التفاسير

< >
عرض

وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ
٢٢٤
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ
٢٢٥
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ
٢٢٦
إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ
٢٢٧
-الشعراء

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ}. قد تقدم أن نافعاً بتخفيف التاء ساكنة وفتح الباء في سورة الأعراف عند قوله: "لا يَتَّبِعُوكُمْ" والفرق بين المخفف والمثقل. وسكن الحسنُ العينَ، ورويت عن أبي عمرو، وليست ببعيدة عنه كـ "يَنْصُرْكُمْ" وبابه وروى هارون عن بعضهم نصب العين، وهي غلط، والقول بأن الفتحة للإتباع خطأ، والعامة على رفع "الشُّعَرَاءُ" بالابتداء، والجملة بعده الخبر. وقرأ عيسى بالنصب على الاشتغال.
فصل
لمّا قال الكفار: لم لا يجوز أن يقال: الشياطين تنزل بالقرآن على محمد، كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة، وعلى الشعراء بالشعر؟ ثم إنه تعالى فرق بين محمد - عليه السلام - وبين الكهنة، ذكر هاهنا ما يدل على الفرق بينه وبين الشعراء: بأن الشعراء يتبعهم الغاوون، وهم: الضالون: ثم بيَّن أنَّ ذلك لا يمكن القول به لأمرين:
الأول: {أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} والمراد منه: الطرق المختلفة، كقولك: أنا في واد وأنت في واد, وذلك بأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذمّوه, وبالعكس, وقد يعظمونه بعدما يستحقرونه وبالعكس وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق، بخلاف أمر محمد - عليه السلام - فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحدة، وهو الدعوة إلى الله، والترغيب في الآخرة، والإعراض عن الدنيا.
والثاني: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ}.
وذلك أيضاً من علامات الغواية، فإنهم يرغِّبُون في الجود، ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصيرون إليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عنهم وعن واحد من أسلافهم. ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة، وأما محمد - عليه السلام - فإنه بدأ بنفسه
{ فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ } [الشعراء: 213] ثم بالأقرب فالأقرب فقال: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } [الشعراء: 214] وكل ذلك خلاف طريقة الشعراء، فظهر بهذا البيان أنَّ حال محمد - عليه السلام - لم يشبه حال الشعراء.
قوله: "يَهِيمُونَ". يجوز أن تكون هذه الجملة خبر "أَنَّ" وهذا هو الظاهر، لأنه محط الفائدة، و {فِي كُلِّ وَادٍ} متعلق به. ويجوز أن يكون {فِي كُلِّ وَادٍ} هو الخبر، و "يَهِيمُونَ" حال من الضمير في الخبر, والعامل ما تعلق به هذا الخبر, أو نفس الجار كما تقدم في نظيره. ويجوز أن تكون الجملة خبراً بعد خبر عند من يَرَى تَعَدُّد الخبر مطلقاً. وهذا من باب الاستعارة البليغة، والتمثيل الرائع، شبَّه جَوَلاَنَهم في أفانين القول، وطرائق المدح والذم، والتشبيب، وأنواع الشعر بِهَيْمِ الهائم في كل وجهٍ وطريق. وقيل: أراد بـ "كُلِّ وَادٍ" أي: على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون (القوافي).
والهائم: الذي: يَخبِطُ في سَيْرِهِ ولا يقصد موضعاً معيناً، يقال هام على وجهه، أي: ذهب والهائم: العاشق من ذلك، والهَيْمَان: العطشان والهُيَامُ داءٌ يأخذ الإبلَ من العطش، وجَمَلٌ أَهْيَمُ وناقةٌ هَيْمَاءُ والجمع فيهما هِيمٌ قال تعالى: "شُرْبَ الهِيمِ" والهُيَامُ من الرمل: اليابس، فإنهم يخيلون فيه معنى العطش.
فصل
قال المفسرون: أراد شعراء الكفار، وكانوا يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر مقاتل أسمائهم فقال: منهم عبد الله بن الزِّبعرَى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي تكلموا بالكذب والباطل، وقالوا: نحن نقول كما قال محمد، وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم يسمعون أشعارهم حين يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويروون عنهم ذلك فذلك قوله: "يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ" وهم الرواة الذين يريدون هجاء المسلمين. وقال قتادة: هم الشياطين.
ثم إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف استثنى شعراء المسلمين الذي كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون الكفار ويكافحون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه منهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}.
روي عن كعب بن مالك أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -
"إِنَّ اللَّهَ قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نصح النبل" وفي رواية قال له: "اهْجُهُمْ فوالذي نفسي بيده هو أشد عليهم من النبل" .
وكان يقول لحسان: "قُلْ فإنَّ روح القدس معك" .
واعلم أن الله تعالى وصفهم بأمور:
الأول: الإيمان، وهو قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}.
وثانيها: العمل الصالح، وهو قوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
وثالثها: أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة، ودعوة الحق، وهو قوله: [{وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً}].
ورابعها: أنْ لا يذكروا هجواً إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم وهو] {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} قال الله تعالى:
{ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } [النساء: 148]. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً" وقالت عائشة: الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح. وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، [وكان عمر يقول الشعر]، وكان عليٌّ أشعر الثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده.
وقوله: {وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، {وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} أي: انتصروا من المشركين، لأنهم بدأوا بالهجاء، ثم أوعد شعراء المشركين فقال: {وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أشركوا وهجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} أيّ مرجع يرجعون بعد الموت.
قال ابن عباس: إلى جهنم والسعير.
قوله: "أَيَّ مُنْقَلَبٍ" منصوب على المصدر، والناصب له "يَنْقَلِبُونَ" وقُدِّم، لتضمنه معنى الاستفهام، وهو معلق لـ "سَيَعْلَمُ" سادّاً مسدّ مفعوليها.
وقال أبو البقاء: "أيَّ مُنْقَلَبٍ" صفة لمصدر محذوف، أي: ينقلبون انقلاباً أي منقلب، ولا يعمل في "سَيَعْلَمُ" لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وهذا مردود بأن أيّاً الواقعة صفة لا تكون استفهامية، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة لشيء بل كل منهما قسم برأسه.
و "أي" تنقسم إلى أقسام كثيرة، وهي: الشرطية، والاستفهامية، والموصولة، والصفة، والموصوفة عند الأخفش خاصة، والمناداة نحو: يا أيهذا والمُوصّلة لنداء ما فيه (أل) نحو: يا أيُّهَا الرجلُ. عند غير الأخفش، والأخفش يجعلها في النداء موصولة.
وقرأ ابن عباس والحسن "أَيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ" بالفاء والتاء من فوق من الانفلات.
روى الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"أُعْطيتُ السورة التي يذكر فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي يذكر فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة" .
وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إنَّ اللَّه تعالى أعطاني السبع مكان التوراة، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي" .
وعن أبي أمامة عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به، وهود, وشعيب، وصالح، وإبراهيم، وبعدد من كذب بعيسى، وصدق بمحمد - صلى الله عليه وسلم -" .