التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
٨٤
ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
-البقرة

اللباب في علوم الكتاب

هذا الخطاب كله كالذي قبله: وقوله: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} كقوله: {لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ ٱللهَ} في الإعراب سواء.
و "تُسْفِكُونَ" من "أَسْفَك" الرّباعي.
وقرأ طلحة بن مصرف، وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء وهي لغة، وأبو نهيك "تُسَفِّكُونَ" بضم التاء، وفتح السين، وتشديد الفاء.
و "وَلاَ تْخْرِجُونَ" معطوف.
فإن قيل: الإنسان ملجأ إلى ألاَّ يقتل نفسه فأي فائدة في النهي عنه؟
فالجواب من أوجه:
أحدها: أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل "الهِنْدِ" أنهم يقدرون في قتل النفس التَّخلُّص من عالم الفساد، واللحوق بعالم النور والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صحّ كونه مكلفاً به.
وثانيها: المراد لا يقتل بعضكم بعضاً، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتّصل به نَسَباً وديناً كقوله تعالى:
{ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ } [البقرة:54] وثالثها أنه إذا قتل غيره، فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقتصُّ منه بإقامة المسبّب مقام السَّبب، وهو قريب من قولهم: "القَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ"؛ وقال: [الطويل]

628ـ سَقَيْنَاهُمُ كَأْساً سَقَوْنَا بِمِثِلْهَا وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى المَوْتِ أَصْبَرَا

وقيل: لا تفسكوها بارتكاب أنفسكم ما يوجب سفكها كالارْتِدَاد نحوه وهو قريب مما قبله.
ورابعها: لا تتعرضوا لمُقَاتلة من يقتلكم، فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.
وخامسها: لا تسفكوا دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا، فتكونوا مهلكين لأنفكسم.
قوله: {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم} فيه وجهان.
الأول: لا تفعلون ما تستحقّون بسببه أن تخرجوا من دياركم.
الثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم؛ لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة.
"مِّن دِيَارِكُمْ" متعلّق بـ "تخرجون"، و "من" لابتداء الغاية، و "ديار" جمع دار الأصل: دَوَرَ؛ لأنه من دَارَ ـ يَدُورُ ـ دَوَرَاناً، فأصل دِيَار: دِوَار، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، واعتلالها في الواحد.
وهذه قاعدة مطّردة [في كل جمع على "فِعَالٍ" صحيح اللام قد اعتلت عين مفردة، أو سكنت حرف علة نحو:] ديار وثياب، ولذلك صحّ "رِوَاء" لاعتلال لامه، و"طِوَال" لتحرك عين مفردة، وهو "طويل".
فأما "طيال" في "طوال" فَشَاذّ، وحكم المصدر حكم هذا نحو: قام ـ قياماً، وصام ـ صياماً، ولذلك صح "لِوَاذ" لصحة فعله في قولهم: "لاوذ".
وأما دَيَّار فهو من لفظة الدار، وأصله: ديوان، فاجتمع الياء والواو فأعلاً على القاعدة المعروفة فوزنه: "فَيْعَال" لا "فَعَّال"، إذ لو كان "فَعَّالاً" لقيل: دَوَّار كـ "صَوَّام وقَوَّام" والدَّار: مجتمع القوم من الأَبنية.
وقال الخَلِيلُ: كل موضع حَلَّه الناس، وإن لم يكن أبنية.
[وقيل: سميت داراً لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطاً لإحاطته على ما يحويه].
و "النفس" مأخوذ من النّفَاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه.
وقوله: "ثم أقررتم".
قال أبو البقاء: فيه وجهان:
أحدهما: أن "ثُمّ" على بابها في إفادة العطف والتراخي، والمعطوف عليه محذوف تقديره: فَقَبِلْتُمْ، ثم أقررتم.
والثاني: أن تكون "ثم" جاءت لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر عنه، كقوله تعالى:
{ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ } [يونس:46].
قوله: "وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ" كقوله:
{ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } [البقرة:83] وفيها وجوه: أحدها: أقررتم بالمِيثَاق، ثم اعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها، كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا، شاهد عليها.
وثانيها: اعترفتم بقَبُوله، وشهد بعضكم على بعض بذلك؛ لأنه كان شائعاً بينكم مشهوراً.
وثالثها: وأنتم تشهدون اليوم ما مَعْشَرَ اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.
ورابعها: أن المراد بهذا الإقرار الذي هو الرِّضا بالأمر والصبر عليه، كما يقال فلان لا يقر على الضَّيم، فيكون المعنى أنه ـ تعالى ـ أمركم بذلك، ورضيتم به، وأقمتم عليه، وشهدتم على وجوبه وصحته.
فإن قيل: لم قال {أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} والمعنى واحد؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أقررتم يعني أسْلافكم، وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم.
الثاني: أقررتم في وقت المِيثَاقِ الذي مضى، وأنتم بعد ذلك تشهدون [بقلوبكم].
الثالث: أنه للتأكيد.
قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} فيه سبعة أقوال:
أحدها: وهو الظاهر أن "أنتم" في محل رفع بالابتداء، وهؤلاء خبره و "تقتلون" حال، والعامل فيها اسم الإشارة لما فيه من معنى الفِعْل، وهي حال منه ليتّحد ذُو الحال وعاملها.
وقد قالت العرب: "ها أنت ذا قائماً" و "ها أنا ذا قائماً" و "ها هوذَا قائماً" فأخبروا باسم الإشارة عن الضَّمير في اللَّفظ والمعنى على الإخبار بالحال، فكأنه قال: "أنت الحاضر"، "وأنا الحاضر"، "وهو الحاضر" في هذه الحالة.
ويدل على أن الجملة من قوله: "تَقْتُلُونَ" حال وقوع الحال الصريحة موقعها كما تقدم في: "ها أنا ذا قائماً" ونحوه إلى هذا المعنى نَحَا الزمخشري فقال: {ثُمّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ} استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارِهم وشَهَادتِهم، والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون: يعني أنكم قوم آخرون غيرُ أولئك المقربين، تنزيلاً لتغير الصّفة منزلة تغير الذَّات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به.
وقوله: "تَقْتُلُونَ" بيان لقوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ}.
واعترضه أبو حَيّان فقال: الظاهر أن المشار إليهم بقوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ} هم المخاطبون أولاً، فليسوا قوماً آخرين، ألا ترى أن التقدير الذي قَدَّره الزمخشري من تقدير [تغير الصّفة منزلة] تغيّر الذات لا يتأتى في نحو: ها أنا ذا قائماً، ولا في نحو: ها أنتم هؤلاء، بل المُخَاطب هو المشار إليه من غير تَغَيُّرٍ.
وأجيب بأن هذا الإيراد بعيد غير واضح.
والثاني: أن "أنتم" أيضاً مبتدأ، و "هؤلاء" خبره، ولكن بتأويل حذف مضاف تقديره: ثم أنتم مِثْلُ هؤلاء، و "تقتلون" حال أيضاً، العامل فيها معنى التشبيه، إلا أنه يلزم منه الإشَارة إلى غائبين؛ لأن المراد بهم أَسْلاَفهم علىهذا، وقد يقال: إنه نزل الغائب منزلة الحاضر.
الثالث: ونقله "ابن عطية" عن شيخه "ابن الباذش" أن "أنتم" خبر متقدم، و "هؤلاء" مبتدأ مؤخر. وهذا فاسد؛ لأن المبتدأ أو الخبر متى استويا تعريضاً وتنكيراً لم يَجُزْ تقدم الخبر، وإن ورد منه ما يوهم فمتأول.
الرابع: أن "أنتم" مبتدأ و "هؤلاء" مُنَادى حذف منه حرف النِّدَاء، وتقتلون خبر المبتدأ، وفصل بالنداء بين المبتدأ وخبره.
وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به "الفراء" وجماعة؛ أنشدوا: [البسيط]

629ـ إِنَّ الأُلَى وَصَفُوا قَوْمِي لَهُمْ فَبِهِمْ هَذَا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَنْ عَادَاكَ مَخْذُولاَ

أي: يا هذا، وهذا لا يجوز عند البصريين، ولذلك لُحِّنَ المتنبي في قوله: [الكامل]

630ـ هَذِي بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا ....................

وفي البيت كلام طويل.
الخامس: أن "هؤلاء" موصول بمعنى "الذي"، و "تقتلون" صلته، وهو خبر عن "أنتم" أي: أنتم الذين تقتلون. وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به "الفراء" وجماعة؛ أنشدوا: [البسيط]

631ـ................... نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ

أي: والذي تحملين، ومثله: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ } [طه:17] يعني: وما التي؟
السادس: أنَّ "هؤلاء" منصوب على الاختصاص، بإضمار "أعني" و "أنتم" مبتدأ، و "يقتلون" خبره، اعترض بينهما بجملة الاختصاص، وإليه ذهب ابن كَيْسَان. وهذا لا يجوز، لأن النحويين قد نصّوا على أن الاختصاص لا يَكُون بالنكرات، ولا أسماء الإشارة، والمستقرأ من لسان العرب أن المنصوب على الاختصاص: إما "أي" نحو: "اللهم اغفر لنا أيتها العِصَابة" أو معرف بـ "أل" نحو: نحن العَرَبَ أَقْرَى النَّاس للضيف، أو بالإضافة نحو: نحن مَعَاشِرَ الأنبياء لا نورّث، وقد يجيء كقوله: [الرجز]

632ـ بِنَا تَمِيماً يُكْشَفُ الضَّبَابُ

وأكثر ما يجيء بعد ضمير تكلُّم كما تقدم، وقد يجيء مخاطب كقولهم: "بك الله نرجو الفضل".
السابع: أن يكون "أَنْتُمْ هَؤُلاَء" على ما تقدّم من كونهما مبتدأ أو خبر، والجُمْلة من "تقتلون" مستأنفة مبينة للجملة قبلها، يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحَمْقَى، وبيان حَمَاقتكم وقلّة عقلوكم أنكم تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من دِيَارِهِمْ، وهذا ذكره الزَّمخشري في آل عمران في قوله:
{ هَٰأَنتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ } [آل عمران:66] ولم يذكر هنا، وسيأتي بنصه إن شاء الله تعالى.
قوله: "تَظَاهَرُونَ" هذه الجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "تُخْرجون" وفيها خمس قراءات: "تَظَّاهرُون" بتشديد الظَّاء، والأصل: تتظاهرون فأُدغم لقرب الظاء من التاء.
و "تَظَاهَرُون" مخففاً، والأصل كما تقدم، إلا أنه خفّفه بالحذف، وهل المحذوف الثانية وهو الأَوْلَى؛ لحصول الثقل بها، ولعدم دلالتها على معنى المُضَارعة، أو الأُولَى كما زعم هشام؛ قال الشاعر: [البسيط]

633ـ تَعَاطَسُونَ جَمِيعاً حَوْلَ دَارِكُمُ فَكُلُّكُمْ يَا بَنِي حَمْدَانَ مَزكُومُ

أراد: تتعاطسون فحذف.
و "تَظَّهَّرُون" بتشديد الظاء والهاء.
و "تَظَاهَرُون" من "تَظَاهر" و "تَتَظَاهَرُونَ" على الأصل من غير حذف، ولا إدْغَام وكلهم يرجع إلى معنى المعاونة والتَّنَاصُر من المظاهرة، كأن كل واحد منهم يسند ظَهْرَهُ للآخر ليتقوّى به، فيكون له كالظَّهر؛ قال: [الطويل]

634ـ تَظَاهَرْتُمُ أَسْتَاهَ بَيْتٍ تَجَمَّعَتْ عَلَى وَاحِدٍ لاَ زِلْتُمُ قِرْنَ وَاحِدِ

قال ابن الخطيب: الآية تدلّ على أن الظُّلم كما هو محرم، فإعانة الظالم على ظلمه محرمة.
فإن قيل: أليس أن الله ـ تعالى ـ لما أقدر الظَّالم على الظّلم، وأزال العوائق والموانع، وسلط عليه الشهوة الدّاعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحةً لوجب ألاَّ يوجد ذلك من الله تعالى؟
والجواب: أنه ـ تعالى ـ وإن مكّن الظَّالم من ذلك فقد زَجَرَهُ عن الظلم بالتَّهْديد والزجر، بخلاف المعني للظالم على ظلمه، فإنه يرغبه فيه، ويحسنه له ويدعوه إليه فظهر الفرق.
و "الإثم" في الأصل: الذنب، وجمعه "آثام"، ويطلق على الفعل الذي يستحقّ به صاحبه الذّم واللوم.
وقيل: هو ما تَنْفِرُ منه النفس، ولا يطمئنّ إليه القَلْب، فالإثْمُ في الآية يحتمل أن يكون مراداً به [أحد] هذه المعاني ويحتمل أن يتجوّز به عما يوجب الإثم من إقامة السَّبب مقام السَّبب مقام المسبب؛ كقوله: [الوافر]

635ـ شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي كَذَاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ

فعبر عن الخمر بالإثم، لما كان مسبَّباً عنها.
فصل في معنى العدوان واشتقاقه
و "العُدْوَان": التجاوز في الظلم، وقد تقدم في
{ يَعْتَدُونَ } [البقرة:61] وهو مصدر كـ "الكُفْرَان والغُفْرَان" والمشهور ضمّ فائه، وفيه لغة بالكَسْر.
قوله: {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} "إن" شرطية، و"يأتوكم" مجزوم بها بحذف النون والمخاطب مفعول.
و"أسارى" حال من الفاعل في "يأتوكم".
وقرأ الجماعة غير حمزة "أُسارى" وقرأ هو: "أَسْرَى" وقرىء: "أَسَارَى" بفتح الهمزة، فقراءة الجماعة تحتمل أربعة أوجه:
أحدها: أنه جُمِعَ جَمْع "كَسْلاَن" لما جمعهما من عدم النَّشَاط والتصرف، فقالوا: "أسير وأسارى" بضم الهمزة كـ "كَسْلاَن وكُسَالَى" و "سَكْرَان وسُكَارى"، كما أنه قد شبه كَسْلان وسَكْران به فجمعا جمعه الأصلي الذي هو على "فعلى" فقالوا: كسلان وكَسْلى، وسكران وسَكْرى لقولهم: أسير وأسرى.
قال سيبويه: فقالوا: في جمع كَسْلان كَسْلَى شبّهوه بـ "أَسْرَى". كما قالوا: أُسارى شبَّهوه بـ "كَسَالى"، ووجه الشبه أنَّ الأسْر يدخل على المرء كرهاً كما يدخل الكَسَل.
قال بعضهم: والدَّليل على اعتبار هذا المعنى أنهم جمعوا "مريضاً وميتاً وهالكاً" على "فَعْلَى" فقالوا: "مرضى وموتى وهَلْكَى" لما جمعها المَعْنَى الذي في "قَتْلَى وجَرْحَى".
الثَّاني: أنَّ "أُسَارى" جمع "أسير"، وقد وجدنا "فَعِيلاً" يجمع على "فُعَالى" قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قُدَامى. وفيه نظر، فإن هذا شاذّ لا يقاس عليه.
الثالث: أنه جمع "أسير" أيضاً، وإنما ضموا الهمزة من "أُسَارى" وكان أصلها الفَتْح كـ "نديم ونُدَامى" كما ضمت الكاف والسين من "كُسَالى" و "سُكَارى" وكان الأصل فيهما الفتح نحو: "عَطْشَان وعَطَاشى".
الرابع: أنه جمع "أسرى" الذي هو جمع "أسير" فيكون جمع الجمع.
وأما قراءة حمزة فواضحة؛ لأن "فَعْلَى" ينقاس في "فعيل" نحو: "جريح وجرحى" و "قتيل وقَتْلَى" و "مريض ومرضى".
وأما "أَسَارَى" بالفتح فقد تقدم أنها أصل أُسَارَى بالضم عند بعضهم، ولم يَعْرِفْ أهل اللُّغَة فرقاً بين "أُسَارَى" و "أَسْرَى" إلاَّ ما حكاه أبو عُبَيْدَة عن أبي عمرو بن العلاء، فإنه قال: "ما كان في الوَثَاقِ فهم الأُسَارَى، وما كان في اليد، فهم الأَسْرَى" ونقل بعضهم عنه الفرقَ بمعنًى آخر، فقال: "ما جاء مستأسراً فهم الأسْرَى، وما صار في أيديهم، فهم الأُسَارَى"، وحكى النقَّاشُ عن ثَعْلَبٍ؛ أنه لما سمع هذا الفَرْق قال: "هذا كلامُ المَجَانِينِ"، وهي جُرْأة منه على أبي عمرو، وحكى عن المبرِّد أنه يقال: "أسِير وأُسَرَاء" كـ "شَهِيدٍ وشُهَدَاء" و "الأَسِير": مشتقٌّ من "الإسَارِ" وهو القَيْدُ الذي يُرْبَطُ به من المحمل، فسمي الأسير أسيراً، وإن لم يُرْبَط، والأَسْر: الخلْقُ في قوله:
{ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ } [الإنسان:29] وأُسْرَة الرَّجْل: من يتقوَّى بهم، والأُسْر: احتباس البَوْل، ورجل مَأْسُور: أصابه ذلك؛ وقالت العربُ: أسَرَ قَتَبَهُ: أي: شَدَّه؛ قال الأعشى: [المتقارب]

636ـ وَقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَمَا قَيَّدَ الآسِرَاتُ الحَمَارَا

يريد: أنه بلغ في الشعر النّهاية؛ حتى صار له كالبيت الذي لا يَبْرَحُ عنه.
قوله: "تُفَادُوهُمْ" قرأ نافع وعاصم والكسائي: "تُفَادُوهُمْ"، وهو جواب الشرط، فلذلك حذفت نون الرفع، وقرأ الباقون: "تَفْدُوهُمْ"، وهل القراءتان بمعنى واحد، ويكون معنى "فَاعَل" مثل معنى "فَعَل" المجرد مثل: "عاقبت وسَافرت" أو بينهما فرق؟ خلاف مشهور، ثم اختلف الناس في ذلك الفرق ما هو؟
فقيل: معنى "فَدَاه" أعطى فيه فِدَاء من مال، و "فَادَاهُ": أعطى فيه أسيراً مثله؛ وأنشد: [الطويل]

637ـ وَلَكِنَّنِي فَادَيْتُ أُمِّيَ بَعْدَمَا عَلاَ الرَّأْسَ مِنْهَا كَبْرَةٌ وَمَشِيبُ

وهذا القول يرده قوله العباس رضي الله عنه: فَادَيْتُ نفسي وفاديت عقيلاً، ومعلوم أن لم يُعْط أسيره في مقابلة نفسه ولا وَلَدِهِ.
وقيل: تفدوهم بالصّلح، وتفادوهم بالعنف.
وقيل: تفدوهم تعطوا فديتهم، وتفادوهم تطلبون من أعدائكم فِدْيَةَ الأسير الذي في أيديكم؛ ومنه: [الوافر]

638ـ قِفِي فَادِي أَسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي وَقَوْمَكِ مَا أَرَى لَهُمُ اجْتِمَاعَا

والظاهر أن "تفادوهم" على أصله من أثنين، وذلك أن الأسير يعطى المال والأسير يعطى الإطلاق، وتفدوهم على بابه من غير مُشَاركة، وذلك أن الفريقين يَفدي صاحبه من الآخر بمال أو غيره، فالفعل على الحقيقة من واحد.
و "الفِدَاء" ما يفتدى به، فإذا كسروا فاءه، جاز فيه وجهان:
المدُّ والقَصْر، فمن المَدِّ قول النابغة: [البسيط]

639ـ مَهْلاً فِدَاءً لَكَ الأَقْوَامُ كُلُّهُمُ وَمَا أُثَمِّرُ مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدِ

ومن القصر قوله: [الطويل]

640ـ..................... فِدًى لَكَ مِنْ رَبٍّ طَرِيفِي وتَالِدِي

ومن العرب من يكسر: "فدى" مع لام الجر خاصّة، نحو: "فِدًى لَكَ أَبي وأمي" يريدون الدعاء له بذلك، وفدى يتعدّيان لاثنين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف جر، تقول: "فديت أو فاديت الأسير بمال"، وهو محذوف في الآية الكريمة.
قال ابن عطية: وحَسُنَ لفظ الإتْيَان من حيث هو في مُقَابلة الإخراج، فيظهر التَّضادّ المقبح لفعلهم في الإخراج.
يعني: أنه لا يناسب من أسأتم إليه بالإخراج من داره أن تحسنوا إليه بالفداء.
فصل فيما أخذ الله على بني إسرائيل
قال السّدي: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألاَّ يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيّما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وكانت "قريظة" حلفاء "الأوس"، "والنضير" حلفاء "الخزرج"، وكانوا يقتلون في حرب سِنِيْنَ، فيقاتل "بنو قريظة" مع حلفائهم، "وبنو النضير" مع حلفائهم، وإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، وإن كان الأسير من عدوّهم، فتعيّرهم العرب، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، فيقولون: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تذلّ حلفاؤنا، فعيّرهم الله تعالى، فقال: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ}.
وفي الآية تقديم وتأخير، ونظمها: وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وهو محرم عليكم إخراجهم، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم فكان الله ـ تعالى ـ أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسرائهم، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء، فقال عز وجل:
{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } [البقرة:85].
وقال مجاهد: يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك.
قوله: "وَهُوَ مُحَرَّمٌ" فيه وجوه.
والظاهر منها: أن يكون "هو" ضمير الشأن والقصّة، فيكون في محلّ رفع بالابتداء، و "محرم" خبر مقدم، وفيه ضمير قائم مقام الفاعل، و "إخراجهم" مبتدأ مؤخر، والجملة من هذه المبتدأ والخبر في محل رفع خبراً لضمير الشأن، ولم تحْتَجْ هنا إلى عائد على المبتدأ؛ لأن الخبر نفس المبتدأ أو عينه.
وهذه الجملة مفسرة لهذا الضمير، وهو أحد المواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده وقد تقدّمت، وليس لنا من الضَّمائر ما يفسَّر بجملة غيرُ هذا الضمير، ومن شرطه أن يؤتى به في مَوَاضع التَّعْظيم، وأن يكون معمولاً للابتداء أو نواسخه فقط، وأن يفسر بجملة مصرح بجزئيها، ولا يُتبع بتابع من التَّوَابع الخمسة، ويجوز تذكيره وتأنيثه مطلقاً خلافاً لما فصل، فتذكيره باعتبار الأمر والشأن، وتأنيثه باعتبار القصّة فتقول:
"هو زيد قائم"، ولا يثنى ولا يجمع، ولا يحذف إلا في مواضع تذكر إن شاء الله تعالى، والكوفيُّون يسمونه ضمير المَجْهُول، وله أحكام كثيرة.
الوجه الثاني: أن يكون "هو" ضمير الشأن أيضاً، و "محرم" خبره، و "إخراجهم" مرفوع على أنه مفعول لَمْ يسمّ فاعله. وهذا مذهب الكوفيين، وإنما فَرُّوا من الوجه الأول؛ لأن عندهم أن الخبر المحتمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ، فلا يقال: قائم زيد على أن يكون "قائم" خبراً مقدماً، وهذا عند البصريين ممنوع لما عرفته أن ضمير الشأن لا يفسّر إلا بجملة، والاسم المشتق الرافع لما بعده من قبيل المُفْرَدَات لا الجمل، فلا يفسر به ضمير الشَّأن.
الثَّالث: أن يكون "هو" كناية عن الإخْرَاج، وهو مبتدأ، و "محرم" خبره، و "إخراجهم" بدل منه، وهذا على أحد القولين.
وهو جواز إبدال الظَّاهر من المضمر قبله ليفسره، واستدلّ من أجاز ذلك بقوله: [الطويل]

641ـ عَلَى حَالَةٍ لَوْ أَنَّ في الْقَوْمِ حَاتِماً عَلَى جُودِهِ لَضَنَّّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ

فـ"حَاتم" بَدلٌ عن الضمير في "جُودِهِ".
الرابع: أن يكون "هو" ضمير الإخراج المَدْلُولَ عليه بقوله: "وَتُخْرِجُونَ" و "مُحَرَّمٌ" خبره، و "إخْرَاجُهُمْ" بدل من الضمير المستتر في "محرم".
الخامس: كذلك، إلا أن"إخراجهم" بدلٌ من "هو". نقل هذين الوجيهن أبو البقاء، وفي هذا الأخير نظر، وذلك أنك إذا جعلت "هو" ضمير الإخراج المدلول عليه بالفعل كان الضمير مفسراً به نحو:
{ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } [المائدة:8] فإذا أبدلت منه "إخراجهم" المَلْفُوظَ به كان مَفسّراً به أيضاً، فيلزم تفسيره بشيئين، إِلاَّ أن يقال: هذان الشيئان في الحقيقة شيء واحد فيُحتمل ذلك.
السادس: أجاز الكوفيون أن يكون "هو" عماداً، وهو الذي يسميه البصريون ضمير الفَصْل قُدّم مع الخبر، والأصل: وإخراجهم هو محرم عليكم، و"إخراجهم" مبتدأ، و "محرم" خبره، و "هو" عِمَاد، فلما قدم الخبر قدم معه.
قال الفراء: لأن الواو ـ هنا ـ تطلب الاسم، وكل موضع نطلب فيه الاسم فالعماد جائز وهذا عند البصريين ممنوع من وجهين:
أحدهما: أنَّ الفصل عندهم من شرطه أن يقع بين معرفتين أو بين معرفة ونكرة قريبة من المعرفة في امتناع دخول أل كـ "أفعل من" ومثل وأخواتها.
والثاني: أن الفَصْل عندهم لا يجوز تقديمه مع ما اتصل به.
والسابع: قال ابن عطية: وقيل في "هو": إنه ضمير الأمر، والتقدير: والأمر محرم عليكم، وإخراجهم في هذا القول بدل من "هو".
وقال أبو حَيَّان: وهذا خطأ من وجهين:
أحدهما: تفسير ضمير الأمر بمفرده، وذلك لا يجيزه بَصْري ولا كُوفي، أما البصري فلاشتراطه جملة، وأما الكوفي فلا بد أن يكون المفرد قد انتظم منه [نحو "ظننته قائماً الزيدان".
والثاني: أنه جعل "إخراجهم"] بدلاً من ضمير الأمر، وقد تقدم "أَلاَّ يُتْبَع بِتَابعٍ".
الثامن: قال ابن عطيّة أيضاً: وقيل: هو فاصلة، وهذا مذهب الكوفيين، وليست هنا بالتي هي عماد، و "مُحَرّم" على هذا ابتداء، و "إخراجهم" خبر.
قال: أبو حيان والمنقول عن الكوفيين عكس هذا الإعراب، أي: يكون "إخراجهم" مبتدأ مؤخراً، و "محرم" خبر مقدم قُدِّم مع الفَصْل كما تقدم، وهو الموافق للقواعد، ولا يلزم منه الإخبار بمعرفة عن نكرة من غير ضرورة تدعو إلى ذلك.
التاسع: نقله ابن عطيّة أيضاً عن بعضهم أن "هو" الضمير المقدر في "محرم" قدم وأَظْهِر.
قال الشيخ: وهذا ضعيف جدّاً؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى انفصال هذا الضمير بعد اسْتِتَارِهِ وتقديره، وأيضاً فإنه يلزم خلوّ اسم المفعول من ضمير؛ إذ على هذا القول يكون "محرم" خبراً مقدماً، و "إخراجهم" متبدأ مؤخراً ولا يوجد اسم فاعل، ولا مفعول خالياً من الضمير إلاَّ إذا رفع الظَّاهر، ثم يبقى هذا الضمير لا ندري ما إعرابه، إذ لا يجوز مبتدأ، ولا فاعلاً مقدماً وفي قول الشيخ: "يلزم خُلوُّه من ضمير" نظر؛ إذ هو ضمير مرفوع به، فلم يخل منه غاية ما في الباب أنه انفصل للتقديم.
وقوله: "لا ندري ما إعرابه"؟ قد دري، وهو الرفع بالفاعلية.
وقوله: والفاعل لا يقدم "ممنوع" فإن الكوفي يجيز تقديم الفَاعِلِ، فيحتمل أن يكون هذا القائل يرى ذلك، ولا شكّ أن هذا قول رديء منكر لا ينبغي أن يجوز مثله في الكلام، فكيف في القرآن! فالشيخ معذور، والعجب من ابن عطية كيف يورد هذه الأشياء حاكياً لها ولم يُعَقِّبْها بنكير؟
وهذه الجملة يجوز أن تكون محذوفةً من الجمل المذكورة قبلها، وذلك أنه قد تقدم ذكر أربعة أشياء كلها محرمة وهي قوله: تقتلون أنفسكم وتخرجون [فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ]، وتظاهرون، وتفادون فيكون التقدير: تقتلون أنفسكم وهو محرّم عليكم قتلها وكذلك مع البواقي.
ويجوز أن يكون خصّ الإخراج بذكر التحريم، وإن كانت كلها حراماً، لما فيه من معرَّة الجلاء والنّفي الذي لا ينقطع شرّه إلا بالموت والقَتْل، وإن كان أعظمَ منه إلاَّ أن فيه قطعاً للشر، فالإخراج من الدِّيَار أصعب الأربعة بهذا الاعتبار.
و "المحرم": الممنوع، فإن التَّحريم هو المَنْع من كذا، والحَرَام: الشَّيء الممنوع منه يقال: حَرَامٌ عليك وسيأتي تحقيقه في "الأنبياء" إن شاء الله تعالى.
فصل في المراد بالكفر والإيمان في الآية
اختلف العلماء في قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} قال ابن عباس وقتادة وابن جريج: "إخراجهم كفر، وفداؤهم إيْمَان؛ لأنه ذمهم على المُنَاقضة، إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض".
فإن قيل: هَبْ أن ذلك الإخراج كان معصيةً، فَلِمَ سماها كفراً؟ مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر.
فالجواب: لعلّهم صرحوا بأن ذلك الإخراج غير واجب مع أنّ صريح التوراة كان دالاً على وجوبه.
الثاني: أن المراد تمسّكهم بنبوة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع التكذيب بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أن الحُجّة في أمرها سواء.
قوله: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ} "ما" يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون نافية، و "جزاء" متبدأ، و "إلاَّ خِزْيٌ" خبره وهو استثناء مفرّغ وبَطَلَ علمها عند الحِجَازيين لانتقاض النفي بـ "إلاّ"، وفي ذلك خلاف وتفصيل وتلخيصه: أن خبرها الواقع بعد "إلا" جمهور البصريين على وجوب رفعه مطلقاً سواءً كان هو الأول، أمر منزلاً منزلته، أو صفة أو لم يكن، ويتأولون قوله: [الطويل]

642ـ وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مَنْجَنُوناً بِأَهْلِهِ وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إِلاَّ مُعَذَّبَا

على أن الناصب لـ"منجنوناً" و "معذباً" محذوف، أي: يدور دَوَرَان منجنون، ويعذب مُعَذَّباً تَعْذِيباً.
وأجاز يونس النصب مطلقاً، وإن كان النَّحَّاس نقل عدم الخلاف في رفع ما زيد إِلاَّ أخوك فإن كان الثَّاني منزلاً منزلة الأوّل نحو: "ما أنت إِلاَّ عمامتك تحسيناً وإلاَّ رداءك تزييناً". فأجاز الكوفيون نصبه، وإنْ كان صفة نحو: "ما زيد إلا قائم" فأجاز الفراء نصبه أيضاً.
والثاني: أن تكون استفهاميةً في محلّ رفع بالابتداء، و "جزاء" خبره، و "إِلاَّ خِزْي" بدل من "جزاء" نقله أبو البَقَاءِ.
و "الجزاء": المقابلة خَيْراً كان أو شَرًّا.
و "مَنْ" موصولة، أو نكرة موصوفة، و "يفعل" لا محلّ لها على الأول، ومحلها الجر على الثاني.
"مِنْكُمْ" في محلّ نصب على الحال من فاعل "يفعل"، فيتعلّق بمحذوف، أي: يفعل ذلك حال كونه منكم.
و "الخِزْي": الهَوَان والذّل والمَقْت، يقال: أخزاه الله إذا مَقَتَهُ وأبعده، ويقال: خَزِيَ ـ بالكسر ـ يَخْزى خِزْياً فهو خَزْيَان، وامرأة خَزْيَا، والجمع خَزَايَا. وقال ابن السِّكِّيت: الخزي الوقوع في بَلِيَّةٍ، وخَزِيَ الرجل في نفسه يخزى خزايةً إذا استحيا.
وإذا قيل: أخْزَاه الله، كأنه قيل: أوقعه موقعاً يُستحيى منه، فأصله على هذا الاستحياء.
قوله: "فِي الْحَيَاةِ" يجوز فيه وَجْهَان:
أحدهما: أن يكون في محلّ رفع؛ لأنه صفة لـ "خِزْي" فيتعلّق بمحذوف، أي: خِزْيٌ كائن في الحياة.
الثَّاني: أن يكون محلّه النصب على أنه ظرف لـ "خِزْي"، فهو منصوب به تقديراً.
و "الدُّنْيَا"فُعْلَى" تأنيث الأدنى من الدّنو، وهو القُرْب، وألفها للتأنيث، ولا تحذف منها "أل" إلا لضرورة كقوله: [الرجز]

643ـ يَوْمَ تَرَى النُّفُوسُ مَا أَعَدَّتِ في سَعْيِ دُنْيَا طَالَمَا قَدْ مُدَّتِ

وياؤها عن واو، وهذه قاعدة مطردة، وهي: كل"فُعْلَى" صفة لامها واو تبدل ياء. نحو"الدنيا والعُلْيَا".
فأما قولهم: "القُصْوَى" عند غير "تميم"، و "الحُلْوَى" عند الجميع فَشَاذٌّ.
فلو كانت "فُعْلَى" اسماً صحّت الواو؛ كقوله: [الطويل]

644ـ أَدَارًا بِحُزْوَى هِجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرَةً فَمَاءُ الْهَوَى يَرْفَضُّ أَوْ يَتَرَقْرَقُ

وقد استعملت استعمال الأسماء، فلم يذكر [موصوفها، قال تعالى: { تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } [الأنفال:67] وقال ابن السّراج في "المقصور والممدود": و "الدنيا"] مؤنّثة مقصورة، تكتب بالألف، هذه لغة "نجد" و "تميم"، إلاَّ أن "الحجاز"، "وبني أسد" يلحقونها ونظائرَهَا بالمَصَادر ذوات الواو، فيقولون: دَنْوَى مثل شَرْوَى وكذلك يفعلون بكل "فُعْلَى" موضع لامها واو، ويفتحون أولها، ويقلبون باءها واواً، وأما أهل اللغة الأولى، فيضمون الدال، ويقلبون من الواو ياء لاستثقالهم الواو مع الضمة.
فصل في المراد بالخِزْي في الآية
اختلفوا في هذا الخِزْي على جوه:
أحدها: قال الحَسَن: وهو الجزية والصَّغَار، وهو ضعيف؛ لأن الجِزْيَةَ لم تكن ثابتةً، في شريعتهم، بل إن حملنا الآية على خطاب الذين كانوا في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيصحّ.
الثاني: خِزْي "بني قريظة" بالقَتْل والسَّبي، وخزي بني النَّضير بالجَلاَء والنفي عن منازلهم إلى "أَذْرعات" و "أريحا" من "الشام"، وهذا أيضاً إنما يصحّ إذا حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم.
الثالث: قال ابن الخَطِيْبِ وهو الأولى: إنّ المراد منه الذَّمّ العظيم ولتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض، والتنكير في قوله: "خزي" يدلّ على أن الذّم واقع في النهاية العظمى.
[وقوله] يُرَدُّونَ [قرىء] بالغيبة على المشهور وفيه وجهان.
أحدها: أن يكون التفاتاً، فيكون راجعاً إلى قوله "أَفَتُؤْمِنُونَ" فخرج من ضمير الخطاب إلى الغيبة.
والثَّاني: أنه لا التفات فيه، بل هو راجع إلى قوله: "مَنْ يَفْعَلْ".
وقرأ الحسن: "تُرَدُّون" بالخطاب وفيه الوجهان المتقدمان:
فالالتفات نظراً لقوله: "مَنْ يَفْعَلْ"، وعدم الالتفات نظراً لقوله: "أَفَتُؤْمِنُونَ".
وكذلك: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرىء في المشهور بالغيبة والخطاب والكلام فيهما كما تقدم.
فإن قيل: عذاب الدّهري الذي ينكر الصَّانع يجب أن يكون أَشدَّ من عذاب اليهود، فكيف يكون في حقّ اليهود {يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ}؟
فالجواب: المراد منه أشد من الخِزْي الحاصل في الدنيا، فلفظ الأشد وإن ـ كان مطلقاً ـ إلاّ أن المراد أشد من هذه الجهة.