التفاسير

< >
عرض

قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ
٦٥
قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ
٦٦
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ
٦٧
قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ
٦٨
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ
٦٩
فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ
٧٠
-طه

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {قَالُواْ يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ} الآية: وهنا حذف والتقدير: فحضروا الموضع قالوا السحرة يا موسى.
قوله: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ} فيه أوجه:
أحدها أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: اختر أحد الأمرين. كذا قدره الزمخشري.
قال أبو حيان: هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وتفسير الإعراب إما أن تختار الإلقاء.
والثاني: أنه مرفوع على خبر ميتدأ محذوف تقديره: الأمر إما إلقاؤك أو إلقاؤنا. كذا قدره الزمخشري.
الثالث: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: إلقاؤك أول، ويدل عليه قوله: {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى}، واختار أبو حيان، وقال: فتحسن المقابلة من حيث المعنى، وإن لم تحسن المقابلة من حيث التركيب اللفظي. قال: وفي تقدير الزمخشري الأمر إلقاؤك فيه. وتقدم نظير هذا في الأعراف.
فصل
معنى الكلام: إما أن تلقي ما معك قَبْلنا (وإما أنْ نلقي ما معنا قبلك) وهذا التخيير مع تقديمه في الذكر حسن أدب منهم وتواضع، فلا جرم رزقهم الله الإيمان ببركته، ثم إن موسى - عليه السلام - قابل أدبهم بأدب فقال: "بَلْ أَلْقُوا".
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول موسى "بَلْ أَلْقُوا" فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى - عليه السلام - كان كفراً؟
فالجواب من وجوه:
الأول: لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر، لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهروا، الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة موسى - عليه السلام - (كان ذلك الإلقاء إيماناً إنما الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى - عليه السلام -، وهو عليه السلام) إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال السؤال.
والثاني: ذلك الأمر كان مشروطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله تعالى:
{ { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } [البقرة: 23] (أي: إن كنتم قادرين).
الثالث: أنه لما تعيَّن ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزاً، وهذا كالمحقق إذا علم في أن قلب واحد شبهة، وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه ويخرج بسببها عن الدين، فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه، ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها، ويزيل أثرها عن قلبه، فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض جائز فكذا ههنا.
الرابع: أن لا يكون ذلك أمراً بل معناه: إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسًّا لكي ينكشف الحق.
الخامس: أن موسى - عليه السلام - لا شك أنه كان كارهاً لذلك ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله:
{ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } [طه: 61] وإن كان كذلك استحال أن يأمرهم بذلك، لأن الجمع بين كونه ناهياً آمراً بالفعل الواحد محال، فعلمنا أن أمره غير محمول على ظاهره، وحينئذ يزول الإشكال. فإن قيل: لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم إسماع الشبهة على إسماع الحجة غير جائز، فكذا تقديم إرائة الشبهة على إرائة الحجة يجب أن لا يجوز، لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده، فيبقى حينئذ في الكفر والضلال، وليس لأحد أن يقول: إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو - عليه السلام - قابل ذلك بأن قدمهم، لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز.
فالجواب أنه - عليه السلام - كان قد أظهر المعجزة مرةً واحدةً فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى، والقوم إنما جاءوا لمعارضته، فقال - عليه السلام - لو أظهرت المعجزة أولاً لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وهو لا يجوز، ولكنني أفوض الأمر إليهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر، ثم أظهر أنا ذلك المعجز الذي يبطل سحرهم، فيكون هذا التقديم سبباً لدفع الشبهة فكان أولى.
قوله: "فَإِذَا حِبَالُهُمْ" هذه الفاء عاطفة على (جملة محذوفة دل عليها السياق، والتقدير: فَأَلْقُوا فَإذَا، وإذا هي التي للمفاجأة وفيها ثلاثة أقوال تقدمت:
أحدها: أنها باقية على ظرفية الزمان.
الثاني: أنها ظرف مكان.
الثالث: أنها حرف.
قال الزمخشري: والتحقيق فيها أنها الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها، وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون الناصب لها فعلاً مخصوصاً، وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} ففَاجأ موسى وقتَ تخييل سَعْي حِبَالهم وعصيّهم، وهذا تمثيل، والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيّهم مخيِّلةً إليه السعي.
قال أبو حيان: قوله: إنها زمانية قول مرجوح، وهو مذهب الرياشي.
وقوله: الطالبة ناصباً لها صحيح. وقوله: وجملة تضاف إليها ليس صحيحاً عند بعض أصحابنا، لأنها إما أن تكون هي خبراً لمبتدأ، وإما أن تكون معمولة لخبر المبتدأ، وإذا كان كذلك استحال أن تضاف إلى الجملة، لأنها إما أن تكون بعض الجملة أو معمولة لبعضها، فلا يمكن الإضافة.
وقوله: خصت في بعض المواضع إلى آخره. قد بيَّنا الناصبَ لها. وقوله: والجملة بعدها ابتدائية لا غير هذا الحصر ليس بصحيح، بل جوَّز الأخفش على أن الجملة الفعلية المقترنة بقد تقع بعدها نحو خرجت فإذا قد ضرب زيد عمراً وبنى على ذلك مسألة الاشتغال نحو: خرجتُ فإذا زيدٌ قد ضربه عمرو، برفع زيد ونصبه على الاشتغال.
وقوله: والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيِّلةً إليه السعي، فهذا عكس ما قدر بل المعنى على مفاجأة حبالهم وعصيِّهم إياه. فإذا قلت: خرجت فإذا السبع، فالمعنى: أنه فاجأني وهجم ظهوره. انتهى.
قال شهاب الدين: وما ردَّ به غير لازم له، لأنه ردَّ عليه بقول بعض النحاة، وهو لا يلزم ذلك القول حتى يرد به عليه لا سيما إذا كان المشهور غيره ومقصوده تفسير المعنى. وقال أبو البقاء: الفاء جواب ما حذف وتقديره: فألقوا فإذا، فـ "إذا" في هذا ظرف مكان العامل فيه "أَلْقُوا". وفي هذا نظر.، لأن "أَلْقُوا" هذا المقدر لا يطلب جواباً حتى يقول: الفاء جوابه، بل كان ينبغي أن يقول: الفاء عاطفة هذه الجملة الفجائية على جملة أخرى مقدرة، وقوله: ظرف مكان هذا مذهب المبرد، وظاهر قول سيبويه أيضاً وإن كان المشهور بقاؤها على الزمان وقوله: إن العامل فيها "فَأَلْقُوا" لا يجوز لأن الفاء تمنع من ذلك. هذا كلام أبي حيان. ثم قال بعده: ولأن "إذا" هذه إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو حبالهم وعصيهم إن لم يجعلها هي في موضع الخبر، لأنه يجوز أن يكون) الخبر "يُخَيَّل"، ويجوز أن تكون "إذا" و "يُخَيَّلُ" في موضع الحال، وهذا نظير: خرجت فإن الأسد رابضٌ ورابضاً، وإذا رفعت رابضاً كانت إذا معمولة له والتقدير: فبالحضرة الأسد رابض، أو في المكان، وإذا نصبت كانت "إذا" خبراً، ولذلك يكتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاماً نحو خرجت فإذا الأسد.
قوله: "يُخَيَّل إلَيْهِ" قرأ العامة "يُخَيَّل" بضم الياء الأولى وفتح الثانية مبنيًّا للمفعول، و "أنَّهَا تَسْعَى" مرفوع بالفعل قبله لقيامه مقام الفاعل تقديره: يُخَيَّل إليه سعيُهَا.
وجوز أبو البقاء فيه وجهين:
أحدهما: (أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير الحِبَال والعِصِيّ وإنما ذكَّر ولم يقل "تُخَيَّلُ" بالتاء من فوق، لأن تأنيث الحبال غير حقيقي.
الثاني: أن القائم مقام الفاعل ضمير يعود على الملقي، فلذلك ذكر. وعلى الوجهين: ففي قوله: "أَنَّهَا تَسْعَى" وجهان أحدهما): أنه بدل اشتمال من ذلك الضمير المستتر في "يُخَيَّل" والثاني: أنه مصدر في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر أيضاً، والمعنى: يُخَيَّل إليه هي أنها ذات سعي. ولا حاجة إلى هذا، وأيضاً فقد نصوا على أن المصدر المؤول لا يقع موقع الحال، لو قلت: جاء زيد أن رَكَض، تريد ركضاً بمعنى ذا ركض لم يجز.
وقرأ ابن ذكوان: "تُخَيَّلُ" بالتاء من فوق، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الفعل مسند لضمير الحِبَال والعِصِيّ، أي: تُخَيَّل الحبال (والعصي، و) "أنَّهَا تَسْعَى" بدل اشتمال من ذلك الضمير.
الثاني: كذلك إلا "أنَّهَا تَسْعَى" حال، أي: ذات سَعْي كما تقدم تقريره قبل ذلك.
الثالث: أن الفعل مسند لقوله: "أنَّهَا تَسْعَى" كقراءة العامة في أحد الأوجه وإنما أنَّثَ الفعل لاكتساب المرفوع التأنيث بالإضافة، إذ التقدير: تُخَيَّلُ إلَيْه سَعْيُها، فهو كقوله:

3674- شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ

({فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}).
وقرأ أبو السمال: "تَخَيَّلُ" بفتح التاء والياء مبنياً للفاعل، والأصل: تَتَخَيَّلُ، فحذف إحدى التاءين نحو "تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ"، و "أَنَّهَا تَسْعَى" بدل اشتمال أيضاً من ذلك الضمير. وجوَّز ابن عطية أيضاً أنه مفعول من أجله. ونقل ابن جبارة الهذلي: قراءة أبي السمال: "تُخَيِّل" بضم التاء من فوق وكسر الياء، فالفعل مسند لضمير الحبال، و "أنَّهَا تَسْعَى" مفعول، أي: تُخَيِّل الحبال سعيها.
ونسب ابن عطية هذه القراءة للحسن وعيسى الثقفي.
وقرأ أبو حيوة: "نُخَيِّل" بنون العظمة، و "أَنَّها تَسْعَى" مفعول به أيضاً على هذه القراءة.
وقرأ الحسن والثقفي "عُصيِّهم" بضم العين حيث وقع، وهو الأصل، وإنما كسرت العين إتباعاً (للصاد، وكسرت الصاد إتباعاً) للياء نحو دَلْو ودِلِيّ، وقوس وقِسِيّ، والأصل: عُصُوو، بواوين فأًُعِلَّ كما ترى بقلب الواوين ياءين استثقالاً لهما، فكسرت الصاد لتصح الياء، وكسرت العين إتباعاً.
ونقل صاحب اللوامح: أنَّ قراءة الحسن "عُصْيُهُمْ" بضم العين وسكون الصاد وتخفيف الياء مع الرفع، وهو أيضاً جمع كالعامة إلا أنه على فُعْل، والأول على فُعُول كفُلُوس.
والجملة من "تُخَيِّل" يحتمل أن تكون في محل رفع خبراً لهي على أن "إذا" الفجائية فضلة. وأن تكون في محل نصب على الحال على أن "إذا" الفجائية هي الخبر والضمير في "إِلَيْه" الظاهر عوده على موسى. وقيل يعود على (فِرْعَون) (ويدل للأول) قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ}.
وفيه إضمار أي: فألقوا فإذا حبالُهُم وعِصِيُّهم، جمع حبل وعصا.
فصل
قال ابن عباس: أَلْقَوا حِبَالَهُمْ وَعِصيَّهُم وأخذوا أعين الناس فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيَّات وكانت أخذت مَيْلاً من كل جانب، وأنها تسعى فخاف، و {أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً} وأوجَسَ: أضمر في نفسه خوفاً. (وقيل: وجد في نفسه خيفة).
فإن قيل: كيف استشعر الخوف وقد عرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، فجعل العصا حيَّة عظيمة، ثم إنه تعالى أعادها لما كانت، ثم أعطاه الاقتراحات الثمانية، وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن وقال له بعد ذلك كله:
{ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } [طه: 46]، فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه؟
فالجواب من وجوه: أحدها: قال الحسن: إن ذلك الخوف إنما كان لطبع البشرية من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره.
والثاني: قال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره، فيظنون أنهم قد ساووا موسى - عليه السلام - ويؤكده قوله تعالى: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}.
الثالث: خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه، فيدوموا على اعتقاد باطل.
الرابع: لعلَّه - عليه السلام - كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي، فلما تأخر نزول الوحي في ذلك الجمع بقي في الخجل.
الخامس: لعله - عليه السلام - خاف من أنه لو أبطل سحرهم، فلعلَّ فرعون قد أعد أقواماً آخرين فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهلم جرًّا، فلا يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود.
فصل
اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، اثنان من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، أكرههم فرعون على ذلك مع كل واحد منهم عصا وحبل.
وقال ابن جريج: تسعمائة، ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية. وقال وهب: خمسة عشر ألفاً. وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفاً.
وقال القاسم بن سلام: سبعون ألفاً. وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال. ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بقوله: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} أي الغالب: يعني: لك الغلبة والظفر، وذلك يدل على أن خوفه كان لأمر يرجع إلى أنَّ أمره لا يظهر للقوم، فآمنه الله بقوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}، وفيه أنوع من المبالغة: أحدها: ذكر كلمة التأكيد وهي (إنَّ). وثانيها تكرير الضمير. وثالثها: لام التعريف. ورابعها: لفظ العلو، وهو الغلبة الظاهرة.
قوله: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} وهاهنا سؤال، وهو أنه لم لم يقل وألق عصاك؟
والجواب: جاز أن يكون تصغيراً لهما، أي: لا تبالِ بكثرة حِبالِهِمْ وعِصِيهم، وألق العُوَيد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك، فإنَّه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها.
وجاز أن يكون تعظيماً لها أي لا تُخيفك هذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء عندها، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. قوله: "تَلْقَفْ" أي: تَلْقَمْ وتبتلع "مَا صَنَعُوا" بسرعة.
قرأ العامة بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء على جواب الأمر، وقد تقدم أن حفصاً يقرأ "تَلْقَفْ" بسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ ابن ذكوان هنا "تَلَقَّفُ" بالرفع إما على الحال، وإما على الاستئناف، وأنّث الفعل في "تَلْقَفْ" حملاً على معنى "ما" لأن معناها العصا، ولو ذكَّر ذهاباً إلى لفظها لجاز ولم يقرأ به.
وقال أبو البقاء: إنه يجوز أن يكون فاعل "تَلْقَفْ" ضمير موسى فعلى هذا يجوز أن يكون "تَلْقَفُ" في قراء الرفع حالاً من موسى، وفيه بُعْد. و ("صَنَعُوا" ههنا: اختلقوا وزَوّرُوا) والعرب تقول في الكذب: هو كلام مصنوع. قوله: {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحر} العامة على رفع "كَيْد" على أنه خبر "إنَّ" و "مَا" موصولة، و "صَنَعُوا" صلتها، والعائد محذوف، والموصول هو الاسم، والتقدير: إنَّ الذي صنعوه كَيْدُ سَاحِرٍ.
ويجوز أن تكون "مَا" مصدرية فلا حاجة إلى العائد، والإعراب بحاله والتقدير: (إنَّ صُنْعَهُم) كيدُ ساحر.
(وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن عليّ "كَيْدَ" بالنصب على أنه مفعول به و "مَا" مزيدة مهيئة. وقرأ الأخوان: "كَيْدُ سِحْرٍ" على أن) المعنى: كَيْدُ ذُوِي سِحْرٍ، (أو جعلوا نفس السحر مبالغةً وتبييناً للكيد، أي حيلةَ سحر، لأنه يكون سحراً وغير سحر) كما تميز سائر الأعداد بما يفسره نحو مائة درهم، وألف دينارٍ، ومثله علم فقهٍ وعلمُ نحوٍ. وقال أبو البقاء: "كَيْدُ سَاحِرٍ" إضافة المصدر إلى الفاعل، و "كَيْدُ سِحْرٍ" إضافة الجنس من النوع. والباقون: ("سَاحِرٍ"). وأفرد ساحِراً وإن كان المراد به جماعة، قال الزمخشري: لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد (فلو جمع لَخُيِّلَ أنَّ المقصود هو العدد). وقرىء "سَاحِراً" بالنصب على أن "مَا" كافة. ثم قال: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} من الأرض. قال ابن عباس: لا يسعد حيث كان. وقيل معناه: حيث احتال.
قوله: {فَألْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} لما ألْقَى ما في يمينه، وصار حيَّةً، وتلقف ما صنعوا، وظهر الأمر، خروا عند ذلك سجداً، لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعل موسى - عليه السلام - خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر البتّة، روي أن رئيسهم قال: كُنَّا نغلِبُ الناسَ بالسحر، وكانت (الآلات) تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً فأيْنَ ما ألقيناه؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم، وبظهوره على يد موسى - عليه السلام - على كونه رسولاً صادقاً من عند الله فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود. قال الأخفش: إنهم في سرعة ما سجدوا كأنهم خروا. قال الزمخشري: ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم للكفر والحجود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة، والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سُجَّداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
قال القاضي: هذا بعيد، لأنهم لو أراهم عياناً لصاروا ملجئين، وذلك لا يليق به قولهم:
{ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا } [طه: 73].
وأجيب: أنه لما جاز لإبراهيم مع قطعه بكونه مغفوراً له أن يقول:
{ وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِيَ خَطِيئَتِي } [الشعراء: 82] فلم لا يجوز في حق السحرة؟
قوله: {ءَامَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسَىٰ} احتج التعليمية بهذه الآية وقالوا: إنَّهم آمَنُوا بالله الذي عرفوه من قِبَل هارون وموسى، وفي الآية فائدتان:
الفائدة الأولى: أنَّ فرعون ادَّعى الربوبية في قوله: "أَنَا رَبُّكُم". والإلهية في قوله:
{ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } [القصص: 38] فلو قالوا: آمَنَّا بربِّ العالمين، لكان فرعون يقول: إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، ويدل عليه تقديمهم ذكر هارون على مُوسى، لأن فرعون كان يدعي ربوبية موسى (بناء على أنه ربَّاه)، وقال: { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً } [الشعراء: 18]، فالقوم لما احترزوا على إيهامات (فرعون قدموا ذكر هارون على موسى قطعاً لهذا الخيال.
الفائدة الثالثة: هي أنهم لما شاهدوا) ما خصهما الله تعالى به من المعجزات العظيمة والدرجات الشريفة قالوا: {رَبِّ هارُونَ وَمُوسَىٰ}.