقياد والخضوع، ومنه قوله تعالى:
{ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } [الرحمن: 6].
واعلم أن القول الأوّل ضعيف، لأن المقصود تعظيم آدم عليه الصلاة والسلام، وجعله مجرّد القِبْلَةِ لا يفيد تعظيم حاله.
والقول الثالث: ضعيف أيضاً؛ لأن السجود في عرف الشرع عبارة عن وضع الجَبْهَةِ على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير.
فإن قيل: السجود عِبَادَةٌ، والعبادة لغير الله لا تجوز.
فالجواب: لا نسلم أنه عِبَادَةٌ؛ لأن الفعل قد يصير بالمُواضعة مفيداً كالقول، كقيام أحدنا للغير يُفِيْدُ من الإعظام ما يفيده القول، وما ذاك إلا للعادة، وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأَرْضِ وإلصاقه الجَبينَ بها مفيداً ضرباً من التعظيم، وإن لم يكن ذلك عِبَادَة، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبّد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته.
فصل في بيان أن الأنبياء أفضل من الملائكة
قال أكثر أهل السُّنة: الأنبياء أفضل من الملائكة.
وقالت المعتزلة: الملائكة أَفْضَلُ من الأنبياء، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقِلاني [وأبي عبد الله الحليميّ].
وحجّة المعتزلة أمور:
أحدها: قوله تعالى:
{ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [الأنبياء: 19] والمراد من هذه العِنْدِيَّة القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم.
ولقائل أن يقول: إنه - تعالى - أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله:
{ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } [القمر: 55].
وأما في الدنيا فقال عليه الصَّلاة والسلام يقول الله سبحانه:
"أَنا مَعَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لأَجْلِي" .
وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم؛ لأن كون الله - تعالى - عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله.
وثانيها: قالوا: عبادات الملائكة أشَقّ من عبادات البشر، فيكونون أكثر ثواباً من عبادات البشر، فإن الملائكة سُكّان السماوات، وهي جَنَّات، وهم آمنون من المَرضِ والفقر، ثم إنهم مع استكمال أسباب النّعم لهم خاشعون وَجِلُونَ كأنهم مَسْجُونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنات، بل يقبلون على الطَّاعة الشاقة، ولا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المُتَطَاولة، ويؤيّده قصّة آدم - عليه الصّلاة والسلام - فإنه أطلق له الأكل في جميع مواضع الجنة، ثم إنه منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه.
وثالثها: أن انتقال المكلّف من نوع عِبَادَةٍ إلى نوع آخر كالانتقال من بُسْتَان إلى بستان، أما الإقامة على نَوْعٍ واحدٍ، فإنها تورث المَشَقّة والمَلاَلَة، والملائكة كلّ واحد منهم مُوَاظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره، فكانت عبادتهم أَشَقّ، فيكون أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام:
"أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا" أي: أَشَقُّهَا، وقوله لعائشة: "إنِّمَا أَجْرُكِ على قَدْرِ نَصبِكِ" .
ولقائل: أن يقول: في الوَجْه الأول لا نسلّم أن عبادة الملائكة أشقّ.
أما قولهم: السماوات جنات.
قلنا: نسلم، ولم قلتم بأن العبادة في المَوَاضع الطّيبة أشقّ من العبادة في المواضع الرَّديئة؟ أكثر ما في الباب أنه تهيّأ لهم أسباب النعم، فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعةٌ على البشر، ومع هذا يرضون بقضاء الله، ولا تغيرهم تلك المِحَنُ عن المُوَاظبة على عبوديته، وهذا أعظم في العبودية.
وأما قولهم: المُوَاظبة على نَوْعٍ واحدٍ من العبادة أشقّ.
قلنا: لما اعتادوا نوعاً واحداً صاروا كالمَجْبُورين الذين لا يقدرون على خِلافِهِ؛ لأنَّ العادة طبيعة خامسة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
"أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ كان يصوم يوماً ويُفْطر يوماً" .
ورابعها: قالوا: عبادات المَلاَئكة أَدْوَم؛ لأن أَعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: "أَفْضَلُ العُبَّاد من طال عمره، وحَسُنَ عمله" .
ولقائل أن يقول: إن نوحاً ولقمان والخَضِر - عليهم الصَّلاة والسلام - كانوا أطول عمراً من محمد - عليه الصلاة والسلام - فوجب أن يكونوا أفضل منه، وذلك باطل بالاتفاق.
وخامسها: أنهم أسبق في كل العِبَادَاتِ فيكونون أفضل لقوله تعالى:
{ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ } [الواقعة: 10، 11] ولقوله عليه الصلاة والسلام: "من سَنَّ سُنّةً حَسَنَة فله أَجْرُهَا وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" .
ولقائل أن يقول: فهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه الصلاة والسلام - أفضل من محمد عليه الصلاة والسّلام؛ لأنه أوّل من سَنّ عبادة الله من البشر وأسبق، وذلك باطل.
وسادسها: أن الملائكة رُسُل إلى الأنبياء، والرسول أفضل من الأمة.
فإن قيل: إن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم، فإنه يكون أشرف منهم، أمّا إذا أرسل واحداً إلى واحد، فقد لا يكون الرسول أشرف، كما إذا أرسل السلطان مَمْلُوكَهُ إلى وزيره في مُهِمَّة [فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير]. قلنا: لكن جبريل - عليه السلام - مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر، فعلى هذا يكون جبريل أفضل منهم.
وأيضاً أن الملك قد يكون رسولاً إلى ملك آخر أو إلى أحد من الأنبياء، وعلى التقديرين الملك رسول، وأمته رسل، والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي ليس كذلك، ولأن إبراهيم - عليه الصّلاة والسلام - كان رسولاً إلى لُوطٍ - عليه السّلام - فكان أفضل منه، وموسى كان رسولاً إلى الأنبياء الذين كانوا في عَصْرِهِ، فكان أفضل منهم.
ولقائل أن يقول: الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي، فقد يكون ذلك الرسول حاكماً ومتولياً أمورهم، وقد يكون ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم، فالقسم الأوّل هم الأنبياء المبعوثون إلى أممهم، فلا جرم كانوا أفضل من أممهم.
فإن قلتم: إن بِعْْثَةَ الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأوّل حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء.
وسابعها: قوله:
{ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } [النساء: 172] فقوله: "ولا الملائكة" خرج مخرج التأكيد للأول، وهذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال: هذه الخَشَبة لا يقدر على حملها العَشْرة، ولا المائة، ولا يقال: لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد، ويقال: هذا العالم لا يَسْتَنْكِفُ عن خدمته الوزير ولا الملك، ولا يقال: لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب.
ولقائل أن يقول: هذه الآية إن دلّت، فإنما تدلّ على فضل الملائكة المقرّبين على المسيح، لكن لا يلزم منه فَضْلُ الملائكة المقربين على مَنْ هُوَ أفضل من المسيح، وهو محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وموسى وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - بإجماع المسلمين.
ثم نقول قوله: "ولا المَلاَئكَة" ليس فيه إلا "واو" العطف، و "الواو" للجمع المُطْلق، فيدلّ على أنّ المسيح لا يستنكف، والملائكة لا يستنكفون، فأما أن يدلّ على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا.
قال تعالى:
{ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ } [المائدة: 2] أو نقول: سلمنا أن عيسى دون مَجْمُوعِ الملائكة في الفَضْلِ، فإن قلتم: دون كل واحد من الملائكة في الفضل؟ فإن قيل: وصف الملائكة بكونهم مقربين يوجب ألاَّ يكون المسيح كذلك.
قلنا: تخصيص الشّيء بالذكر لا يدلُّ على نفيه عما عداه.
وثامنها: قوله:
{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } [الأعراف: 20] ولو لم يكن متقرراً عند آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - أن الملك أفضل من البَشَرِ لم يقدر "إبليس" على غرورهما بذلك.
ولقائل أن يقول: هذا قول "إبليس" فلا يكون حُجّة، ولا يقال: إن آدم اعتقد صحة ذلك، واعتقاد آدم حُجّة، لأنا نقول: لعلّ آدم - عليه الصَّلاة والسّلام - ما كان نبياً في ذلك الوقت، فلم يلزم من فَضْلِ الملك عليه في ذلك الوَقْتِ فضل الملك عليه حال ما صار نبيًّا، ولأن الزَّلَّة جائزة على الأنبياء.
وأيضاً فهب أن الآية تدلّ على أن الملك أفضل من البَشَرِ في بعض الأمور المرغوبة.
فلم قلتم: إنها تدلّ على فضل الملك على البَشَرِ في باب القدرة والقوة، والحسن والجمال، والصفاء والنقاء عن الكُدُورات الحاصلة بسبب التركيبات؟ فإن الملائكة خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فلعل آدم وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلاّ أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور المعدودة.
وتاسعها: قوله تعالى:
{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } [الأنعام: 50].
ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد: ولا أقول لكم إني مَلَكٌ في كثرة العلوم، وشدة القوة، ويؤيده أن الكفار طالبوه بأمور عظيمة نحو: صعود السَّماء، ونقل الجِبَالِ، وإحضار الأموال العظيمة، وأيضاً قوله: {قل: لا أقول لكم عِنْدِي خَزَائِنُ الله} يدلّ على اعترافه بأنه لا يعلم كلّ المعلومات، فلذلك لا أدّعي قُدْرَةً مِثْلَ قُدْرَةِ الملك، ولا علماً مثل علمه.
وعاشرها: قوله تعالى:
{ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } [يوسف: 31].
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد التشبيه في الجمال؟
قلنا: الأَوْلَى أن يكون هذا التشبيه في السِّيرة لا في الصّورة، لأن الملك إنما تكون سِيْرَتُهُ المرضية لا بمجرد الصورة.
ولقائل: أن يقول: قول المرأة:
{ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ } [يوسف: 32] كالصريح في أن مراد النِّسَاء بقولهن: { إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } [يوسف: 31] تعظيم لحسن يُوسف وجماله لا في السَِّيرة؛ لأن ظهور عُذْرِهَا في شدّة عشقها، إنما حصل بسبب فرط يوسف في الجَمَال لا بسبب فرط زُهْده وورعه، فإن ذلك لا يُنَاسب شدّة عشقها.
سلمنا أن المراد تشبيه يوسف - عليه الصلاة والسلام - بالمَلَكِ في حسن السِّيرة، فلم قلتم: يجب أن يكون أقل ثواباً من الملائكة؟
الحادي عشر: قوله تعالى:
{ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء: 70]، ومخلوقات الله - تعالى - إما المكلفون، أو من عداهم، ولا شك أن المكلفين أفضلُ من غيرهم، فالمكلّفون أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجنّ، والشياطين، ولا شَكّ أن الإنس أفضل من الجنّ والشياطين، فلو كان البشر أفضل من الملائكة لزم أن يكون البشر أفضل من كُلّ المخلوقات، وحينئذ لا يبقى لقوله: { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء:70] فائدة.
بل كان ينبغي أن يقال: "وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى جَمِيْعِ مَنْ خَلَقْنَا"، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر.
ولقائل أن يقول: هذا تمسُّك بدليل الخطاب؛ لأن التصريح بأنهم أفضل من كثيرٍ من المَخْلُوقات لا يدلّ على أنه ليس أَفْضل من الباقي ألا بواسطة دليل الخطاب.
وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من [جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من] المجموع الثاني [أن يكون كُلّ واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني]، فإنا إذا قدرنا عشرة من العَبيدِ كلّ واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية كل واحد منهم ديناراً، فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، إلا أنه حصل في المجموع الثَّاني واحد هو أفضل من كلّ واحد من آحاد المجموع الأول فكذا ها هنا.
الثاني عشر: قوله تعالى:
{ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ } [الانفطار: 10، 11] فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم، وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين:
الأوّل: أنه - تعالى - جعلهم حَفَظَةً، والحافظ للمكلّف عن المعصية يكون أبعد عن الخطأ من المحفوظ، وذلك يقتضي كونهم أبعد عن المعاصي، وأقرب إلى الطَّاعات من البشر، وذلك يقتضي مزيد الفضل.
والثاني: أنه - سبحانه - جَعَلَ كتابتهم حُجّة للبشر في الطّاعات، وعليهم في المَعَاصي، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقَبُولِ من قول البشر، ولو كان البشر أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس.
ولقائل أن يقول: أما كون الحافظ أكرم من المحفوظ، فهذا بعيد، فإن المَلكَ قد يوكّل بعض عبيده على ولده.
وأما الثاني فقد يكون الشاهد أدون حالاً من المشهود عليه.
الثالث عشر: قوله تعالى:
{ يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } [النبأ: 38].
والمقصود من ذكر أحوالهم المُبَالغة في شَرْحِ عظمة الله وجلاله، ولو كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الإنباء عن عَظَمةِ الله وجلاله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى.
ولقائل أن يقول: ذلك يدلّ على أنهم أزيد حالاً من البَشَرِ في بعض الأمور، فلم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي قوتهم وشدّتهم وبطشهم؟ وهذا كما يقال: إن السُّلطان لما جلس وقف حَوْلَ سريره ملوك أطراف العالم خاضعين فإن عظمة السُّلطان إنما تشرح بذلك، ثم إنَّ هذا لا يدلُّ على أنهم أكرم عند السلطان من ولده، فكذا ها هنا.
الرابع عشر: قوله:
{ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } [البقرة: 285] فبيّن تعالى أنه لا بُدّ في صحّة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء، فبدأ بنفسه، وثَنّى بالملائكة، وثلّث بالكتب، وربّع بالرسل، وكذا في قوله: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } [آل عمران: 18]، وقال: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاۤئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ } [الأحزاب: 56]، والتقديم في الذِّكر يدلّ على التقديم في الدرجة؛ لأن تقديم الأدْوَنِ على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً، فوجب أن يكون قبيحاً شرعاً.
ولقائل أن يقول: هذه الحجّة ضعيفة؛ لأن الاعتماد إن كان على "الواو" فـ "الواو" لا تفيد الترتيب، وَإِنْ كان على التقديم في الذِّكْرِ فينتقض بتقديم سورة "تَبّت" على سورة
{ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص: 1].
الخامس عشر: قوله تعالى:
{ إِنَّ اللهَ وَمَلاۤئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } [الأحزاب:56]، فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك يدلّ على كون الملائكة أشرف من النبي. ولقائل أن يقول: هذا ينتقض بقوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب:56] فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي، ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي، فكذا في الملائكة.
واحتجّ من قال بتفضيل الأَنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - على الملائكة بأمور:
أحدها: أن الله - تعالى - أمر الملائكة بالسجود لآدم، وثبت أن آدم لم يكن كالقِبْلَةِ، فوجب أن يكون آدم أفضل منهم؛ لأن السجود نهايَةُ التواضُعِ، وتكليف الأشرف بنهاية التواضُعِ للأَدْوَنِ مُسْتَقْبَحٌ في العقول.
وثانيها: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفةٌ له، والمراد منه خلافة الولاية لقوله:
{ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ } [ص: 26].
ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مَقَامَهُ في الولاية والتصرف، فهذا يدل على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أشرف الخلائق.
فالدنيا خلقت متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبُّر عليه، والجن رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده، والتواضع له، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلاَّته.
وثالثها: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أعلم، والأعلم أفضل، أما أنه أعلم فلأنه - تعالى - لما طلب منهم علم الأسماء
{ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ } [البقرة: 32] فعند ذلك قال الله: { يَآءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ } [البقرة: 33] وذلك يدلّ على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالماً بما لم يكونوا عالمين به، والعالم أَفْضَلُ لقوله تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9].
ورابعها: قوله تعالى:
{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } [آل عمران: 33] والعَالَم عبارة عن كل ما سوى الله - تعالى - فمعناه أن الله - تعالى - اصطفاهم على المخلوقات.
فإن قيل: يُشْكل بقوله تعالى:
{ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } [البقرة: 47].
قلنا: الإشكال مدفوع؛ لأن قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود، وحينما كانوا موجودين لم يكن محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - موجوداً في ذلك الزمان، والمعدوم لا يكون من العالمين؛ لأن اشتقاق العالم من العَلَمِ فكل ما كان عَلَماً على الله ودليلاً عليه فهو عالم، وإذا كان كذلك لم يلزم اصْطِفاء الله إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد - عليه الصلاة والسلام - والملائكة كانوا موجودين، فيلزم أن يكون الله - تعالى - قد اصطفى هؤلاء على الملائكة، وأيضاً فهب أن تلك دَخَلَهَا التخصيص لقيام الدليل، وها هنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر، فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم.
وخامسها: قوله تعالى:
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107] والملائكة من جملة العالمين، فكان محمد - عليه الصلاة والسَّلام - رحمة لهم، فوجب أن يكون أفضل منهم.
وسادسها: أنَّ الآدمي له شهوةٌ داعية إلى المَعْصِيَةِ والملك ليست له هذه الشهوة، والفعل مع المعارض القوي أشدّ منه بدون المعارض.
فإن فيل: الملائكة لهم شهوةٌ تدعوهم إلى المعصية، وهي شهوة الرئاسة.
قلنا: هَبْ أن الأمر كذلك، لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البَطْنِ والفَرْجِ، وشهوة الرئاسة والملك ليس إلا شهوة واحدة، وهي شهوة الرئاسة، والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشقّ من المبتلى بشهوة واحدة. وأيضاً الملائكة لا يعملون إلاَّ بالنَّص لقوله:
{ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ } [البقرة: 32] وقوله: { لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء: 27] والبشر لهم قوّة الاسْتنباط والقياس، والعمل بالاسْتِنْبَاط أشقَ من العمل النص، وأيضاً فإنّ الشبهات للبشر أكثر منها للملائكة؛ لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السَّيَّارة أسباباً لحوادث هذا العالم، فالبَشَرُ احتاجوا إلى دفع هذه الشُّبهة، والملائكة لا يحتاجون إليها، لأنهم ساكنون في عالم السَّمَاوات، فيشاهدون كيفية افتقارها إِلَى المدبّر الصَّانع، وأيضاً فإن الشيطان لا سَبِيْلَ له إلى وسوسة الملائكة، وهو مسلّط على البشر في الوَسْوَسَةِ، وذلك تفاوت عظيم. إذا ثبت أن طاعتهم أشقّ، فوجب أن يكونوا أكثر ثواباً للنص والقياس.
فأما النص قوله عليه الصلاة والسلام:
"أَفْضَلُ العِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا" أي: أشقُّها، وأما القياس فإن الشيخ الذي ليس له مَيْلٌ إلى النِّسَاء إذا امتنع عن الزِّنَا ليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنه مع المَيْلِ الشّديد، والشَّوق العظيم.
وسابعها: أن الله - تعالى - خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وخلق للبهائم شهوةً بلا عَقْلٍ، وخلق الآدمي وجمع فيه الأمرين، فصار الأدمي بسبب العَقْل فوق البهيمة بدرجة، فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون المَلاَئكة، ثم وجدنا الآدمي إذا غلب هَوَاهُ عقله، فإنه يصير دون البَهِيْمَةِ على ما قال:
{ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [الأعراف:179] فيجب أن يقال: إذا غلب عقله هواه أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.
وثامنها: أن الملائكة حَفَظَةٌ، وبنو آدم محفوظون، والمحفوظ أشرف من الحافظ، أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الأول، فقالوا: قد سبق بيان أنّ من الناس من قال: المراد من السُّجود التَّواضع لا وضْع الجَبْهَةِ على الأرض، وإن سلم أنه وضع الجبهة لكنه قال: السُّجود لله وآدم قبله، فزال الإِشْكَال، وإن سلم أن السجود كان لآدم، فلم قلتم: إن ذلك لا يجوز من الأشرف؟ وذلك لأن الحكمة قد تقتضي إظهار نهاية الانقياد، والطاعة، فإن للسلطان أن يجلس عَبْداً من عبيده، ويأمر الأكابر بخدمته، ويكون غرضه إظهار كونهم مُطِيْعين مُنْقَادين له في كُلّيات الأمور، وأيضاً فإن الله - تعالى - يفعل ما يَشَاءُ، ويحكم ما يريد، فإن أفعاله غير معلّلة، ولذلك قلنا: إنه لا اعتراض عليه في خلق الكُفْرِ في الإنسان، ثم يعذبه عليه أبد الآباد، وإذا كان كذلك، فكيف يعترض عليه في أن أمر الأعلى بالسجود لمن هو دونه.
وأما الحجّة الثانية فجوابها أن كون آدم خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه السلام - كان أَشْرَفَ من كل من في الأرض ولا يدلّ على كونه أشرف من ملائكة السماء.
فإن قيل: فَلِمَ لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض؟
قلت: لوجوه: منها أن البشر لا يطيقون رُؤْيَةَ الملائكة، ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل.
وأما الحجّة الثالثة: فلا نسلّم أنّ آدم كان أعلم منهم، وأكثر ما في الباب أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان عالماً بتلك اللُّغات، وهم ما علموها، لكنهم لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء، مع أن آدم - عليه السلام - ما كان عالماً بها ويحقق هذا أن محمداً - عليه أفضل الصلاة والسلام - أفضل من آدم - عليه السلام - مع أن محمداً ما كان عالماً بهذه اللُّغات بأسرها، وأيضاً فإن "إبليس" كان عالماً بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم من الجَنّة، وأن آدم - عليه السلام - ليس كذلك، والهُدْهُد قال لسليمان صلوات الله وسلامه عليه:
{ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } [النمل: 22] ولم يكن أفضل من سُلَيْمَانَ، سلمنا أنه كان أعلم منهم، ولكن لِمَ لَمْ يجز أن يقال: إن طاعاتهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم عليه الصلاة والسلام؟.
وأما الحجة الرابعة: فهي قويّة.
وأما الخامسة: فلا يلزم من كون محمّد - عليه الصّلاة والسلام - رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله تعالى:
{ فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثٰارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ } [الروم: 50] ولا يمتنع أن يكون - عليه الصلاة والسلام - رحمةً لهم من وجه، وهم يكونون رحمة له من وجه آخر.
وأما الحجّة السادسة: وهي أن عبادة البشر أشقّ فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصُّوفية يتحمّل في طريق المُجَاهدة من المَشَاقّ والمتاعب ما يقطع بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يتحمّل مثلها مع أنا نعلم أن محمداً عليه الصلاة والسلام أفضل من الكل.
أما الحُجّة السَّابعة: فهي جمع بين الطَّرفين من غير جامع.
فإن قيل: فإذا لم يكن أفضل منهم، فما الحكمة بالأمر بالسجود له؟
قيل له: إنَّ الملائكة لما استعظموا تَسْبِيْحَهُمْ، وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريه استغناءه عنهم، وعن عبادتهم.
وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به، فأمروا بالسجود له تكريماً، ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم:
{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } [البقرة: 30].
فإن قيل: فقد استدلّ ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - على فضل البشر بأن الله - تعالى - أقسم بحياة مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام فقال:
{ لَعَمْرُكَ } [الحجر: 72] وأمنه من العذاب لقوله: { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [الفتح: 2]، وقال للملائكة: { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 29].
قيل له: إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بِحَيَاةِ نفسه سبحانه فلم يقل: "لَعَمْري" وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدلّ على أنها أرفع قدراً من العرش، وأقسم بـ "التِّين والزَّيْتُون".
وأما قوله سبحانه:
{ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ } [الأنبياء:29] فهو نظير قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ } [الزمر: 65] وهذا آخر الكلام في هذه المسألة.
قوله: "إلاَّ إِبْلِيسَ"إِلاَّ" حرف استثناء، و "إبليس" نصب على الاستثناء، وهل نصبه بـ "إلا" وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة "إلاّ" أو بفعل محذوف أو بـ "أن" أقوال؟
وهل هو استثناء متّصل أو منقطع؟ خلاف مشهور.
والأصح أنه متّصل - وأما قوله تعالى:
{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50]، فلا يرد؛ لأن الملائكة قد يسمون جنًّا لاجْتِنَانِهِمْ، قال الشاعر في سليمان: [الطويل]

384- وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلاَئِكِ تِسْعَةً قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلاَ أَجْرِ

وقال تعالى: { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } [الصافات: 158] يعني: الملائكة.
واعلم أن المستثنى على أربعة أقسام:
قسم واجب النَّصْب، وقسم واجب الجَرّ، وقسم جائز فيه النصب والجر، وقسم جائز فيه النَّصْب والبَدَل مِمَّا قبله، والأرجح البدل.
الأول: المُسْتَثْنَى من الموجب والمقدَّم، والمكرر والمنقطع عند "الحجاز" مطلقاً، والواقع بعد "لا يَكُون" و "لَيْسَ" و "ما خَلاَ" و "ما عَدَا" عند غير الجَرْمِيّ؛ نحو: "قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْداً"، و "مَا قَامَ إِلاَّ زَيْداً القَوْمُ"، و "ما قَامَ أحدٌ إلاّ زَيْداً إلا عَمْراً"، و "قاموا إلاّ حِمَاراً" و "قَامُوا لا يكونُ زيداً" أو "لَيْسَ زيداً" و "مَا خَلاَ زيداً" و "مَا عَدَا زيداً".
الثاني: المستثنى بـ "غَيْر" و "سِوًى" و "سُوًى" و "سَوَاء".
الثالث: المستثنى بـ "عَدَا" و "حَاشَا" و "خَلاَ".
الرابع: المستثنى من غير الموجب؛ نحو:
{ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } [النساء: 66].
و "إبليس" اختلف فيه، فقيل: إنه اسم أعجمي منح من الصّرف للعلمية والعُجْمة، وهذا هو الصّحيح، قاله "الزَّجاج" وغيره؛ وقيل: أنه مشتقٌّ من "الإبْلاَس" وهو اليأس من رحمة الله - تعالى - والبعدُ عنها؛ قال: [السريع أو الرجز]

385- ………………………… وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ

ووزنه عند هؤلاء: "إِفْعِيل"؛ واعترض عليهم بأنه كان ينبغي أن يكون منصرفاً، وأجابوا بأنه أشبه الأسماء الأعجميّة لعدم نظيره في الأسماء العربية؛ ورد عليهم بأن مثله في العربية كثير؛ نحو: "إزْمِيل" و "إكْلِيل" و "إغْريض" و "إخْرِيط".
وقيل: لما لم يقسم به أحدٌ من العرب، صار كأنه دَخِيلٌ في لسانهم، فأشبه الأعجمية، وفيه بُعْدٌ.
فصل في جنس إبليس
اختلفوا في "إبليس"
فقال أكثر المتكلمين والمعتزلة: إنه لم يكن من المَلاَئكة، وهو مرويّ عن ابن عَبّاس، وابن زيد، والحسن، وقتادة - رضي الله عنهم - قالوا: "إبليس أبو الجِنّ كما أن آدم أبو البَشَرِ، ولم يكن ملكاً فأشبه الحرف".
وقال شهر بن حَوْشَبٍ، وبعض الأصوليين: "كان من الجن الذين كانوا في الأرض، وقاتلهم الملائكة فَسَبَوْهُ وتعبّد مع الملائكة وخوطب".
وحكاه الطبري، وابن مسعود، وابن جريح، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم، وهو اختيار الشيخ أبي الحَسَنِ، ورجّحه الطبري، وهو ظاهر الآية أنه من الملائكة.
قال ابن عباس: "وكان اسمه عزَازِيل، وكان من أشراف الملائكة، وكان من أُولِي الأَجْنِحَةِ الأَرْبَعَةِ ثم أبلس بعد".
روى سليمان بن حَرْب عن عكرمة عن ابن عَبّاس قال: كان إبْلِيْسُ من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه فَلَعَنَهُ، فصار شيطاناً.
وحكى المَاوَرْدِيّ عن قتادة: أنه كان من أَفْضَلِ صنف من الملائكة يقال لهم الجنّة.
وقال سعيد بن جبير: إن الجنّ سِبْطٌ من الملائكة خُلقوا من نار، وإبليس منهم، وخلق معاشر الملائكة من نور.
حجّة القول الأول، وهو أنه لم يكن من الملائكة وجوه:
أحدها: قوله تعالى:
{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50] وإذا كان من الجنّ وجب أن ألاّ يكون من الملائكة لقوله تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاۤئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } [سبأ: 40، 41]، وهذا صريح في الفرق بين الجنّ والمَلَكِ.
فإن قيل: لا نسلّم أنه كان من الجنّ، لأن قوله:
{ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50] يجوز أن يكون المراد كان من الجنّة على ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان من الجنّ كان خازن الجنة.
سلمنا ذلك، لكن لِمَ لاَ يجوز أن يكون قوله: "من الجن" أي: صار من الجن كقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}.
سلّمنا ما ذكرتم، فَلِمَ قلتم: إن كونه من الجنّ ينافي كونه من الملائكة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، ولهذا سمي الجَنِين جنيناً لاجتِنَانِهِ، ومنه الجُنّة لكونها ساترة، والجِنّة لكونها مستترة بالأَغْصَان، ومنه الجُنُون لاستتار العَقْل به، والملائكة مستترون عن الأعين، فوجب جواز إطلاق لفظ الجِنّ عليهم بحسب اللُّغة، يؤيد هذا التأويل قوله تعالى في الآية الأخرى:
{ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } [الصافات: 158]، وذلك لأن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله، فهذه الآية تدلّ على أن الملائكة تسمى جنًّا.
والجواب: لا يجوز أن يكون المُرَاد من قوله: "كان من الجن" أنه كان خازن الجنّة؛ لأن قوله:
{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50] يشعر بتعليل تركه السُّجود بكونه جنياً، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازن الجنّة، فبطل ذلك.
{ { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } [الصافات: 158] قلنا: يحتمل أن بعض الكُفّار أثبت ذلك النسب في الجنّ، كما أثبته في الملائكة، وأيضاً فقد بينا أن الملك يسمى جنّاً بحسب أصل اللُّغة، لكن لفظ الجنّ بحسب العرف اختصّ بالغير، كما أن لفظ الدَّابة يتناول كل ما دَبّ بحسب اللُّغة الأصلية، كلغة بحسب العرف اختص ببعض ما يدبّ، فيحتمل أن تكون هذه الآية على اللغة الأصلية والآية التي ذكرناها على العرف الحادث.
وثانيها: أن "إبليس" له ذريّة لقوله تعالى:
{ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ } [الكهف: 50] والملائكة لا ذريّة لها؛ لأن الذريّة إنما تحصل من الذَّكَرِ والأُنْثَى، والملائكة لا أنثى فيها لقوله: { وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَٰثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَٰدَتُهُمْ } [الزخرف: 19] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة.
وثالثها: أنّ الملائكة معصومون، و "إبليس" لم يكن كذلك فوجب ألا يكون من الملائكة.
ورابعها: أن "إبليس" مخلوق من نار لقوله تعالى حكاية عن "إبليس":
{ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } [الأعراف: 12].
قال:
{ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } [الحجر: 27] والملائكة مخلوقون من النّور، لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلقت المَلاَئِكَةُ من نُورٍ وخُلِقَ الجَانّ من مَارِجٍ من نَارٍ" .
حجّة القول الثاني، وهو أن "إبليس" كان من الملائكة أمران:
الأول: أن الله - تعالى - استثناه من الملائكة، والاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب، قال الله تعالى:
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } [الزخرف: 26، 27] وقال: { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً } [الواقعة: 25، 26] وقال: { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً } [مريم: 62]، وقال: { لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ } [النساء: 29]، وقال: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } [النساء: 92] وأيضاً فلأنه كان جنيًّا واحداً بين الألوف من الملائكة، فغلبوا عليه في قوله: فسجدوا، ثم استثني هو منهم استثناء واحد منهم؛ لأنا نقول: كل واحد من هَذَيْنِ الوجهين على خلاف الأصل، وذلك إنما يُصَار إليه عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من المَلاَئكة ليس فيها إلاّ الاعتماد على العُمُومَاتِ، فلو جعلناه من الملائكة لزم تَخْصِيصُ ما عَوَّلْتُمْ عليه من العُمُومَاتِ.
ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا جعل الاستثناء منقطعاً، فكان قولنا أولى، وأيضاً فالاستثناء إنما يتحقّق من الشيء والصرف، ومعنى الصرف إنما يتحقّق حَيْثُ لولا الصّرف لدخل، والشيء لا يدخل في غير جنسه، فيمتنع تحقق معنى الاستثناء منه.
وأما قوله: إنه جني واحد من الملائكة فنقول: إنما يجوز إجراؤكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقطُ العِبْرَةِ غير ملتفت إليه، أما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلاَّ عن ذلك الواحد لم يجز إجراؤكم غيره عليه.
الثاني: قالوا: لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ} متناولاً، ولا استحال أن يكون تركه السجود إباءً واستكباراً ومعصية، ولما استحقّ الذم والعقاب، ولما حصلت هذه الأمور، علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله، ولن يتناوله ذلك الخطاب إلاّ إذا كان من الملائكة. لا يقال: إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه لمّا نشأ منهم، وطالت خُلْطته بهم والتصق بهم علا ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله:
{ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } [الأعراف: 12] لأنا نقول: أما الأول فجوابه: أن المُخَالطة لا توجب ما ذكرتموه ولهذا قيل في أصول الفقه: خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدّة المخالطة بين الصنفين، وأيضاً فشدّة المُخَالطة بين الملائكة، وبين "إبليس" لما لم يمنع اقتصار اللَّعن على إبليس، فكيف يمنع اقتصار ذلك التَّكليف على المَلاَئِكَةِ، ولنا كونه أمر بأمر آخر غير محكي في القرآن، فإن ترتيب الحكم على الوَصْفِ يشعر بالغَلَبَةِ، فلما ذكر قوله: "أَبَى واسْتَكْبَرَ" عقيب قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ}، أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مُخَالفة هذا الأمر، لا بسبب مُخَالطة أمر آخر، وطريق الجمع بين الدليلين ما ذكرنا عن ابن عباس أن "إبليس" كان من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه، فَصَار شيطاناً.
وقول سعيد بن جبير إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نَارٍ، وإبليس منهم وليس في خلقه من نَارٍ، ولا في تركيب الشَّهْوَةِ حيث غضب عليه ما يدفع أنه من المَلاَئِكَةِ، وحكى الثعلبي عن ابن عباس: "أنّ إبْلِيسَ كان من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الحِنّ خلقوا من نارِ السَّمُومِ، وخلقت الملائكة من نُورٍ، وكان اسمه بالسّريانية عَزَازيل، وبالعربية الحَارِث، وكان من خزّان الجنّة، وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا، وكان من سُلْطَانها، وسلطان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً، وكان يَسُوسُ ما بين السَّماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفاً وعظمةً، فذلك الذي دعاه إلى الكُفْرِ، فعصى الله، فمسخه شيطاناً رجيماً".
قوله تعالى: "أَبَى واسْتَكْبَرَ".
الظاهر أن هاتين الجملتين استئنافيتان لمن قال: فما فعل؟
والوقف على قوله: "إلاَّ إِبْلِيسَ" تام.
وقال أبو البقاء: "في موضع نصب على الحال من "إبليس" تقديره: ترك السجود كارهاً له ومستكبراً عنه".
فالوقف عنده على "واستكبر"، وجوز في قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينََ} أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً أيضاً، و "الإباء": الامتناع؛ قال الشاعر: [الوافر]

386- وَإِمَّا أنْ يَقُولُوا قَدْ أَبَيْنَا وَشَرُّ مَوَاطِنِ الحَسَبِ الإبَاءُ

وهو من الأفعال المفيدة للنفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء المفرّغ قال تعالى: { وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } [التوبة: 32].
والمشهور "أَبِيَ - يَأْبَى" بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع، وهذا قياس، فيحتمل أن يكون من قال: "أَبَى - يَأْبَى" بالفتح فيهما استغنى بمُضَارع من قال "أَبِيَ" بالكسر ويكون من التداخل نحو: "رَكَن - يَرْكَنُ" وبابه.
واستكبر بمعنى: تَكَبَّرَ، وإنما قدم الإباء عليه، وإن كان متأخراً عنه في الترتيب؛ لأنه من الأفعال الظَّاهرة؛ بخلاف الاستكبار؛ فإنه من أفعال القلوب.
قوله: "وَكَانَ" بل: هي هنا بمعنى "صَارَ"؛ كقوله: [الطويل]

387- بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأَنَّهَا قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا

أي: قد صارت. ورد هذا ابن فورك وقال: "تردّه الأصول، والأظهر أنها على بابها والمعنى: كان من القوم الكافرين الَّذين كانوا في الأَرْضِ قبل خَلْقِ آدم على ما روي، وكان في علم الله".
فصل في بيان بطلان قول أهل الجبر
قال القاضي: هذه الاية تدلُّ على بطلان قول أهل الجبر من وجوه:
أحدها: أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السُّجودِ؛ لأن عندهم القُدْرة على الفعل شرط، فإن من لا يقدر على الشيء لا يقال: إنه أباه.
وثانيها: أن من لا يَقْدِرُ على الفعل لا يقال: استكبر بأن لم يفعل، فإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع أنه لو أراد الفعل لأمكنه.
وثالثها: قال: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينََ} ولا يجوز أن يكون كافراً بأن لم يفعل ما لا يقدر عليه.
ورابعها: أن استكباره، وامتناعه خلق من الله فيه، فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً قال: ومن اعتقد مذهباً يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصَّفقة.
والجواب: يقال له: صدور ذلك عن "إبليس" لا يخلو، إما أن يكون عن قَصْدٍ ودَاعٍ أو لا.
فإن وقع لا عن فاعل، فكيف يثبت الصّانع، وإن وقع العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل.
وإن كان لا عن قَصْدٍ فقد وقع الفعل لا عن قَصْد.
[أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد] وداعٍ، قد ترجّح الممكن من غير مرجّح، وهو يسد باب إثبات الصانع، وأيضاً فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقياً، والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره، فكيف يؤمر به وينهى عنه، وإن وقع عن فاعل هو الله، فحينئذ يلزمك كل ما أوردته علينا.
فإن قيل: هذا منقوض بأفعال الله - سبحانه وتعالى - فإن التقسيم وارد فيها ليس اتفاقية ولا خبراً؟
قلنا: الله - تعالى - واجب الوجود لذاته، وإذا كان كذلك كان واجب الوجود أيضاً في صفاته، وإذا كان كذلك فهو مُسْتَغْنٍ في فاعليته عن المؤثرات والمرجّحات، إذ لو افتقر لكان محتاجاً.
فصل في بيان حال إبليس
قال قوم: كان "إبليس" منافقاً منذ كان.
وقال آخرون: كان كافراً، واستدلوا بقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينََ}؛ لأن كلمة "من" للتبعيض، والحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود قوم آخرين من الكفار حتى يكون هو بعضاً منهم، ويؤكده ما روي عن أبي هُرَيْرَةَ قال: إن الله خلق خلقاً من الملائكة، ثم قال لهم: إني خالق بشراً من طين؛ فإذا سوّيته، ونفخت فيه من روحي فَقَعُوا له سَاجِدِينَ. فقال: لا تفعل ذلك، فبعث الله عليهم ناراً، فأحرقتهم، وكان "إبليس" من أولئك الذين أَبْوا.
وقال آخرون: إنّ "كان" ها هنا بمعنى "صار" فيكون معنى الآية صار من الذين وقعوا في الكُفْرِ بعد ذلك، وأنه كان قبل ذلك مؤمناً، وهذا قول "الأصَمّ"، وذكر في مثاله قوله تعالى:
{ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ } [التوبة: 67] فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب المُوَافقة في الدين، وأيضاً فإن هذه إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية، وصحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك المَاهِيّة، كما أن الحيوان الذي خلقه الله تَعَالَى أولاً يصح أن يقال: إنه فرد من أفراد الحيوان، لا بمعنى أنه وَاحِدٌ من الحيوانات الموجودة خارج الذهن، بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه الماهية. واعلم أنه يتفرع على هَذَا أن "إبليس" هل كان أول من كفر بالله؟ والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله.
فصل في بيان أن الأمر كان للملائكة كلهم
قال الأكثرون: إن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسُّجُودِ لآدم، واحتجوا عليه بوجهين:
الأول: أن لفظ المَلاَئكة صيغة جمع، وهي تفيد العموم، لا سيما وقد أكدت بأكمل وجوه التوكيد في قوله: "كلّهم أَجْمَعُونَ".
الثاني: أن استثناء "إبليس" منهم، واستثناء الشخص الواحد منهم يدلّ على أن من عدا ذلك الشخص يكون داخلاً في ذلك الحكم، ومن الناس من أنكر ذلك، وقال: المأمور بهذا السُّجود هم ملائكة الأرض، واستعظم أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك.
وأما الحُكَمَاء فإنهم يحملون المَلاَئكة على الجَوَاهر الرُّوْحَانية، وقالوا: يستحيل أن تكون الأرواح السَّمَاوية مُنْقَادة للنفوس الناطقة، إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى البشرية المُطِيعة للنفس الناطقة، والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات.