التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٦
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

اعلم أن الحروف لا أَصْلَ لها في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى، فاقتضى كونه عاملاً.
أما المُشَابهة في اللفظ فلأنه تركّب من ثلاثة أحرف انفتح آخرها، ولزمت الأسماء كالأفعال، وتدخل نون الوقاية نحو "إنّني وكأنّني" كما تدخل على الفعل نحو: "أعطاني وأكرمني"، وأما المعنى فلأنه يفيد معنى في الاسم، فلما اشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل.
روى ابن الأنباري "أن الكِنْدِيّ" المتفلسف ركب إلى المبرد وقال: إني أجد في كلام العرب حشواً، أجد العرب تقول: "عبد الله قائم"، ثم يقولون: "إنَّ عبد الله قائم" ثم يقولون: "إِنّ عبد الله لقائم".
فقال المبرد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ: فقولهم: "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه.
واحتج عبد القاهر على صحّة قوله بأنها إنما تذكر جواباً لسؤال سائلٍ بقوله تعالى:
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ } [الكهف: 83] إلى أن قال: { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ } [الكهف: 84]، وقوله: { نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } [الكهف: 13]، وقوله: { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ } [الشعراء: 216].
قال عبد القاهر: والتحقيق أنّها للتأكيد، فإذا كان الخبر ليس يظنّ المخاطب خلافه لم يحتج إلى "أن"، وإنما يحتاج إليها إذا ظنّ السامع الخلاف، فأما دخوله اللاّم معها في جواب المنكر، فلأن الحاجة إلى التأكيد أشد.
فإن قيل: فلم لا دخلت "اللام" في خبرها في قوله تعالى:
{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } [المؤمنون: 16]، وأدخل "اللام" في خبرها في قوله قبل ذلك: { ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ } [المؤمنون: 15]، وهم كانوا يتيقنون الموت، فلا حاجة إلى التأكيد، فكانوا ينكرون البعث فكانت الحاجة لدخول "اللام" على البعث أشد ليفيد التأكيد.
فالجواب: أن التأكيد حصل أولاًَ بقوله:
{ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 12- 14].
فكان ذكر هذه السبع مراتب في خلق الإنسان أبلغُ في التأكيد من دخول "اللام" على خبر "إن"، فلذلك استغنى عن دخول "اللام" على خبر "إن"، وهي تنصب الاسم، وترفع الخبر خلافاً للكوفيين بأن رفعه بما كان قبل دخولها.
وتقرير الأول أنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ أو الخبر معاً، وتنصبهما معاً، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل؛ لأنهما كانا مرفوعين قبل دخولهما، فلم يظهر للعمل أثر ألبتة، ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الاسمين، فلا معنى للاشتراك، والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
والثاني - أيضاً - باطل، لأنه مخالف لعمل الفِعْلِ، لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خُلُوه عما يرفعه.
والثالث - أيضاً - باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع؛ لأن الفعل يعمل في الفاعل أولاً بالرفع؛ ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف ها هنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع.
ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعيّن الرابع، وهي أنها تنصب الاسم، وترفع الخبر، وهذا مما ينبّه على أن هذه الحروف لَيْسَتْ أصلية في العمل؛ لأنّ تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل.
وتخفّف "إن" فتعمل وتهمل، ويجوز فيها أن تباشر الأفعال، لكن النواسخ غالباً تختص بدخول "لام" الابتداء في خبرها، أو معمولة المقدم عليها، أو اسمها المؤخّر، ولا يتقدم خبرها إلا ظرفاً أو مجروراً، وتختص - أيضاً - بالعَطْفِ على محل اسمها، ولها ولأخواتها أحكام كثيرة.
و "الذين" اسمها و "كفروا" صلة وعائد، و "لا يؤمنون" خبرها، وما بينهما اعتراض، و "سواء" مبتدأ، و "أنذرتهم" وما بعده في قوة التَّأويل بمفرد هو الخبر، والتقدير: سواء عليهم الإنذار وعدمه، ولم يحتج هنا إلى رَابِطٍ؛ لأنّ الجملة نفس المبتدأ، ويجوز أن يكون "سواء" خبراً مقدماً، و "أنذرتهم" بالتأويل المذكور مبتدأ مؤخر تقديره: الإنذار وعدمه سواء.
قال ابن الخَطِيْبِ: اتفقوا على أنّ الفِعْل لا يخبر عنه؛ لأن قوله: "خرج ضرب" ليس بكلام منتظم، وقد قدحوا فيه بوجوه:
أحدها: أنّ قوله: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} فعل، وقد أخبر عنه بقوله:
{ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ، ونظيره ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ } [يوسف:35] فاعل "بَدَا" هو "يسجننه".
وثانيها: أن المخبر عنه بأنه فعل لا بد وأن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل.
فإن قيل: المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة، وتلك الكلمة اسم.
قلنا: فعلى هذا المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل اسماً كان هذا الخبر كذباً؛ والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً؛ لأن الاسم لا يكون فعلاً، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه.
وثالثها: أنا إذا قلنا: الفعل لا يخبر عنه، فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أَنَّا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه، وهذا خطأ، وإن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه. ثم قال هؤلاء: لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجةٌ إلى ترك الظاهر.
أما جمهور النحويين فقالوا: لا يجوز الإخبار عن الفعل، فلا جرم كان التقدير: سواء عليهم إنذارك وعدمه.
وهذه الجملة يجوز أن تكون معترضة بين اسم "إن" وخبرها، وهو "لا يؤمنون" كما تقدم، ويجوز أن تكون هي نفسها خبراً لـ "إن"، وجملة "لا يؤمنون" في محل نصب على الحال، أو مستأنفة، أو تكون دعاءً عليهم بعد الإيمان - وهو بعيد - أو تكون خبراً بعد خبر على رأي من يجوز ذلك.
ويجوز أن يكون "سواء" وحده خبر "إن"، و"أأنذرتهم" وما بعده بالتأويل المذكور في محل رفع بأنه فاعل له، والتقدير: استوى عندهم الإنذار وعدمه.
و "لا يؤمنون" على ما تقدّم من الأوجه أعني: الحال والاستئناف والدعاء والخبرية.
والهمزة في "أأنذرتهم" الأصل فيها الاستفهام، وهو - هنا - غير مراد، إذ المراد التسوية، و "أنذرتهم" فعل وفاعل ومفعول.
و "أم" - هنا - عاطفة وتسمى متصلةً، ولكونها متصلة شرطان:
أحدهما: أن يتقدمها همزة استفهام أو تسوية لفظاً أو تقديراً.
والثاني: أن يكون ما بعدها مفرداً أو مؤولاً بمفرد كهذه الآية، فإن الجملة فيها بتأويل مفرد كما تقدم، وجوابها أحد الشَّيئين أو الأشياء، ولا تجاب بـ "نعم" ولا بـ "لا"، فإن فقد الشرط سميت منقطعة ومنفصلة، وتقدر بـ "بل والهمزة"، وجوابها "نعم" أو "لا" ولها أحكام أخر.
و "لم" حرف جزم معناه نفي الماضي مطلقاً خلافاً لمن خصَّها بالماضي المنقطع، ويدلّ على ذلك قوله تعالى:
{ وَلَمْ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } [مريم: 4] { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [الإخلاص: 3]. وهذا لا يتصور فيه الانقطاع، وهي من خواصّ صيغ المضارع إلاّ أنها تجعله ماضياً في المعنى كما تقدم. وهل قلبت اللفظ دون المعنى أو المعنى دون اللفظ؟
قولان: أظهرهما الثاني: وقد يحذف مجزومها كقوله: [الكامل]

145- إِحْفَظْ وَدِيعَتَك الَّتِي اسْتُودِعْتَهَا يَوْمَ الأَعَازِبِ، إِنْ وَصَلْتَ، وَإِنْ لَمِ

و "الكفر" أصله: الستر؛ ومنه: "الليل الكَافِرُ"؛ قال: [الرجز]

146- فَوَرَدَتْ قَبْلَ انْبِلاَجِ الْفَجْرِ وَابْنُ ذُكَاءٍ كَامِنٌ فِي كَفْرِ

وقال [الكامل]

147- فَتَذَكَّرَا ثَقَلاً رَثِيداً بَعْدَما أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا فِي كَافِرِ

والكفر - هنا - الجحود. وقال آخر: [الكامل]

148-....................... فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا

قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ "الكفر" في القرآن على أربعة أَضْرُبٍ:
الأول: الكُفْر بمعنى ستر التوحيد وتغطيته قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}؟
الثاني: بمعنى الجُحُود قال تعالى:
{ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } [البقرة: 89].
الثالث: بمعنى كفر النّعمة، قال تعالى:
{ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ } [إبراهيم: 7] أي: بالنعمة، ومثله: { وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } [البقرة: 152] وقال تعالى: { أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } [النمل: 40].
الرابع: البراءة، قال تعالى:
{ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ } [الممتحنة: 4] أي: تبرأنا منكم، وقوله: { ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ } [العنكبوت: 25].
و "سواء" اسم معنى الاستواء، فهو اسم مصدر، ويوصف على أنه بمعنى مستوٍ، فيحتمل حينئذ ضميراً، ويرفع الظاهر، ومنه قولهم: "مررت برجل سواء والعدم" برفع "العدم" على أنه معطوفٌ على الضمير المستكنّ في "سواء"، وشذ عدم بمعنى: "مثل"، تقول: "هما سِيّان"بمعنى: مِثْلان، قال: [البسيط]

149- مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا وَالشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ سِيَّانِ

على أنه قد حكي سواءان. وقال الشاعر: [الطويل]

150- وَلَيْلٍ تَقُولُ النَّاسُ فِي ظُلُماتهِ سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ الْعُيُونِ وَعُورُهَا

فـ "سواء" خبر عن جمع هو "صحيحات"، وأصله: العدل؛ قال زهير: [الوافر]

151- أَرُونَا سُبَّةً لا عَيْبَ فِيهَا يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيْها السَّوَاءُ

أي: يعدل بيننا العدل. وليس هو الظرف الذي يستثنى به في قولك: "قاموا سواء زيد" وإن شاركه لفظاً.
ونقل ابن عطية عن الفارسي فيه اللغات الأربع المشهورة في "سوى" المستثنى به، وهذا عجيب فإن هذه اللغات في الظرف لا في "سواء" الذي بمعنى الاستواء.
وأكثر ما تجيء بعده الجملة المصدرية بالهمزة المُعَادلة بـ "أم" كهذه الآية، وقد تحذف للدلالة كقوله تعالى:
{ فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ } [الطور: 16] أي: أصبرتم أم لم تصبروا، وقد يليه اسم الاستفهام معمولاً لما بعده كقول علقمة: [الطويل]

152- سَوَاءٌ عَلَيْهِ أَيَّ حِينٍ أَتَيْتَهُ أَسَاعَةَ نَحْسٍ تُتَّقى أَمْ بأَسْعَدِ

فـ "أي حين" منصوب بـ "أتيته"، وقد يعرى عن الاستفهام، وهو الأصل؛ نحو: [الطويل]

153-................. سَوَاءٌ صَحِيْحاتُ الْعُيُونِ وَعُورُهَا

فصل في استعمالات "سواء"
وقد ورد لفظ "سواء" على وجوه:
الأول: بمعنى: الاستواء كهذه الآية.
الثاني: بمعنى: العَدْل، قال تعالى:
{ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } [آل عمران: 64] أي: عدل؛ ومثله: { سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } [الممتحنة: 1] أي: عدل الطريق.
الثالث: بمعنى: وسط، قال تعالى:
{ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 55] أي: وسط الجحيم.
الرابع: بمعنى: البَيَان؛ قال تعالى:
{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ } [الأنفال: 58] أي: على بيان.
الخامس: بمعنى: شرع، قال تعالى:
{ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً } [النساء: 89] يعني: شرعاً.
السادس: بمعنى: قصد، قال تعالى:
{ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } [القصص: 22] أي: قصد الطريق. و "الإنذار": التخويف.
وقال بعضهم: هو الإبلاغ، ولا يكاد يكون إلاَّ في تخويف يسع زمانه الاحتراز، فإن لم يسع زمانه الاحتراز، فهو إشعار لا إنذار؛ قال: [الكامل]

154- أَنْذَرْتُ عَمْراً وَهُوَ فِي مَهَلٍ قَبْلَ الصَّبَاحِ فقَدْ عَصَى عَمْرُو

ويتعدّى لاثنين، قال تعالى: { إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } [النبأ: 40]، { أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً } [فصلت: 13] فيكون الثاني في هذه الآية محذوفاً تقديره: أأنذرتهم العذاب أم لم تنذرهم إياه، والأحسن ألا يقدر له مفعول، كما تقدم في نظائره.
والهمزة في "أنذر" للتعدية، وقد تقدّم أن معنى الاستفهام هنا غير مراد؛ لأن التسوية هنا غير مرادة.
فقال ابن عَطيَّةَ: لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام؛ لأنّ فيه التسوية التي هي الاسْتِفْهَام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبراً: "سواء علي أَقُمْت أم قعدت"، وإذا قلت مستفهماً: "أخرج زيد أم قام"؟ فقد استوى الأمران عندك؟ هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على الخبر لفظ الاستفهام؛ لمشاركته إيَّاه في الإبهام، فكلّ استفهام تسوية وإن لم تكن كل تسوية استفهاماً، إلاَّ أن بعضهم ناقشه في قوله: "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه "الخبر" بما معناه: أن هذا الذي صورته صورة استفهام ليس معناه الخبر؛ لأنه مقدر بالمفرد كما تقدم، وعلى هذا فليس هو وحده في معنى الخبر؛ لأن الخبر جملة، وهذا في تأويل مفرد، وهي مناقشة لفظية.
وروي الوقف على قوله: "أَمْ لَمْ تُنْذرْ" والابتداء بقوله: "هُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ" على أنها جملة من مبتدأ وخبر. وهذا ينبغي ألا يلتفت إليه، وإنْ كان قد نقله الهُذَلِيّ في "الوقف والابتداء" له.
وقرىء "أأنذرتهم" بهمزتين محقّقتين بينهما ألف، وبهمزتين، محقّقتين بلا ألف بينهما وهي لغة "بني تميم"، وأن تكون الأولى قوية، والألف بينهما، وتخفيف الثانية بين بين، وهي لغة "الحجاز" وبتقوية الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية، وبينهما ألف. فمن إدخال الألف بين الهمزتين تخفيفاً وتحقيقاً قوله: [الطويل]

155- أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلاَجِلٍ وبَيْنَ النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ؟

وقال آخر: [الطويل]

156- تَطَالَلْتُ فَاسْتَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ آأَنْتَ زَيْدُ الأَرَانِبِ؟

وروي عن وَرْش إبدال الثَّانية ألفاً محضة.
ونسب الزمخشري هذه القراءة لِلَّحْنِ، قال: لأنه يؤدي إلى الجمع بين ساكنين على غير حدّهما، ولأن تخفيف مثل هذه الهمزة إنما هو بَيْنَ بَيْنَ. وهذا منه ليس بصواب، لثبوت هذه القراءة تواتراً.
وقرأ ابن محيصن بهمزة واحدةٍ على لفظ الخبر، وهمزة الاستفهام مرادة، ولكن حذفها تخفيفاً، وفي الكلام ما يدلّ عليها، وهو قوله: "أم لم"؛ لأن "أم" تُعَادل الهمزة، وللقراء في مثل هذه الآية تفصيل كثير.
فصل في المراد بالكافرين في الآية
المراد من "الذين كفروا" يعني مشركي العرب كأبي لَهَبٍ؛ وأبي جهل، والوليد بن المغيرة وأضرابهم.
وقال الكلبي: "هم رؤساء اليَهُودِ والمُعَاندون" وهو قول ابن عباس. والكفر - هنا - الجحود، وهو على أربعة أضرب:
كفر إنكار، وكفر جُحُود، وكفر عِنَادٍ، وكفر نفاق:
فـ "كفر الإنكار": هو ألا يعرف الله أصلاً، ولا يعترف به.
وكفر الجُحُود: هو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه، ككفر إبليس؛ قال تعالى:
{ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } [البقرة: 89].
وكفر العناد: هو أن يعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين به؛ ككفر أبي طَالِبٍ؛ حيث يقول: [الكامل]

157- وَلقَدْ عَلِمْتُ بَأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا

وكفر النفاق: هو أن يقر باللسان، ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله - تعالى - بواحد منها؛ لا يغفر له.
فصل في تحقيق حد الكفر
قال ابن الخطيب: تحقيق القول في حد الكفر أن كل ما نقل عن محمد - عليه الصلاة والسلام - أنه ذهب إليه، وقال به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة، أو بالاستدلال، أو بخبر الواحد الذي علم بالضرورة، فمن صدق به جميعه، فهو مؤمن، ومن لم يصدق بجميعه، أو لم يصدق ببعضه، فهو كافر، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة أنه ليس من دين محمد عليه الصلاة والسلام.
ومثاله من أنكر وجود الصّانع، أو كونه عالماً مختاراً، أو كونه واحداً، أو كونه منزهاً عن النَّقَائص والآفات، أو أنكر نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ كوجوب الصَّلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافراً.
فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دين محمد مثل كونه عالماً بالعلم أو بذاته، وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا، فلم ينقل بالتواتر القاطع للعُذْرِ، فلا جرم لم يكن إنكاره والإقرار به داخلاً في ماهيّة الإيمان، فلا يكون موجباً للكفر، والدليل عليه أنه لو كان جزءاً من ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول ألا يحكم بإيمان أحد إلاّ بعد أن يعرف أنه عرف الحق في تلك المسألة بين جميع الأمّة؛ ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلمَّا لم ينقل ذلك دلّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - ما وقف الإيمان عليها، ولما لم يكن كذلك وجب ألا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجباً للكفر، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من الأمة من أرباب التأويل، وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد، فظاهر أنه لا يمكن توقّف الكفر والإيمان عليه، والله أعلم.
فصل في الردّ على المعتزلة
احتجت المُعْتَزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماض مثل قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}،
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ } [الحجر: 9]، { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } [القدر: 1]، { إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً } [نوح: 1] على أن كلام الله محدث، سواء كان الكلام هذه الحروف، أو الأصوات، أو كان شيئاً آخر.
قالوا: لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلاّ إذا كان مسبوقاً بالمخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير، فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً، فيجب أن يكون محدثاً.
أجاب القائلون بقدم الكلام عنه بوجهين:
الأول: أن الله - تعالى - كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي، ولم يلزم حدوث علم الله تَعَالَى، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن خبر الله - تعالى - في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون، فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا، ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى؟.
الثاني: أن الله - تعالى - قال:
{ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } [الفتح: 27]، فلما دخلوا المسجد الحرام، ولا بد أن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا أجاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا؟ فإن قلت: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} صيغة جمع مع "لام" التعريف، وهي للاستغراق بظاهره، ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر؛ لأن كثيراً من الكفار أسلموا، فعلمنا أن الله - تعالى - قد تكلّم بالعام وأراد الخاص، إما لأجل أنَّ القرينة الدالّة على أن المراد من ذلك العام ذلك الخصوص كانت ظاهرةً في زمان الرَّسول - عليه الصلاة والسلام - فحسن ذلك لعدم اللّبس، وظهور المقصود، وإمّا لأجل أنّ المتكلّم بالعام لإرادة الخاص جائز، وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بَيَان التخصيص عن وقت الخِطَاب، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسُّك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق، لاحتمال أن المراد منها هو الخاص، وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا جَرَمَ حسن ذلك، وعدم العلم بوجود قرينة لا يدلّ على العدم.
وإذا ثبت ذلك ظهر أنّ استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف، والله أعلم.
فصل في المذهب الحق في "تكليف ما لا يطاق"
قال ابن الخطيب: احتج أهل السُّنة بهذه الآية وما أشبهها على تكليف ما لا يطاق وتقريره: أنه - تعالى - أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قطّ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله - تعالى - الصدق كذباً، والكذب عند الخصم قبيح، وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة، وهما مُحَالان على الله تعالى، والمفضي إلى المُحَال محال، فصدور الإيمان منه مُحَال، فالتكليف به تكليف بالمحال، وقد يذكر هذا في صورة العلم، وهو أنه - تعالى - لما علم منه أنه لا يؤمن، فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله جهلاً، وذلك محال، ويستلزم من المُحَال محال، فالأمر واقع بالمحال. ونذكر هذا على وجهٍ ثالثٍ: وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بأنه لا يؤمن؛ لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً، وهذا مُحَال، والأمر بالإيمان مع وجود علم الله بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضِّدِّين، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود، وكل ذلك مُحَال.
ونذكر هذا على وَجْه رابع: وهو أنه - تعالى - كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة [والإيمان يعتبر فيه تصديق الله - تعالى - في كل ما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط] وقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهو مكلّف بالجمع بين النفي والإثبات.
ونذكر هذا على وجه خامس: وهو أنه - تعالى - عاب الكُفّار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر عنه في قوله:
{ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } [الفتح: 15]، فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله، وذلك منهي عنه.
ثم ها هنا أخبر الله - تعالى - عنهم أنهم لا يؤمنون ألبتة، فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه وترك محاولة الإيمان يكون - أيضاً - مخالفة لأمر الله، فيكون الذم حاصلاً على الترك والفعل. فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع وهي هادمة لأصول الاعتزال، وكل ما استدلّ به المعتزلة من الآيات الواردة، فيأتي الجواب عنها عند ذكر كل آية منها إن شاء الله تعالى.