التفاسير

< >
عرض

وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ
٣٥
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

الجملة من قوله: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} معطوفة على جملة "إذْ قُلْنَا" لا على "قلنا" وحده لاختلاف زمنيهما.
و "أنت" توكيد للضمير المُسْتَكِنّ في "أسكن" ليصح العطف عليه "وزوجك" عطف عليه، هذا هو مذهب البَصْريين، أعني اشتراط الفعل بين المُتَعَاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيداً؛ بل أي فصل كان، نحو:
{ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا } [الأنعام: 148].
وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل؛ وأنشدوا: [الخفيف]

388- قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى كَنِعَاجِ الفَلاَ تَعَسَّفْنَ رَمْلا

وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه، وقد منع بعضهم أن يكون "زوجك" عطفاً على الضمير المستكن في "اسكن"، وجعله من عطف الجُمَلِ، بمعنى أن يكون "زوجك" مرفوعاً بفعل محذوف، أي: وَلْتَسْكُنْ زَوْجُكَ، فحذف لدلالة "اسكن" عليه، ونظيره قوله: { لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ } [طه: 58] وزعم أنه مذهب سيبويه، وكان شبهته في ذلك أن من حَقّ المعطوف حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح هنا حلول "زوجك" محلّ الضمير لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكور نحو: "قُمْ واسْكُن" لا يكون إلا ضميراً مستتراً وكذلك فاعل يفعل، فكيف يصح وقوع الظاهر المضمر الذي قبله؟ وهذا الذي يزعم ليس بشيء؛ لأنَّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه؛ ولأنه لا خلاف في صحّة "تقوم هند وزيد" ولا يصحّ مُبَاشرة "زيد" لا "تقوم" لتأنيثه.
و" السُّكُون" و "السُّكْنَى": الاستقرار، ومنه "المِسْكِينُ" لعدم حركته وتصرّفه، والسِّكين لأنها تقطع حركة المَذْبوح، والسَّكينة لأن بها يذهب القَلَقُ.
وسكّان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسّكن: النار.
قال الشاعر: [مشطور السريع]

389-............................. قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَانْ

و" الجَنّ": مفعول به لا ظرف، نحو: "سكنت الدَّار".
وقيل: هي ظَرْف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها بـ "في" لكونها ظرف مكان مختصّ، وما بعد القول منصوب به.
فصل في بيان هل الأمر في الآية للإباحة أو لغير ذلك
اختلفوا في قوله: "اسكن" هل هو أمر أو إباحة؟
فروي عن قتادة: أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابْتَلَى الملائكة بالسُّجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنّة يأكل منها حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة.
وقال آخرون: إن ذلك إباحة.
والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة وعلى تكليف، وهو النهي عن أَكْلِ الشجرة.
قال بعضهم: قوله: "اسكن" تنبيه عن الخُرُوجِ؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً؛ لأن من أسكن رجلاً مَسْكناً له فإنه لا يملكه بالسُّكنى، وأن له أن يخرجه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان "الشَّعْبِيّ" يقول: إذا قال الرجل: داري لك سُكْنَى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال: داري هذه اسْكُنْهَا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مَاتَ، ونحو السُّكنى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكنى.
قال "الحربي": سمعت "ابن الأعرابي" يقول: لم يختلف العَرَبُ في أنّ هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العُمْرَى والرُّقْبَى والإفقار والإخْبَال والمِنْحَة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطْرَاق.
فصل في وقت خلق حواء
اختلفوا في الوَقْتِ الذي خلقت زوجته فيه، فذكر "السّدي" عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصَّحابة رضي الله عنهم: أن الله - تعالى - لما أخرج "إبليس" من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وَحْدَهُ ما كان معه مَنْ يستأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النَّوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقِّهِ الأيسر، ووضع مكانه لحماً، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وَجَدَ عند رأسه امرأةً قاعدةً فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خُلِقْتِ؟ قالت لتسكن إليَّ فقالت الملائكة: لنجرب علمه من عنده، قال: امرأة، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرأء أخذت، فقالوا له: ما اسمها؟ قال: حَوّاء، قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حََيّ.
وعن "ابن عباس" رضي الله عنهما قال: "بعث الله جنداً من الملائكة، فحملوا آدم وحَوّاء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - على سَرِيْرٍ من ذهب كما يحمل الملوك، ولباسهما النور حتى أدخلا الجنّة".
فهذا الخبر يدلّ على أن حواء خلقت قبل إدخالهما الجنة.
روى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"إنَّ المرأة خلقت من ضِلع الرَّجُل، فإذا أردت تَقْوِيمَهَا كَسَرْتَهَا، وإن تركتها انْتَفَعْتَ بها واسْتَقَامَتْ" ، وهذا القول منقول "عن أبي بن كعب، وابن عباس ووهب بن منبه، وسفيان بن عُيَيْنَةَ".
واختاره ابن قتيبة في "المَغَازي"، [والقاضي منذر بن سعيد البلوطي] وحكاه عن "أبي حنيفة" وأصحابه، وهو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب.
وفي رواية:
"وإن أَعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاَهُ؛ لن تستقيم لك على طَرِيقَةٍ واحدة، فإن اسْتَمْتََعْتَ بها، استمتعت وبها عِوَجٌ، وإن ذهبت تُقِيمُهَا كَسْرَتَهَا، وكَسْرُهَا طَلاَقُهَا" ؛ وقال الشاعر: [الطويل]

390- هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُهَا أَلاَ إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا
أَتَجْمَعُ ضَعْفاً وَاقْتِداراً عَلَى الفَتَى أَلَيْسَ عَجِيباً ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا

فصل في بيان خلافهم في الجنة المقصودة
اختلفوا في هذه الجنة هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السَّمَاء، فهل هي دار ثواب أو جنّة الخُلْدِ؟
فقال أبو القاسم البَلْخِيّ، وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ كما في قوله:
{ ٱهْبِطُواْ مِصْراً } [البقرة: 61] واحتجّا عليه بوجوه:
أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغُرُورُ من "إبليس" ولما صحّ قوله:
{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ } [الأعراف: 20].
وثانيها: أن من دخل هذه الجَنَّة لا يخرج منها لقوله تعالى:
{ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } [الحجر: 48].
وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله أن يصل إلى جنة الخلد.
ورابعها: أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله:
{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا } [هود: 108] إلى أن قال: { عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [هود: 108] أي: غير مقطوع.
وخامسها: لا نزاع في أن الله - تعالى - خلق آدم في الأَرْضِ، ولم يذكر في هذه القصّة أنه نقله إلى السماء، ولو كان - تعالى - قد نقله إلى السَّماء لكان أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدلّ على أن ذلك لم يحصل، وذلك يوجب أن هذه الجنّة غير جنّة الخلد.
وقال "الجُبَّائي": أن تلك الجَنّة كانت في السَّمَاء السَّابعة، والدليل عليه قوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا} ثم إنّ الاهباط الأول كان من السَّماء السَّابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان مِنَ السماء إلى الأرض.
وقال أكثر العلماء: إنها دَارُ الثواب؛ لأنَّ الألف واللام في لفظ الجَنّة لا يفيدان العموم؛ لأن سكون جميع الجِنَان مُحَال، فلا بد من صرفها إلى المَعْهُود السّابق، وجنّة الخلد هي المعهودة بين المسلمين، فوجب صرف اللفظ إليها.
وقال بعضهم: الكُلّ ممكن، والأدلّة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقُّف وترك القطع، والله أعلم.
فصل في إعراب الآية
قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} هذه الجملة عطف على "اسْكُن"، فهي في محلّ نصب بالقول، وأصل "كُلْ": "اؤكل" بهمزتين: الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل: أوكُل بإبدال الثانية حرفاً مجانساً لحركة ما قبلها، إلاّ أن العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفاً، فاستغنت حينئذ عن همزة الوَصْلِ، فوزنه "عُلْ" ومثله: "خُذْ" و "مُرْ"، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها، فلا تقول: من "أَجَرَ - جُر" ولا تَرَدُّ العرب هذه الفاء في العَطْفِ، بل تقول: "قم وخذ وكل" إلاَّ "مُرْ"، فإن الكثير رَدّ فاءه بعد الواو والفاء، قال تعالى:
{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ } [طه: 132]، وعدم الرد قليل.
وحكى سيبويه "اؤكل" على الأصل، وهو شاذّ.
وقال "ابن عطية": حذفت النون من "كُلا" للأمر.
وهذه العِبَارَةُ موهمةٌ لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج، وهو عند البصريين محمول على المجزوم، فإن سكن المجزوم سكن الأمر منه، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر.
و "منها" متعلّق به، و "من" للتبعيض، ولا بُدّ من حذف مضاف أي: من ثمارها ويجوز أن تكون "من" لابتداء الغاية، وهو حسن.
فإن قيل: ما الحكمة في عطفه هنا "وَكُلاَ" بالواو، وفي "الأعراف" بالفاء؟
والجواب: كلّ فعل عطف عليه شيء، وكان الفعل بمنزلة الشَّرط، وذلك الشَّيء بمنزلة الجزاء، عطف الثَّاني على الأوّل بالفاء دون الواو، كقوله تعالى:
{ وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا } [البقرة: 58] فعطف "كلوا" على "ادخلوا" بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالدُّخول موصل إلى الأَكْل، والأكل متعلّق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة "الأعراف": { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ } [الأعراف: 161] فعطف "كلوا" على قوله: "اسكنوا" بالواو دون الفاء؛ لأن "اسكنوا" من السُّكْنَى، وهو المقام مع طول اللّبْث والأكل لا يختص وجوده بوجوده؛ لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه، وإن كان مجتازاً، فلما لم يتعلّق الثاني بالأول تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء. إذا ثبت هذا فقوله: "اسكن" يقال لمن أراد منه، الزم المَكَان الذي دخلته، فلا تنفك عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخله: اسكن هذا المكان يعني: ادخله واسكن فيه، فقوله في سورة البقرة: {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ} إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنّة، فكان المُرَادُ منه اللُّبْث والاستقرار، وقد بَيَّنَّا أن الأكل لا يتعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الواو، وفي سورة "الأعراف" هذا الأمر إنما ورد قبل دخول الجَنّة، فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأَكْلَ متعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الفاء، والله أعلم.
و "رَغَداً" نعت لمصدر مَحْذوف، وقد تقدم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالاً.
وقيل: هو مصدرٌ في موضع الحال أي: كُلاَ طَيِّبَيْنِ مُهَنَّأَيْنِ.
وقرأ النَّخَعِي: وابن وَثّاب: "رَغْداً" بسكون الغَيْن، وهي لغة "تميم".
وقال بعضهم: كل فعل حَلْقي العَيْن صحيح اللاّم يجوز فَتْح عينه وتسكينها، نحو: "نَهْرَ وبَحْرَ" وهي لغة "تميم".
وهذا فيه نظر، بل المنقول أن "فَعْلاً" بسكون العين إذا كانت عينه حَلْقية لا يجوز فتحها عند البصريين؛ إلاّ أن يسمع فيقتصر عليه، ويكون ذلك على لُغتين؛ لأن إحداهما مأخوذة من الأخرى.
وأما الكوفيون فبعض هذا عندهم ذو لُغَتَيْنِ، وبعضه أصله السّكون، ويجوز فتحه قياساً، أما أن "فَعَلاً" المفتوح العين الحَلْقِيها يجوز فيه التسكين، فيجوز في السَّحَر: السَّحْر، فهذا لا يجيزه أحد.
و" الرّغد" الواسع الهنيء؛ قال امرؤ القيس: [الرمل]

391- بَيْنَمَا المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً يَأْمَنُ الأَحْدَاثُ في عَيْشٍ رَغَدْ

ويقال: رَغُِدَ عيشهم - بضم الغَيْن وبكسرها - وأرغد القوم: صاروا في رَغَدٍ.
"حَيْثُ شِئْتُما" حيث: ظرف مكان، والمشهور بناؤها على الضم لشبهها بالحرف في الافتقار إلى جملة، وكانت حركتها ضمة تشبيهاً بـ "قَبْلُ وبَعْدُ".
ونقل "الكسائي" إعرابها عن "قيس" وفيها لغات: "حَيْث" بتثليث الثاء، و"حَوْث" بتثليثها أيضاً، ونقل: "حَاثَ" بالألف.
وهي لازمة الظرفية لا تتصرف، وقد تجر بـ "من" كقوله تعالى:
{ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ } [البقرة: 222] { مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [الأعراف: 182] وهي لازمة للإضافة إلى جملة مطلقاً، ولا تضاف إلى المفرد إلا نادراً؛ قالوا: [الرجز]

392- أَمَا تَرَى حَيْثُ سُهَيْلٍ طَالِعَا

وقال آخر: [الطويل]

393- وَنَطْعَنُهُمْ تَحْتَ الحُبَى بَعْدَ ضَرْبِهِمْ بِبيضِ المَوَاضِي حَيْثُ لَيِّ العَمَائِمِ

وقد تزداد عليها "ما" فتجزم فعلين شرطاً وجزاءً كـ "إن"، ولا يجزم بها دون "ما" خلافاً لقوم، وقد تُشْرَبُ معنى التعليل، وزعم الأخفش أنها تكون ظرف زمان، وأنشد: [المديد]

394- لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ حَيْثُ تَهْدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ

ولا دليل فيه، لأنها على بابها. والعامل فيها هنا "كُلاَ" أي: "كلا أي مكان شئتما" توسعه عليهما.
وأجاز "أبو البقاء" أن تكون بدلاً من "الجنة" قال: "لأنّ الجنة مفعول بهما، فيكون حيث مفعولاً به" وفيه نظر؛ لأنها لا تتصرّف كما تقدّم إلا بالجر بـ "من".
و "شئتما" الجملة في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه. وهل الكسرة التي على الشين أصل كقولك: جئتما وخفتما، أو محوّلة من فتحة لتدلّ على ذوات الياء نحو: يعتمد؟
قولان مبنيان على وزن شاء ما هو؟ فمذهب المبرد أنه: "فَعَل" بفتح العين، ومذهب سيبويه "فَعِل" بكسرها، ولا يخفى تصريفهما.
قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} "لا" ناهية و "تَقْرَبَا" مجزوم بها حذفت نونه.
وقرىء: "تِقْرَبَا" بكسر حرف المُضَارعة، و "الألف" فاعل، وتقول: "قَرِبْتُ" الأمر "أَقْرَبُهُ" - بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع أي: التبست به.
وقال "الجَوْهَرِيّ"قَرُبَ" - بالضم - "يَقْرُبُ" - "قُرْباً" أي دنا. وَ "قَرِبْتُه" - بالكسر - "قِرْبَاناً" دنوت منه.
وَقَرَبت - أَقْرُبُ - قِرَابَةً - مثل: كَتَبت - أَكْتُبُ - كِتَابَةً - إذا سِرْتَ إلى الماء وبينك وبينه ليلة.
وقيل: إذا قيل: لا تَقْرَب - بفتح الرَّاء كان معناه - لا تلتبس بالفِعْلِ، وإذا قيل: لا تَقْرُب - بالضَّم - لا تَدْنُ منه.
و "هذه" مفعول به اسم إشارة للمؤنث، وفيها لُغات: هَذِي وَهَذِهِ وهَذِهِ بكسر الهاء بإشباع [ودونه] "وَهَذِهْ" بسكونها و "ذِهْ" بكسر الذال فقط، والهاء بدل من الياء لقربها منها في الخفاء.
قال "ابن عطية" ونقل أيضاً عن النَّحاس وليس في الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير "هذه"، وفيه نظر؛ لأن تلك الهاء التي تدلُّ على التأنيث ليست هذه؛ لأن "تيك" بدل من تاء التأنيث في الوقف، وأما هذه الهاء فلا دلالة لها على التأنيث، بل الدَّال عليه مجموع الكلمة كما لا يقال: الياء في "هذي" للتأنيث، وحكمها في القرب والبعد والتوسُّط، ودخول هاء التنبيه وكاف الخطاب حكم "ذا" وقد تقدم.
ويقال فيها أيضاً: "تِيكَ" و "تِيلك" و "تَالِكَ"؛ قال: [الوافر]

395- تَعَلَّمْ أَنَّ بَعْدَ الغَيِّ رُشْدَاً وأَنَّ لِتَالِكَ العُمْرِ انْكِسَارَا

قال هشام: ويقال: "تَا فَعَلَتْ"؛ وأنشد [الطويل]

396- خَلِيلَيَّ لَوْلاَ سَاكِنُ الدَّارِ لَمْ أقِمْ بِتَا الدَّارِ إِلاَّ عَابِرَ ابْنِ سَبِيلِ

و "الشجرة" بدل من "هذه".
وقيل: نعت لها لتأويلها بمشتقٍّ، أي: بهذه الحاضرة من الشجر. والمشهور أنَّ اسم الإشارة إذا وقع بعده مشتقّ كان نعتاً له، وإن كان جامداً كان بدلاً منه.
و "الشجرة" واحدة "الشجر": اسم جنس، وهو ما كان على ساقٍ، وله أغصان، وقيل: لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى:
{ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ } [الصافات:146] مع أنها كالزرع والبِطِّيخ، فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً.
قال المبرد: "وأحسب كلّ ما تفرعت له عِيْدَان وأغصان، فالعرب تسميه شجراً في وقت تشعبه".
وأصل هذا أنه كلما تشجر، أي: أخذ يَمْنَةً ويسرة، يقال: رأيت فلاناً قد شجرته الرّماح، قال تعالى:
{ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [النساء: 65] وتَشَاجَرَ الرجُلاَنِ في أمر كذا.
وقرىء: "الشِّجِرَة" بكسر الشين والجيم، وبإبدالها ياءً مع فتح الشِّين، وكسرها؛ لقربها منها مخرجاً؛ كما أبدلت الجيم منها في قوله: [الرجز]

397- يَا رَبِّ إِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتجْ فَلاَ يَزَالُ شَاحجٌ يَأْتِيكَ بِجْ

يريد: حجّتي وبي.
وقال الراجز أيضاً: [الرجز]

398- خَالِي عُوَيْفٌ وَأَبُو عَلِجْ أَلمُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بالعَشِجّ

يريد: أبو عَلِيّ، وبالْعَشِيّ.
وقال الشاعر في "شيَرَة": [الطويل]

399- إذَا لَمْ يَكُنْ فِيكُنَّ ظِلٌّ وَلاَ جَنًى فَأَبْعَدَكُنَّ اللهُ مِنْ شِيرَاتِ

وقال أبو عمرو: إنما يقرأ بها برابر مكة وسودانها، وجمعت "الشَّجَرَة" على "شَجْرَاء"، ولم يأت جمع على هذه الزِّنَةِ إلا قَصَبة وقَصْبَاء، وطَرَفَة وطَرْفَاء، وحَلَفَة وحَلْفَاء.
وكان الأصمعي يقول: "حَلِفَة - بكسر اللام" وعند سيبويه أن هذه الألفاظ واحدة وجمع.
و" المشجرة": موضع الأشجار، وأرض مشجرة، وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجراً، قاله الجوهري.
فصل في جنس الشجرة المذكورة
اختلف العلماء في هذه الشجرة المنهي عنها، فروي عن بعض العلماء أنه نهى عن جنس من الشجر.
وقال آخرون: إنما نهى عن شَجَرٍ بعينه، واختلفوا في تلك الشجرة.
روى السُّدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وجَعْدَة بن هُبَيْرَةَ هي الكَرْمُ، ولذلك حرمت علينا الخَمْرُ.
وقال ابن عباس أيضاً: وأبو مالك وقتادة، ورواه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عن النّبي صلى الله عليه وسلم هي السُّنبلة، والحَبَّة منها كشكل البقر، أحلى من العَسَلِ، وألين من الزّبد، قاله وهب بن منبّه.
ونقل ابن جريج عن بعض الصحابة أنها التين، وهو مروي أيضاً عن مجاهد وقتادة، ولذلك تعبر في الرُّؤيا بالندامة لآكلها، ذكره السهيلي.
وروي عن قتادة أيضاً هي شجرة العلم، وفيها من كل شيء.
وقال عَلِيّ: شجرة الكافور.
فصل في الإشعار بأن سكنى آدم لا تدوم.
قال بعض أرباب المعاني في قوله: "ولا تقربا" إشعار بالوقوع في الخَطِيئَةِ، والخروج من الجنة، وأنَّ سُكْنَاهُ فيها لا يدوم، لأن المخلد لا يخطر عليه شيء، والدليل على هذا قوله تعالى:
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: 30] فدلّ على خروجه منها.
فصل في المراد بالنهي عن الأكل من الشجرة
هذا النهي نهي تحريم، أو تنزيه؟ فيه خلاف.
قال قوم: هذا نهي تَنْزيه؛ لأن هذه الصِّيغة وردت في التنزيه والتحريم، والأصل عدم الاشتراك فلا بُدّ من جعل اللفظ حقيقةً في القَدْرِ المشترك بين القسمين، وما ذلك إلاَّ أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل، من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل، أو الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل، فإن الأصل في المَنَافع الإباحة، فإذا ضممنا مَدْلُولَ اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلاً على التنزيه، قالوا: وهذا هو الأولى بهذا المَقَام؛ لأنّ على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم - عليه الصلاة والسَّلام - إلى ترك الأولى، ومعلوم أن كل مذهب أفضى إلى عِصْمَةِ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كان أولى.
وقال آخرون: بل هذا نهي تحريم، واحتجوا عليه بأمور:
أحدها: أن قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} كقوله:
{ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } [البقرة: 222] وقوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } [الإسراء: 34] فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول.
وثانيها: قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} أي: إن أكلتما منها ظلمتما أنفسكما ألا ترى لما أكلا
{ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا } [الأعراف: 23].
وثالثها: لو كان للتنزيه لما استحقّ آدم بفعله الإخراج من الجنة، ولما وجبت التوبة عليه.
قال ابن الخطيب: الجواب عن الأول: أن النهي وإن كان في الأَصْلِ للتنزيه، لكنه قد يحمل على التحريم بدليل منفصل.
وعن الثاني: أن قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} أي: فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه؛ لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنّة التي لا تظمَآن فيها، ولا تَضْحَيَان ولا تَجُوعان ولا تَقْرُبَان إلى موضع ليس فيه شيء من هذا.
وعن الثالث: أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنّة كان لهذا السبب.
فصل في فحوى الآية
قال قوم قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} يفيد بِفَحْوَاهُ النهي عن الأكل؛ وفيه نظر لأن النهي عن القُربان لا يستلزم النهي عن الأَكْلِ؛ إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل الظاهر [إنما] يتناول النهي عن القرب.
وأما النهي عن الأكل، فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى:
{ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا } [الأعراف: 22] ولأنه حدث الكلام بالأكل فقال: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} فصار ذلك كالدّلاَلَةِ على أنه تعالى نَهَاهُمَا عن أكل ثمرة الشَّجرة، لكن النهي بهذا القول يعم الأكل، وسائر الانتفاعات، ولو كان نصّ على الأكل ما كان يعمّ ذلك، ففيه مزيد فائدة.
قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} فتكونا: فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون مجزوماً عطفاً على "تَقْربا"؛ كقوله: [الطويل]

400- فَقُلْتُ لَهُ: صَوِّبْ وَلاَ تَجْهَدَنَّهُ فَيُدْرِكُ مِنْ أَعْلَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ

والثَّاني: أنه منصوب على جواب النَّهْي لقوله تعالى: { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ } [طه: 81] والنصب بإضمار "أن" عند البَصْريين، وبالفَاءِ نفسها عند الجرمي، وبالخلاف عند الكوفيين. وهكذا كل ما يأتي مثل هذا.
و "الظَّالِمِينَ" خبر "كان".
و "الظلم": وضْع الشَّيْء في غَيْر موضعه، ومنه قيل للأرض الَّتي لم تستحقَّ الحَفْر، فتحفر: مَظْلُومة، قال النابغة: [البسيط]

401- إِلاَّ الأَوَارِيَّ لأْياً مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بَالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ

وقيل: سميت مظلومةً؛ لأنَّ المَطَر لم يأتها، قال عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ: [الكامل]

402- ظَلَمَ البِطَاحَ بِهَا انْهِلاَلُ حَرِيصَةٍ فَصَفَا النِّطَافُ بِهَا بُعَيْدَ المُقْلَعِ

وقالوا: "مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ"؛ قال: [الرجز]

403- بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيُّ في الكَرَمْ وَمَنْ يُشَابِهُ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ

والمراد من الآية هو أنكما إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما؛ لأن الأكل من الشجرة لا يقتضي ظُلْمَ الغير، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه، وبأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم وأعظم. والظلم على وجوه:
الأول: ظلم الظَّالم لنفسه بالمعصية كهذه الآية أي: فتكونا من العاصين.
الثاني: الظَّالمون المشركون، قال تعالى:
{ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ } [هود: 18] يعني: المشركين.
الثالث: الظلم: الضرر، قال تعالى:
{ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [النحل: 118]، أي: ما ضررناهم، ولكن كانوا أنفسهم يضرون.
الرابع: الظلم: الجحود، قال تعالى:
{ وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [الأعراف: 51] ومثله: "فَظَلَمُوا بِهَا" أي: فجحدوا بها.